Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

الكنعانيون من 5000 عام

 نحن سلالة الكنعانيين الذين عاشوا على أرض فلسطين قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وبقوا فيها إلى اليوم دون انقطاع، ولازال شعبنا العظيم متجذراً في أرضه. شعبنا الفلسطيني عمَّر مدنه وأرضه، وقدم إسهامات إنسانية وحضارية يشهد لها العالم
الرئيس محمود عباس

العقل الإسلاميّ» بين إعجاز القُرآن وإنجاز العلم

نشر بتاريخ: 2012-12-10

«متى سلَّمنا بأن العلم الإلهي المتمثل في القرآن الكريم إنما هو خطاب عملي صريح موجَّه إلى كافة الناس بلغة فطرية يفهمها عاميُّهم، فضلا عن عالمهم، داعيا لهم بالأساس إلى مباشرة أسباب العمل التي تُمكِّنهم من اقتحام عقبات الحياة، أدركنا أن بعض الحقائق الكونية التي تعرَّض لها هذا الخطاب ليست مقصودة لذاتها، وإنما للقيم العملية والمعاني الروحية التي تحتها؛ فكان أن بلَّغها بالقدر الذي لا يجاوز عقول المكلَّفين، وبالكيفية التي تجعلهم يدركون فائدتها في التقرب إلى الخالق، وبالصيغة التي تحثهم على العمل بها لتحصيل هذا التقرب؛ وعلى هذا، فالإشارات الكونية الواردة في القرآن، حتى لو اتفقت مع ما تتضمنه النصوص العلمية من قوانين ونظريات، فإن سياق الأولى غير سياق الثانية، فضلا عن أن ثبوت هذا الاتفاق هو نتاج تأويل ذاتي، لا نتاج تحقيق موضوعي؛ وما لم يراعِ المشتغلون بما يسمى بـ"الإعجاز العلمي في القرآن" هذه الفروق الجوهرية بين أخبار الكون في النص القرآني وحقائق الطبيعة في النص العلمي، فلا يَأمنون من الوقوع في [...] محذورات [...]» (طه عبد الرحمن)[1]

لا تكاد ترى "المُبْطلين" (أيْ المُشتغلين بـ"ٱلباطل" قَوْلًا مُرْسَلًا بلا قَيْدٍ و/أو فِكْرًا مُلْقًى بلا سَنَدٍ) - في حرصهم المُقيم على تنقُّص كل ما له صلة بالإسلام والمُسلمين (العرب منهم بالأخص)- إلا مَيّالين إلى الحديث عن «لاعقلانيّةِ الإسلام» إلى الحدّ الذي يَجعلُهم لا يستعملون عبارة «العقل الإسلاميّ» إلا لإرادةِ تأكيد أنّه عقلٌ دون «العقل الكُلّيّ» و، من ثَمّ، تأكيد أنّ جُذور تلكـ "اللاعقلانيّة" قائمةٌ في نص «القرآن الكريم» بصفته نصا مُؤسِّسا ومُهيمنًا في حياة المسلمين.

ولعل التّهجُّم المُتكرر على ما يُسمّى «الإعجاز العلميّ في القُرآن» يُمثّل سبيلهم المفضل إلى ذلكـ، خصوصا أنّه ليس في العمق إلا طريقة مُلتوية للإيحاء بأنّ "القرآن" لا إعجاز فيه إطلاقا، بل إنّ ربطه بالعلم من قِبَل بعض الدُّعاة والباحثين المُسلمين يُعد - في ظنّ "المُبطلين"- طلبا للمشروعيّة بعد أن لم يعد مُمكنا إقامتُها من خلال التفرد البيانيّ والبلاغي فيه كما كان دأب القُدامى. وأشدّ من هذا أنّكـ تجدهم يجعلون تناوُل «الإعجاز العلميّ في القرآن» تعبيرا عن العلاقة السَّلْبيّة بين "الإسلام" و"العلم"، كأنّ كل التّخلُّف الذي تُعانيه المجتمعات الإسلاميّة لا يُفسَّر إلا بسببٍ أساسيّ يكون فيه "الإسلام" عائقا حقيقيّا أمام ٱستعمال "العقل" وٱزدهار العلوم (هو ذا المَدار الرئيسيّ لحديث "المُبطلين").

