Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

الكنعانيون من 5000 عام

 نحن سلالة الكنعانيين الذين عاشوا على أرض فلسطين قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وبقوا فيها إلى اليوم دون انقطاع، ولازال شعبنا العظيم متجذراً في أرضه. شعبنا الفلسطيني عمَّر مدنه وأرضه، وقدم إسهامات إنسانية وحضارية يشهد لها العالم
الرئيس محمود عباس

من أقوال الحسن البصري في الحكم والمواعظ

نشر بتاريخ: 2018-02-05

 

سمع الحسن رجلاً يقول: اللهم، أهلِك الفجَّار! فقال: إذًا تستوحش الطريق، ويقل المتصرفون.

 

وكان يقول: إن هذا الدين قويٌّ، وإن الحق ثقيل، وإن الإنسان ضعيف، فليأخذ أحدكم ما يطيق؛ فإن العبد إذا كلَّف نفسَه من العمل فوق طاقتها، خافَ عليها السآمة والتَّرْكَ.

 

وكان يقول: المرض زكاة البدن، كما أن الصدقة زكاة المال، فكل جسم لا يشتكي كمثل مال لا يزكَّى.

 

وكان يقول: أفضل العمل الفكرة والورع، فمن كانت حياته كذلك نجا، وإلا فليحتسب حياتَه.

 

وكان يقول: الفكرة مرآةٌ تُريك حسنتك من سيئتك، ومن اعتمد عليها أفلح، ومن أغفلها افتضَح.

 

وقال له رجل يومًا: يا أبا سعيد، كنت حدَّثتني بحديث فنسيتُه؟ فقال الحسن: لولا النسيانُ لَكثُر الفقهاء.

 

وقال أبانُ[1]: دخلت على الحسن المسجد، فقلت: هل صليت رحمك الله؟ فقال: لا! قلت:

 

فإن أهل السوق قد صلَّوْا، فقال: ومن يأخذ عن أهل السوق دينَه؟! إن نفَقت سلعتهم أخَّروا الصلاة، وإن كسدت قدموها.

 

وكان يقول: احذر ثلاثةً، لا تمكِّن الشيطانَ فيها من نفسك: لا تخلُونَّ بامرأة ولو قلت: أعلِّمها القرآن، ولا تدخل على السلطان، ولو قلت: آمره بالمعروف وأنهاه عن المنكر، ولا تجلس إلى صاحب بدعة؛ فإنه يُمرِضُ قلبك، ويُفسِدُ عليك دينَك.

 

وكان يقول: تفقَّد الحلاوة في ثلاثة: في الصلاة، والقراءة، والذكر، فإن وجدت ذلك، فامضِ وأبشِر، وإلا فاعلم أن بابك مغلق، فعَالِجْ فتحَه.

 

وكان يقول: لولا ثلاثة ما طأطأ ابن آدم رأسه: الموت، والمرض، والفقر، وإنه بعد ذلك لوثاب.

 

وكان يقول: أيها الناس، إنا والله ما خُلقنا للفناء، ولكنا خُلقنا للبقاء، وإنما ننقل من دار إلى دار.

 

نظم ذلك أبو العلاء المعري[2] فقال:

 

خُلِقَ الناس للبقاء فضَلَّـتْ

أمـةٌ يحسبونهـم للنفــاد

إنمــا ينقلون من دار أعما

لٍ إلى دار شقوةٍ أو رشادِ[3]

 

وكان يقول: من وقَّر صاحب بدعة، فقد سعى في هدم الإسلام.

 

وكان يقول: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((إذا مُدِح الفاسق، غضب الله تعالى))[4].

 

وكان يقول: احذروا العابد الجاهل، والعالم الفاسق؛ فإن فيهما فتنةً لكل مفتون.

 

وكان يقول: ابنَ آدم، لا يغرنَّك أن تقول: المرءُ مع من أحب؛ فإنك لن تلحق الأبرارَ إلا بأعمالهم، وإن اليهود والنصارى لَيُحبُّون أنبياءهم، ولا والله ما يحشرون معهم، ولا يدخلون في زمرتهم، وإنهم لحصب جهنم هم لها واردون.

 

وكان يقول: لا تزالُ هذه الأمة بخير، ولا تزال في كَنَفِ الله وستره، وتحت جناح ظلِّه ما لم يرفق خيارُهم بشرارهم، ويُعظِّم أبرارُهم فجَّارَهم، ويَمِلْ قراؤهم إلى أمرائهم، فإذا فعلوا ذلك، رفعت يد الله عنهم، وسُلِّط عليهم الجبابرة فساموهم سوء العذاب، ولعذابُ الآخرة أشقُّ وأبقى، وقذف في قلوبهم الرعب.

