Facebook RSS
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

عندما أعدتُ بناء الإنسان، أعدتُ بناء العالم.


نشر الكاتب البرازيلى الشهير «باولو كويلو» قصة قصيرة يقول فيها: كان الأب يحاول أن يقرأ الجريدة، ولكن ابنه الصغير لم يكفّ عن مضايقته ومحاولة جذب انتباهه، وحين تعب الأب من ابنه فكّر فى حيلة تجعل ابنه ينشغل عنه، فقام بقطع ورقة فى الصحيفة كانت تحوى خريطة العالم، ومزقها إلى قطع صغيرة وقدّمها لابنه، وطلب منه إعادة تجميع الخريطة ثم عاد لقراءة صحيفته ظانًا أن الطفل سيبقى مشغولًا عنه بقية اليوم، إلا أنه لم تمر خمس عشرة دقيقة حتى عاد الابن إليه وقد أعاد ترتيب الخريطة.
فتساءل الأب مذهولًا: هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا؟! رد الطفل قائلًا: لا، فقال له الأب مستغربًا: فكيف استطعت إذن بهذه السرعة أن ترتب الأوراق المبعثرة؟ فقال الطفل: كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة، وعندما أعدتُ بناء الإنسان، أعدتُ بناء العالم.
 

الأسطورة.. وغشاء اللغة

نشر بتاريخ: 2020-11-05

اللغة هي مساحات شاسعة من الرموز التي تُنبتُ كلماتٍ، تُعبرُ عن المفاهيم التي تتشكل في وعي الإنسان منذ وجوده على الأرض. وإنْ كان الإنسان ليس هو الكائن الوحيد صاحب اللغة، فكل المخلوقات بينها لغة تفاهم متنوعة حسب طبيعتها. ولكن يبقى للإنسان تفرده حيث إن اللغة البشرية تتشعب وتختلف بين التجمعات البشرية. ففي العالم يوجد آلاف اللغات الحية وذلك هو مصدر تفرد الإنسان عكس المخلوقات الحية الأخرى أحادية اللغة.
حين كان الإنسان يبحث في بداية العصور القديمة عن تفسيرات للظواهر الخارقة من منظوره غير مكتمل الوعي، حاول أن يروض المفهوم داخل إطار لغوي حكائي بدأ يفسرها بالقوى الخارقة وخلق الأسطورة. فكانت اللغة هي الوعاء الذي جمع فيه تلك المفاهيم والأساطير، والتي انتقلت من مرحلة الرموز الشفاهية والرسوم على الجدران، إلى إطار متكامل من الحكايات اللغوية المكتوبة. ومع التراكم الزمني، تحولت من مجرد أساطير ونصوص وحكايات بحث بها الإنسان عن تفسير لما هو وراء وعيه إلى نصوص مقدسة ارتبطت بالدين، فصارت هي المعلم والوعاء الذي حمل فيه الثقافة الأولى لتلك المجتمعات المنتشرة في الأرض.
ومع تطور الوعي البشري، وتراجع الدور المقدس للأسطورة، وانكشاف الغطاء عن تلك الخوارق المبهمة بالعلم، وتوسع الفلسفة في الإمساك بمشعل الحضارة الإنسانية، صارت اللغة حبلاً سرياً يربط ما بين الأجيال وثقافتها التاريخية، ويتغذى منها على تراكمات المعرفة والثقافة التي ينتمي لها، حتى وصلنا إلى اللغة العالمية التي يفهما الجميع حالياً، وهي لغة التقنية الحديثة والحاسوب الذي صارت لغته المصطنعة هي اللغة العالمية التي وحّدت كل تلك التباينات اللغوية بين البشر، وصارت التقنية والذكاء الاصطناعي أسطورة العصر الحديث.
وهنا يأتي السؤال الملح: هل ستتغير اللغة كما تغيرت الأسطورة؟ وهل ستختل موازين الهوية الثقافية والمعرفية للمجتمعات المختلفة؟ وهل سيتحمل غشاء اللغة ضغط الانصهار في بوتقة واحدة مع لغة المستقبل.. وهل نذهب بعيداً لو تساءلنا: هل يمكن أن يرتد البشر إلى عالم المخلوقات الأخرى ليكون أحادي اللغة وتندمج الثقافات والهويات البشرية داخل غشاء واحد يجعل من البشر تجمعا واحداً بمنظومة قيمية وأخلاقية واحدة؟ حتما هو تساؤل يذهب بنا بعيدا إلى نظرة تسافر لآلاف السنين في مستقبل هذا المحيط البشري.
وحين نقف على أرض الحاضر، ونعود من نظرتنا المتعمقة في مستقبل بعيد ومع حالة الاندماج التقني الكبيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين المجتمعات البشرية في العصر الآني: هل يمكن أن تتأثر هويتنا الثقافية؟ وهل غشاء لغتنا قوي بدرجة تسمح لهويتنا أن تتحمل كل ذلك الضغط عليها من خلال شبكات التواصل الاجتماعي؟ وهل يتمزق الغشاء الفكري الحامي للغتنا، فيصبح من الصعوبة مداواته أو علاجه بكل ما يملك أطباء اللغة والهوية من كلمات وأدوات تعالج أي شرخ يصيب جدار الهوية؟



د.شما بنت محمد بن خالد آل نهيان


 
Developed by