Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

الكنعانيون من 5000 عام

 نحن سلالة الكنعانيين الذين عاشوا على أرض فلسطين قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وبقوا فيها إلى اليوم دون انقطاع، ولازال شعبنا العظيم متجذراً في أرضه. شعبنا الفلسطيني عمَّر مدنه وأرضه، وقدم إسهامات إنسانية وحضارية يشهد لها العالم
الرئيس محمود عباس

متى يتوقف التوغل الاستيطاني (الاستعماري)؟ كما يكتب أسعد عبدالرحمان

نشر بتاريخ: 2018-02-09
 
الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ما زال يتخذ اليوم، كما اتخذ دوما بسبب الأيديولوجيا والممارسات الصهيونية، منحى صراع الوجود بحيث تتداخل فيه السياسة مع الديمغرافيا بشكل يجعله صراعاً مفتوحاً على مصراعيه على المدى البعيد. وفي إسرائيل اليوم، تتفق الأيديولوجيتان السائدتان، الصهيونية الدينية (تعتمد النبوءة الدينية التوراتية) والصهيونية القومية المتطرفة، على ضرورة عدم الانسحاب من الضفة الغربية بالإضافة لاستيطان كل الأرض. وهاتان الأيديولوجيتان تمثلان الأغلبية الإسرائيلية اليهودية في هذه المرحلة.

تدرك الأحزاب السياسية الإسرائيلية، على اختلاف توجهاتها، أن الاستيطان يعبد الطريق إلى السلطة. فبدءاً من «نفتالي بينيت» وزير التربية وزعيم حزب «البيت اليهودي» أو «آفي غباي» رئيس حزب «العمل» المعارض، أو وزير «الدفاع» (أفيغدور ليبرمان) زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، وبالتأكيد رئيس الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ الكيان الصهيوني (بنيامين نتنياهو) الذي يقود حزب «الليكود»، جميعهم يتبنون حركة الاستيطان لإقامة ما يسمونه «إسرائيل التاريخية»، وأيضاً ليعززوا مواقعهم في السلطة. ولم يعد هؤلاء وغيرهم يحاولون تجميل صورتهم أمام العالم. فهم يعملون علنا لدعم الاستيطان، بل يسعى كل منهم وأعضاء حزبه إلى طرح خطط استيطانية أساسها: «أرض يهودية أكثر» و«عرب أقل». بل إن الظروف اليوم باتت، بعد اعتراف دونالد ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل، مهيأة للموافقة على خطط الاستيطان فيها، إضافة إلى ما أعلن عنه قبل أيام من فرض سيادة جيش الاحتلال على أحياء سكنية فلسطينية في القدس المحتلة وضمها إلى مسؤوليته الأمنية، حيث يدور الحديث عن الأحياء المقدسية التي عزلها جدار الفصل العنصري عن المدينة المحتلة، بما في ذلك مخيم شعفاط للاجئين وقرية كفر عقب.



منذ نشوء القضية الفلسطينية، قاوم الشعب الفلسطيني الاحتلال الاستيطاني باعتباره فرعاً عضوياً في الأصل الشامل من التهويد والأسرلة، سواء عبر المقاومة الشعبية، وهذا يشمل مقاطعة الاستيطان عملاً وتعاملاً وتجارة، أو من خلال مقاومة مسلحة عبر عمليات جرت داخل المستوطنات الملاصقة للفلسطينيين ولن يكون آخرها عملية «مستوطنة هار أدار» القريبة من القدس حين قتل عامل فلسطيني 3 جنود إسرائيليين وأصاب رابعاً. فالشعب الفلسطيني أدرك أن الممارسات الاستيطانية، والتي تتم بقوة السلاح لسلب الأرض لا أفق حقيقي للانسحاب منها على الأقل بشكل كامل! فالمستوطنات تتحول إلى «مدن» مرتبط معها المصانع والمعابد وكل ما يحتاجه المستوطن من أجل ترسيخه في هذه الأرض!
إن تداخل الحياة بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد يصبح، إن تم استثماره كفاحيا، من العوامل التي تصب في صالح الفلسطينيين. فأكثر من 200 ألف فلسطيني يعملون داخل المستوطنات، وهؤلاء عندهم أذونات ولا توجد عليهم ملاحظات أمنية! فمن يعمل في مزرعة ليهودي في مستوطنة أو يقود جراراً أو سيارة، حتى لو فُتش على الحواجز ولم يكن معه سلاح، فسوف يجد بكل سهولة الشيء الذي يستخدمه.