 

وقيل: رأى الحسنُ نعيم بن رضوان[5] يمشي مشيةَ المتكبر، فقال: انظروا إلى هذا، ليس فيه عضو إلا ولله تعالى فيه نعمةٌ، وللشيطان لعنة.

 

وكان يقول: يحاسب الله سبحانه المؤمنين يومَ القيامة بالمنَّة والفضل، ويعذِّبُ الكافرين بالحُجة والعدل.

 

وكان يقول: يا عجبًا لألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخالف!

 

وكان يقول: مَن دخل مداخل التهمة، لم يكن له أجر الغِيبة.

 

ورأى شيخًا يعبث بالحصى ويقول: اللهم زوجني الحور العين! فقال: يسأل الحورَ العين، ويلعب كما يلعب المجانين!

 

وكان يقول: مَن أحب أن يعلمَ ما هو فيه، فليعرض عملَه على القرآن؛ ليتبيَّن له الخسران من الرُّجحان.

 

وكان يقول: رحم الله عبدًا عرض نفسه على كتاب الله، فإن وافق أمره، حمد الله، وسأله المزيد، وإن خالف، استعتَب ورجع من قريب.

 

وكان يقول: يا عجبًا لابن آدم! حافظاه على رأسه، لسانه قلمهما، وريقُه مدادهما، وهو بين ذلك يتكلم بما لا يعنيه.

 

وكان يقول: ابن آدم، تحبُّ أن تُذكر حسناتك، وتكره أن تذكر سيئاتك، وتؤاخِذُ غيرَك بالظن، وأنت مقيم على اليقين، مع علمك بأنك قد وُكِّل بك ملكان يحفظان عليك قولَك وعملك.

 

ابن آدم، إن اللبيب لا يمنعه جدُّ الليل من جدِّ النهار، ولا جدُّ النهار من جدِّ الليل، قد لازم الخوف قلبه، إلى أن يرحمه ربه.

 

وكان يقول: إياكم والمدح؛ فإنه الذبح.

 

ولقد روي أن رجلاً مُدِحَ بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام: ((قطعتم ظهره، لو سمعها ما أفلح بعدها أبدًا))[6].

 

وكان يقول: ما أنصف ربَّه عبدٌ اتهمه في نفسه، واستبطأه في رزقه.

 

وكان يقول: لا شيء أَوْلَى بأن تقيده من لسانك، ولا شيء أولى بألا تقبله من هواك.

 

وكان يقول: ما الدابة الجموح بأحوجَ إلى اللجام الممسك من نفسك.

 

وكان يقول: ابن آدم، إنك لست بسابق أجلك، ولا بمغلوب على رزقك، ولا بمرزوق ما ليس لك، فلمَ تَكْدَحُ؟ وعلامَ تقتل نفسك؟

 

ولقي أعرابيٌّ الحسن: فقال: أصلحك الله! أعلمني دينًا مبسوطًا، لا ذاهبًا شطوطًا، ولا هابطًا هبوطًا، فقال الحسن: يا بن أخي، لئن قلت ذاك، لقد أحسنت؛ إن خير الأمور [لأوساطها].

 

وكان يقول: من لم يجرب الأمور خُدِعَ، ومن صارع الحق صرع.

 

وكان يقول: ابن آدم بين ثلاثة أشياء: بليَّةٍ نازلة، ونعمة زائلة، ومَنيَّةٍ قاتلة.

 

وقال: ابن آدم غرضٌ للبلايا، والرزايا، والمنايا، ثم ينتحب ويبكي ويقول: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار ﴾ [البقرة: 201].

 

ولما بلغ الحسنَ مصرعُ الحسين بن علي[7] رضي الله عنهما، انتحَب وتأوَّه، وقال: واحسرتاه! ماذا لقيت هذه الأمة؟ قَتَلَ ابنُ دعيها ابنَ نبيِّها! اللهم كن له بالمرصاد ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 227].

 

وكان يقول: ابن آدم، قدِّم ما شئت من عمل صالح أو غيره؛ فإنك قادم عليه، وأخِّر ما شئت أن تؤخِّر؛ فإنك راجع إليه.

 

وكان يقول: مَن أدرك آخرَ الزمان، فليكن حِلسًا[8]من أحلاس بيته.

 

وكان يقول: ما لي أسمع حسيسًا[9]، ولا أرى أنيسًا؟!

 

وقيل: إنه خرج خارجيٌّ[10] بالجزيرة[11]، فقال برأي منكر فأنكره، وأراد تغييره، فوقع فيما هو أشد وأنكر منه.

 

وكان يقول: من ذم نفسَه في الملأ، فقد مدَحَها، وبئس ما صنع.

 

وكان يقول: لولا البُدلاءُ[12] لَخُسِفَت الأرض، ولولا الصالحون لهلكت الأمة، ولولا العلماءُ لكان الناس كالبهائم، ولولا السلطان لأَكَل الناس بعضُهم بعضًا، ولولا الحمْقَى لخربت الدنيا، ولولا الريح لأَنْتنَ ما بين السماء والأرض.