ولأنّ قليلا من التدبُّر في آيِ "القُرآن" («ولا تَقْفُ ما ليس لكـ به علم، إنّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئكـ كان عنه مسؤولا!» [الإسراء: 36] ؛ «[...] وقُلْ: "ربّ زِدْني علمًا!"» [طه: 114] ؛ «يرفع اللّـهُ الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلم درجات.» [المُجادَلة: 11]) وأحاديث رسول الله («طَلَبُ العلم فريضةٌ على كل مُسلم.» ؛ «فَضْلُ العالِم على العابِد كفَضْلِي على أدناكم.» ؛ « طالِبُ العلم [أو صاحِبُ العلم] يَستغفر له كل شيء، حتى الحُوت في البحر!»)

يكفي لردّ ذلكـ الربط المُفتعَل وبيان الغرض منه (طبعا لن يأخذ "المُبْطلون" لفظ "العلم" الوارد في تلكـ الآيات والأحاديث إلا مُقيَّدًا ومحصورا في «العلم بالدِّين»، على الرغم من كونه لفظا مُجمَلا وعامّا!)، فإنّ الإطلاع على تاريخ البحث الفكريّ والعلميّ في مُجتمعات المُسلمين يَكشف أنّ كل بوادر النهضة العلميّة والتقنيّة كما عرفتها أرُوبا فيما بعد إنّما كانت في إطار الحضارة "العربيّة-الإسلاميّة" إلى جانب "الحضارة الصينيّة"، وهو ما أثبته مثلا الباحث "تُوبي أ. هَفّ" في كتابه الفريد «فجر العلم الحديث»: «من الرّاجح أنّ العلم العربيّ كان، من القرن 8 إلى نهاية القرن 14 [نحو سبعة قرون!]، أشدّ العلوم تقدُّما في العالَم، مُتجاوزا بكثير العلم في الغرب والصين. لقد كان العلماءُ العرب (وهُم أشخاص في الشرق الأوسط كانوا يستعملون بالدرجة الأولى اللسان العربي ويَضُمّون العرب والفُرس والنصارى واليهود وأقواما آخرين) في كل الحقول تقريبا - الفلكـ، السيمياء، الرياضيّات، الطب، البصريّات، وما إليها- في طليعةِ التقدُّم العلميّ. وكانت الحقائق والنظريّات والتأمُّلات العلميّة المُتضمّنة في كتاباتهم ورسائلهم أرقى ما أمكن الوُصول إليه حينذاكـ في العالَم كله، بما في ذلكـ الصين.»[2]. ونجده يُؤكِّد، بالتالي، أنّ عوائق النهضة في الحضارة "العربيّة-الإسلاميّة" (وأيضا في "الحضارة الصينيّة") لم تَكُنْ إلا عوائق ٱجتماعيّة ومُؤسَّسيّة وليست إطلاقا ٱعتقاديّة أو دينيّة كما يَشتهي ترديدَه "المُبْطلون"!

وهكذا، فإنّ إرادة "المُبطلين" الرّبط بين "القُرآن" - بما هو كتاب المُسلمين المقدس- وبين «العلم الزائف» أو «اللَّاعلم» ليست سوى إرادةٍ لتبخيس كل ٱستناد إلى «الإسلام» في إطار سعيهم للتّمْكين للتوجُّه المُضادّ للدِّين باسم «التنوير العقلانيّ» و«التحرير الحَداثيّ» كما لو أنّ «الإسلام/الدِّين» لا صلة له بالتنوير أو التحرير. ومن المُؤسف أنّ كثيرا من المُتدخِّلين والعاملين «باسم الإسلام» لا يَفعلون، في الواقع، شيئا أكثر من ترسيخ وٱستدامة ذلكـ الوجه "اللاعقلانيّ" و"اللاإنساني" الذي يتنافى مع رُوح الإسلام بما هو "راشديّة" تَطلُب الحق تعقُّلا وتُقيم العدل تخلُّقا.