كذلك، فإن مسألة التوجه لمحكمة الجنايات الدولية لتجريم قادة الاحتلال على الجرائم المتعلقة بسرقة الأرض الفلسطينية، هي إحدى الطرق المهمة لمقاومة الاستيطان، مع التأكيد على ضرورة اللجوء إلى كافة الأسلحة السياسية والاقتصادية والقانونية والدبلوماسية والإعلامية والثقافية، مع التذكير بأن التقرير الأولي للمدعي العام للمحكمة الصادر بداية ديسبمر الماضي، حسم موضوع انطباق القانون الدولي على الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة عام 1967، ما يجعل هذا الاستيطان جريمة يحاسب عليها مقترفها، ما يضغط على إسرائيل لوقف الانتهاكات وجرائم الحرب التي تقترفها، كإنشاء المستوطنات، واقتراف الجرائم ضد الإنسانية، كفرض نظام تمييز وفصل عنصريين، نظام آبارتايد وفق تعريف القانون الدولي.

كما أن هذه المستعمرات الاستيطانية، إن جرى استثمارها كفاحيا، تزيد من فرص اندلاع انتفاضة شعبية تلحق الخسائر وتزيد من كلفة دولة الاحتلال وتجبر المستعمرين على الرحيل عن الأرض الفلسطينية. فالاستمرار بسياسة الاستيطان يذكي نار الانتفاضة الفلسطينية المنشودة. وبالفعل، حققت الانتفاضتان الأولى والثانية (1987 و2000) انتصارات ميدانية وطرحت على الصعيد العملي «حلاً فلسطينيا» صريحا لقضية مستقبل المستوطنات. فقد استطاعت، بحسب الصحافة الإسرائيلية، إجبار 200000 مستوطن على الهروب من القدس إلى أماكن أخرى في فلسطين 1948 خلال الفترة الممتدة حتى عام 2005، حيث هجر المستوطنون جميعاً مستعمرة «سانور»، بينما هاجر غالبية مستعمري «بيت جيلو» وغيرها، مما أدى إلى تراجع النمو السكاني في مستوطنات الضفة إلى 2.8% بعد أن كان 7% في النصف الثاني من عام 2000، كما أجبرت المستوطنين على الهجرة المعاكسة إلى فلسطين 1948، وحالت دون مزيد من هجرة اليهود منها إلى المستوطنات في الضفة بما فيها القدس.

ويأتي، في سياق استثمار الوضع كفاحيا، موضوع «الذئاب المنفردة» الذي يتحدث عنه الإعلام الإسرائيلي بعد كل عملية. ففيما كانت معظم الكتابات تتحدث سابقا عن ظاهرة «الذئب المتوحد»، أصبحت لاحقا تتحدث عن ظاهرة «الذئاب المنفردة». فالمسألة لم تعد مسألة فرد أو فردين، بل أصبحت ظاهرة تشمل قطاعاً متنامياً من جيل كامل، بحيث شكلت ظاهرة «ذئاب متوحدة»، لا ظاهرة ذئب متوحد فقط، مع استمرار عدم معرفة أجهزة الأمن الإسرائيلي لهذه العناصر وقيادتها.

اليوم، الأبواب للحل الدائم في قضية الاستيطان موصدة رغم إيماننا بأنها خاضعة للتغيير في اتجاهات مغايرة في قادم الأيام، وتجربة الانتفاضات الفلسطينية تثبت ذلك. فالمقاومة السلمية وحدها، بتفرعاتها، هي التي ستجبر العدو الصهيوني على التراجع عن مخططاته المتمادية. فوتيرة البناء الاستيطاني الحالية لا مثيل لها منذ عام 2000، خاصة بعد البدء بترويج خطة تشمل بناء 300 ألف بؤرة استيطانية جديدة، فيما يطلق عليه «القدس الكبرى». وبحسب ليبرمان فإن «هناك مساحة كافية للاستيطان في الضفة الغربية لمليون أو اثنين آخرين، للأماكن التي تناسبنا من حيث السياسة. ويتم ذلك في سياسة متوازنة»!

وحتماً فإن هؤلاء المستوطنين سيندمون، لكن بشرط توفر وتفعيل خطة كفاحية فلسطينية ضد توغلهم الاستيطاني بين الفلسطينيين. فالمستوطنات دخلت اليوم الأحياء الفلسطينية وتتشابك معها، وبالتالي بات المستوطنون يعيشون بين الفلسطينيين، ولا حاجة للفلسطيني أن يسعى إليهم. ومعروف أن أي حكومة إسرائيلية لا تستطيع بناء سور في القدس القديمة، ولا حتى في الأحياء الشرقية في القدس الشرقية، لأن البيت أو العمارة بجانب بيت وعمارة أخرى وبجانب المستعمرة الجديدة. فهل تبادر الفصائل الفلسطينية إلى استثمار هذا الحال المتوغل في أحشائنا وجعله توغلا في أحشائهم؟
Developed by