 

وقال العلاء بن زياد[13]: قلت للحسن: رجلان تفرَّغ أحدهما للعبادة، واشتغل الآخر بالسعي على عياله، أيهما أفضل؟ فقال الحسن: ما اعتدل الرجلان، الذي تفرَّغ للعبادة أفضل وأحسن صنعًا.

 

وكان يقول: إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتحابُّوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام، لعنهم الله جل ثناؤه، فأصمَّهم وأعمى أبصارهم.

 

وسأله رجل عن الغِيبةِ: ما هي، وما يوجبها؟ فقال: هي والله عقوبة الله عز وجل يُحلها بالعباد إذا عصَوه، وتأخروا عن طاعته.

 

وقيل له: يا أبا سعيد، من أين أتي على الخلق؟

قال: من قلة الرضا عن الله عز وجل.

 

فقيل له: فمِن أين دخل عليهم قلة الرضا عن الله عز وجل؟

فقال: من جهلهم بالله، وقلة المعرفة به.

 

وكان يقول: هِجران الأحمق قربةٌ إلى الله، ومواصلةُ العاقل إقامةٌ لدين الله، وإكرامُ المؤمن خدمةٌ لله، ومصارمةُ الفاسق عون من الله.

 

وكان يقول: لا تَكُن شاةُ الراعي أعقلَ منك؛ تزجرها الصيحة، وتطردها الإشارة.

 

وكان يقول: سمعت بكر بن عبدالله المزني يقول: اجتهدوا في العمل، فإن قصر بكم ضَعْفٌ، فكفوا عن المعاصي.

 

وكان يقول: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لم يؤت الناس في الدنيا خيرًا من اليقين والعافية، فاسألوهما الله عز وجل))[14]، ثم يقول الحسن: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، باليقين طلبت الجنة، وباليقين هرب من النار، وباليقين صبر على المكروه، وباليقين أُدِّيت الفرائض، وفي المعافاة خير كثير.

 

وكان يقول: المؤمن لا يلهو حتى يغفل، فإذا تفكَّر حزن.

 

وكان يقول: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده صلاته من الله عز وجل إلا بعدًا، ولم تزده عنده - جل ثناؤه - إلا مقتًا.

 

وكان يقول: المُراعي لعملِه كالمدافع في الحرب عن نفسه؛ بل مراعاة العمل أفضل وأكثر أجرًا.

 

وكان يقول: ابن آدم، تَستحِلُّ المحارم، وتأتي الجرائم، وتركب العظائم، وتتمنى على الله الأماني! ستعلم - أي فاجر - حين لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

 

وكان يقول: تركُ الخطيئة أهونُ من معالجة التوبة، فسمع ذلك محمدُ بن واسع، فقال: رحم الله الحسنَ، صدق واللهِ، لو وافق قلبًا للطاعة فارغًا، وعقلاً من غلبة الشهوة سالمـًا.

 

وكان يقول: ابن آدم، ما لك وللشر، وهذا الخير صافٍ؟! ابن آدم، اتقِ الكبائرَ؛ فإنك لا تزال بخير ما لم تُصِبْ كبيرةً تغير عليك قلبك، وتهدم صالح عملك.

 

وكان يقول: لله درُّ أهل الحق، كانت دِرةُ[15] عمرَ رضي الله عنه أهيبَ من سيف الحجاج[16].

 

وقيل: يا أبا سعيد، مَن أشدُّ الناس صراخًا يوم القيامة؟ فقال: رجل سنَّ سنةَ ضلالةٍ، فاتُّبِعَ عليها، ورجل يُسيء المـَلَكةَ[17]، ورجل رُزِق نعمةً فاستعان بها على معصية الله عز وجل.

 

وكان يقول: المؤمن يلقاه الزمان بعد الزمان بأمر واحد، ووجه واحد، ونصيحة واحدة، وإنما يتبدَّل المنافق؛ ليستأكل كلَّ قوم، ويسعى بكل ربح.

 

وكان يقول: المؤمن صدَّقَ قوله فِعله، وسره علانيته، ومشهده مغيبه، والمنافق كذَّب قوله فِعله، وسره علانيته، ومشهده مغيبه.

 

وقال له رجل: أَيحسُدُ المؤمن؟ فقال: لا أبا لك[18]! من أنساك إخوة يوسف، وما فعل بهم الحسد؟

 

وكان يقول: ثلاثة لا غيبةَ فيهم: الفاسقُ المعلن بفسقِه؛ أن يذكر ذلك منه.

 

وصاحب البدعة؛ أن يذكر ببدعته.

 

والإمام الجائر؛ أن يذكر بجوره.