وإذَا كان "القُرآن" كتابا يَتحدّى أهلَ الفكر والعقل إنْ ٱستطاعوا أن يأتوا بمثله (إنْ جزءا أو كلا)، فإنّ كونه نصًّا بَيانيّا مُعجزا يجعل مُحاولاتِ الاستجابة لهذا التحدِّي باطلةً ما لم يُثْبِت أصحابُها عُلُوّ شأنهم في العلم بأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز على غرار فُحول البيان العربيّ من أمثال "ابن المقفع" و"الجاحظ" أو فُقهاء اللُّغة من أمثال "أبي بكر الباقلانيّ" و"عبد القاهر الجرجانيّ". وإنّ المرء ليَعجب أشدّ العجب كيف أنّ الذين يَتجرّأون على التقوُّل في «إعجاز القرآن» لم يُقاربوا حتّى مَقام واحد من أولئكـ الفُحول والجهابذة ولا يَتورّعون - رغم ذلكـ- عن مُقارَبة بيانِ أعظم نص في اللِّسان العربيّ بشهادةِ كل من كانت فيه ذرّةٌ من مُروءةٍ أو له أثَارةٌ من علم!

ولذلكـ، ينبغي أن يُلاحَظ أنّ من يَتحدّث عن «الإعجاز العلميّ في القُرآن» بصفته سُخْفا خطابيّا يَختصّ به المسلمون إنّما يَجهل أو يَتجاهل أنّ طلب المشروعيّة بالاستناد إلى "العلم" مَعقلُه الأساسيّ في الغرب نفسه. ذلكـ بأنّ الدِّراسات التي تفضح "التضليل" (imposture) باسم "العلم" لا تَني تَصدُر هناكـ. وحسبُنا الإشارة إلى ما عُرِف بـ«فضيحة سُوكال» التي أُثيرت بعد أن نشر الفيزيائيّ الأمريكيّ "آلان سُوكال" عام 1996 بمجلة «social text» مقالا مُلفَّقًا بعنوان «تَعَدِّي الحُدود: نحو تأويلِيّاتٍ تحويلِيّةٍ في الجاذبيّة الكُمَيْمِيّة»[3]، ثُمّ عاد وأعلن أنّه إنّما أراد القيامَ باختبارٍ لمعرفة مدى ٱحتراز المجلة المَعنيّة من "التّضليل". وبعد ذلكـ أصدر "سُوكال" و"بريكمونت" كتابَهما «تضليلات فكريّة»[4] الذي زاد من حدّة النّقاش (خصوصا بفرنسا التي ٱتُّهِم كثيرٌ من أشهر فلاسفتها ومُثقفيها بالتّضليل: "لاكان"، "كريستيفا"، "إريغاري"، "بودريار"، "دُولوز" و"غتاري"، إلخ.) وأعقبته عدّة مقالات ودراسات وكُتُب من قِبَل عددٍ من المُتدخِّلين من بينهم كتاب للفيلسوف الفرنسيّ "جاكـ بُوﭭريس" بعنوان «عجائبُ ومَصائبُ المُقايَسة: عن سُوء ٱستعمال بدائع الأدب في الفكر»[5]، وهو كتابٌ ٱشتدّ صاحبُه في نقد كل من "جاكـ دريدا" و"ريجيس دوبري".

من البيِّن، إذًا، أنّ «التّضليل باسم العلم» (وأيضا باسم العقل) ليس حكرا على مجال التّداوُل الإسلاميّ-العربيّ، وإنّما هو مُمارَسةٌ يَأتيها كل النّاس الذين تُغْريهم أو تُفيدُهم مَظاهرُ "العلم" ومَباهج "العقل". والحال أنّ "العلم" له ٱستعمالات شتّى ليس أهونَها ذاكـ الذي يَتعاطاه كل من أعوزته الحيلةُ أو الحُجّةُ في عَرْض (أو فَرْض) خطابه فتراه حريصا على التّظاهُر بالاستناد إلى حقائقِ العلوم ونظريّاتها فيُلْبس أقوالَه زِينة "العلم" بقدر ما يستطيع. وليس يَخفى أنّ "العلم" قد صار له، في العصر الحديث، من الشرعيّة والسُّلطان ما لم يَعُدْ يُضاهيه فيهما حتّى "الدِّين".

وأكثر من ذلكـ، فإنّ الدِّراسات التي تتناول "الكتاب المقدس" (إمّا دفاعا عنه وإمّا نقدا له) بالاستناد إلى عطاءات مُختلف العلوم أكثر من أن تُحصى. ويجدُر، هُنا، ذكر كتابيْ "إسرائيل فلكنشتين" و"نيل آشر سيلبرمان" حول «الكتاب المقدس وَفْق الكُشوف الأثريّة»[6] وحول «داوود وسليمان: بحثا عن مُلوكـ الكتاب المقدس وجذور التراث الغربيّ»[7]؛ وهُما كتابان بقدر ما يُراجعان بعض الاعتقادات بخصوص مَراحل تدوين "الكتاب المقدس" وتاريخ اليهود يَعملان على تقديم الدّليل العلميّ على أنّ "الكتاب المقدس" يَشتمل على بعض الحقائق التي تُثْبتها "الأثريّات" (وهذا التوجُّه العلميّ في تناوُل "الكتاب المقدس" ليس بَريئًا تماما)!

لا غرابة، إذًا، في أن يَتعاطى المُسلمون النظر في «الإعجاز العلميّ في القرآن» كمَبحث إضافيّ في إطار مَباحث الإعجاز الأُخرى. وإنّ وُجود بعض تُجّار الكلام والمُرتزقة الذين يَتوسّلُون (ويَتسوّلُون) بـ"القرآن" تحت عنوان «الإعجاز العلميّ» لا يَسمح باتِّخاذ سَخافاتهم تُكَأةً للتهجُّم على "القرآن" نفسه والسعي، من ثَمّ، للتهوين من قَدْره بدعوى أنّه لا إعجاز فيه، وأنّه ليس سوى نص عاديّ يَحمل - في زعمهم- آثار الفعل البشريّ على النحو الذي يُلمِّح إلى أنّه ليس بكلام الله، وبَلْه أن يكون كتابًا يَتضمّن "إشارات" إلى حقائق علميّة بما يُؤيِّد كونَه وحيا مُعجزا!

وحسبُ المرء في ردِّ كثير مِمّا يَلُوكه المُرتزقة باسم «الإعجاز العلميّ في القرآن» أنّ كثيرا من عُلماء المُسلمين يعترضون على صنيعهم ذاكـ ولا يَفتأون يُنبِّهون على أخطائهم الجمّة، بل إنّهم في مُعظمهم ليسوا سوى مُتطفِّلين على مَوائد "العلم" لا يكاد أحدُهم يَستقيم لسانُه بيانًا كما يُوجب الاشتغال بـ"القرآن الكريم" الذي أُنزل «بلسان عربيّ مُبين»، فضلا عن أنّهم لا يَلجأون إلى مُكتسبات العلوم المُعاصرة ٱستئناسا بها (كما تفرض طبيعة هذا المبحث)، وإنّما يَجعلونها مَدار الحديث ناسين بذلكـ أنّ "القرآن" كتابُ هدايةٍ إلاهيّةٍ وليس كتابَ رياضةٍ بشريّة تبقى خاضعةً بالشرورة لشروط "الوضع البشري" في تغيُّرها وتفاوُتها وتناقُضها.

ولا بُدّ، في هذا الصدد، من تأكيد أنّ الذين يَتعاطون التّهجُّم على "القرآن" باسم العلم والعقل لا يفعلون ذلكـ إلا على أساس نُتَفٍ مُهَلْهَلةٍ من فلسفة العلوم، نُتَف لا يَخفى تقادُمها ولا تُغري إلّا من شدِّة ضحالتها. ذلكـ بأنّ الصورة التي يُقدِّمُونها عن «العقلانيّة العلميّة» تُجُووِزت منذ عقود، حتّى إنّ بعضهم لا يزال يُصدِّق «مبدأ الحالات الثلاث» كما صاغه "أُوغست كُونت" (أبو "الوَضْعانيّة")، فتراه يُعارض بين حال "العلم" في المرحلة "الوضعيّة" وبين حال الفكر في المرحلتين اللاهوتيّة والمِتافيزيقيّة اللتين ظنّ "كُونت" أنّهما لا تَتحدّدان إلا بصفتهما سابقتين ومُنفصلتين عن المرحلة "الوضعيّة" التي يَعُدّها المرحلة الحاضرة والنهائيّة من تطوُّر "العلم" الذي أصبح يُنظَر إليه، من ثَمّ، كأنّه قد ٱستوى على عرش الفكر والعقل بما لا يَتركـ أيَّ فُسحةٍ للإيمان الدينيّ والتأمُّل الفلسفيّ.

لكنّ البحث المُعاصر في فلسفة العلوم بيَّن أنّ "العِلْميّ" لا يُزايل "المتافيزيقيّ" كما لو كانا نظامين معرفيَّيْن يُوجدان في طَوْرين مُنْفصلين ومُتعاقبَيْن. وبالتالي، فإنّ التوجُّه "الوضعانيّ" ليس سوى تجلٍّ مُتأخِّر لفلسفة "التنوير" التي قادتها مُعاداتها للدِّين الكنسيّ - في أعقاب الثورة الفرنسيّة- إلى ٱعتبار "الإلاهيّات" و"المتافيزيقا" من بقايا الماضيّ الرَّجْعيّ واللاعقلانيّ. ويمكن، هُنا، التأكيد مع "تُوماس كُون" أنّ العلم إنجازٌ مُحدَّد تاريخيّا بالشكل الذي يجعل كل "نُمْذُوج" (paradigm) لا يفرض نفسه على العلماء، في مرحلة مُعيَّنة، إلّا لأنّ جوانب "الشُّذوذ" فيه لم تَبلُغ مستوى من التأزُّم النسقيّ والدَّوْريّ يدعو إلى ٱستبدال "نُمْذُوج" آخر به يَتجاوزه ويُعيد "العلم" إلى ٱستقراره العاديّ والمعياريّ[8].

إنّ تاريخ "العلم" ليس فقط تاريخ أخطاء تُصحَّح باستمرار بما هي أخطاء بشريّة (باشلار)، بل هُو تاريخ أخطاء لأُناس عُظماء أهمّ ميزة لهم أنّ أخطاءَهم كثيرا ما تُشبِهُهم في العظمة. وبهذا، فـ"العلم" عملٌ بشري مُتجذِّر في السيرورة الثقافيّة لمُجتمع وعصر مُعيَّنين، وليس بِناءً عقليّا خالصا مُنْقطعا تماما عن كل المُحدِّدات الموضوعيّة لسياق ٱشتغاله وشُروط تطوُّره. فالباحثون في العلوم المُعاصرة لا يَتجرّدُون من كل ٱعتقاداتهم ومعارفهم المشتركة تماما كما يَتجرّدُون من ملابسهم الخارجيّة في المُستودعات قبل دُخولهم إلى مُختبر التجارب، وإنّما تُلازِمهم أنواعٌ من «المعرفة الضمنيّة» التي تُوجِّه أنظارَهم وتُنشِّط خيالاتهم على شاكلةِ «لَاشُعور جمعيّ» يَسكُنهم بفعل تحدُّدهم الضروريّ بالنِّسبة إلى "التاريخ" و"المجتمع" و"الثقافة". وعليه، فالعلم ٱجتهادٌ مُتواصل في "التّوْضيع"، وليس مجرد مُراكَمة للحقائق الموضوعيّة كما لا يزال يَتوهّم (ويُوهم) أَسْرى «الموضوعيّة النموذجيّة» المُفترَضة في العلوم التجريبيّة والدّقيقة.

وهكذا، فالخطر لا يَأتي فقط من فئاتٍ تَظُنّ أنّ "العلم" قد ٱنتهى مع القُدامى، بل يَأتي أيضا من فئاتٍ مُفتتنة بما راكمه المُعاصرون من أفكار ونظريّات في إطار الفلسفات والعلوم المُعاصرة. ولأنّ الأمر يَتعلّق بفئات تشتركـ في الإذْعان لبداهات "التّقليد" (إمّا ٱتِّباعا لسلف الماضي وإمّا ٱنبهارا بسلف الحاضر)، فإنّها تَتعاطى "التّضليل" باسم ضُروب من «العلم الميّت» التي لا تُكرِّس إلّا "الظلاميّة" في وُقوفها دون التّحقُّق بمُقتضيات «الاجتهاد العلميّ» بعيدا عن كل الانشدادات المُغالِيَة تفريطا في واجب "الابتكار" أو إفراطا في سُلوكـ مُنزَلقات "الابتداع".

إنّ "القُرآن" لمُعجزٌ ليس فقط لأنّ التحدّي الذي رفعه في وجه عُتاة مُشركي العرب قد أفحمهم إلى الأبد، بل لأنّ ثُبوته كتابًا للعلم والهَدْي الإلاهيَّيْن يَستند إلى أكثر مِمّا بوُسع عُلوم البشر أن تُوفِّره («[...]، وما أُوتيتُم من العلم إلّا قليلا!» [الإسراء: 85] ؛ «[...]، ولا يُحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.» [البقرة: 255]). وكونُ "القُرآن" بهذا الشأن لا يجعل الأخذ به مجرد مسألة إيمانيّة لا دَخل للعقل فيها كما يُلْقي "المُبْطلون"، وإنّما هي مسألة أخلاقيّةٌ وعمليّةٌ تَوَاتَر تصديقُها بما لا قِبَل به لـ«العقل المجرد». ولهذا، فإنّ تَحدِّي "القُرآن" للجاحدين يَستمر قائمًا، خصوصا في هذا العصر حيث تبيّن أنّ "العقل" يَتَكَوْثر خطابيّا وحجاجيّا بما يُقُيمُه «مُمارَسةً عَمَليّةً وخُلقيّةً» تَتجاوز حُدود «العقل المجرد»، وهي الحُدود التي لا يزال أدعياء "العقلانيّة" بيننا مُنحصرين فيها ولا يطلبون الظُّهور إلا بتجاهُلها بما هي حُدود يجب عقليًّا تَعدِّيها!

وأنْ يكون "القُرآنُ" كتابَ هدايةٍ يُحيي قُلوبَ المُؤمنين تدبُّرا ويُسدِّد أعمالهم تخلُّقًا، فهذا معناه أنّ إعجازَه لا يَتجلّى في حياةِ المُسلمين إلا بقدر ما يَنهضون للإنجاز مُغالَبةً في الجُهد العُمرانيّ ترشيدا وتدبيرا. ومن هُنا، لا معنى للاشتغال بالإعجاز العلمي في "القُرآن" إلا بما هُو سعيٌ إلى إقامة الأعمال بما يُؤكِّد أنّ الإنسان العابِد عَمّالٌ بعِلْمٍ وقُوّة، وليس بَطّالا تُلْهيه الأماني أو يَسرح في لغو الحديث. والحال أنّه لا يكفي في هذا المجال إخلاص النيّات، لأنّ ذوي النيّات السيّئة قد وَطّدُوا عزائمهم على تعطيل العمل بالإسلام كما لاحت بشائره ؛ فلا تَراهُم، بالتالي، إلا مُتفانين في شَيْطنةِ الإسلام والمُسلمين. ولن يَثْنيَهم عن غيِّهم إلا تأسيسُ «راشديّة الإسلام» بالقُرآن الذي أُنزل ليُعلِّم النّاس الكتاب والحكمة والذي يَهدي إلى التي هي أقوم. «ويَأبى الله إلّا أن يُتمّ نورَه، ولو كَرِه الكافرون!» (التوبة: 32).

 

المغرب- عبد الجليل الكور

Developed by