 

قال حميد خادم الحسن: قلت له يومًا: يا أبا سعيد، أصلحك الله، أما ترى ما الناس فيه من الاختلاط؟

قال: يا أبا الخير، أصلَحَ أمرَ الناس أربعةٌ، وأفسدَهم اثنان، فأما الذين أصلحوا أمرَ الناس، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم السقيفة، حين قالت الأنصار: منا أميرٌ ومنكم أمير، فقام عمر فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الأئمة من قريش))[19]؟ قالوا: بلى! قال: أولستم تعلمون أنه قدَّم في الصلاة أبا بكر؟ قالوا: بلى، قال: فأيُّكم يتقدم على أبي بكر؟ قالوا: لا أحد، فسلَّمت الأنصار، ولولا فِعلةُ عمر لتنازع الناس الخلافة، وادَّعتها كل طائفة إلى يوم القيامة.

 

ثم الذي فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين شاور الناس في شأن أهل الردة، فكلهم أشار عليه بأن يقبل منهم ما أطاعوا به من الصلاة، ويدع لهم الزكاة، فقال رضي الله عنه: "والله لو منعوني عِقالاً كانوا يعطونه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لجاهدتهم عليه"، ولولا الذي فعله أبو بكر رضي الله عنه لألْحَد الناس في الزكاة إلى يوم القيامة.

 

ثم الذي فعله عثمان رضي الله عنه حين جمع الناس على مصحف جمَعَ القرآن فيه، وكانوا يقرؤونه على حروف، فيقول قوم: قراءتنا أفضل من قراءتكم، حتى كاد بعضهم يُكَفِّر بعضًا، ولولا الذي فعله عثمان رضي الله عنه لألحَدَ الناس في القرآن إلى يوم القيامة.

 

ثم الذي فعله عليٌّ رضي الله عنه حين قاتل أهل البصرة، فلما فرغ القتال، قسَّم بين أصحابه ما حوى العسكر من أموالهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، هلاَّ تُقسِّمُ علينا أبناءَهم ونساءَهم؟ فأنكر عليهم ما طلبوه من ذلك، وقال: فمن يأخُذُ أمَّ المؤمنين في سهمه؟ إنكارًا لما ذهبوا إليه، وطالبوه به.

 

ثم قال: أرأيتم هؤلاء يكن [الموالي هل] أبناؤهن ورجالهن، أتلزمُوهنَّ العِدةَ، فيَرثْنَ الربع، والثلث، والسدس؟ فقالوا: نعم! لو كن إماءً، لما كان لهن ميراث، ولا عليهن عدة، فعلموا صوابَ ما ذهب إليه، وسلَّموا لأمره، ورضوا بحكمه، ولولا ما فعله علي رضوان الله عليه ما علم الناس كيف تكون مُقاتلة أهل القِبلة.

 

وأما الأميران اللذان أفسدا أمر الناس:

فما فعله عمرو بن العاص، من رفعه المصاحفَ[20]، وقوله ما قال حتى حكمت الخوارج[21]، فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة، وقد كان عليٌّ رضي الله عنه فهم ما أراده عمرو، وقال: كلمة حق أريد بها باطل.

 

والأمر الثاني: ما فعله المغيرة بن شعبة[22]، حين كتب إليه معاوية رحمه الله: أَقْدِمْ إليَّ مغيرةُ؛ لأعلمك، فتأخَّر عنه أيامًا، ثم ورد عليه، فقال معاوية: ما أبطَأَ بك؟ قال المغيرة: أمرٌ بدأته كرهتُ أن آتي قبل إحكامه، قال: ما هو؟ قال: أخذت البيعة ليزيدَ على أهل الكوفة، قال: أوَفعلت ذلك؟ قال: بلى، قال: فارجع إلى عملك، وتمِّم ما بدأته، فلما خرج قال له أصحابه: ما وراءك؟ قال: وضعت واللهِ رجل معاوية غرزي[23]، لا تزال فيه إلى يوم القيامة.

 

قال الحسن: فمن أجل ذلك بايع هؤلاء لأبنائهم، وصارت الخلافة تتوارث، ولولا ذلك لكانت شورى، لا يليها إلا من اتُّفِقَ على فضله، واستحقاقه الإمامة إلى يوم القيامة.

 

وكان يقول: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يأتي على الناس زمان، لا تنال المعيشة فيه إلا بركوب المعصية، فإذا كان ذلك الزمان قبح التزويج، وحَلَّت العزبة))[24].

 

وكان يقول: لقد مضى بين أيديكم أقوام، لو أنفق أحدهم عددَ الحصى، لخشي ألا يُقبَلَ منه ولا ينجو؛ لعِظَمِ الأمر في نفسه.

 

وسئل عن عليٍّ رضي الله عنه فقال: كان - والله - سهمًا صائبًا من مرامي الله تعالى، وكان ربانيَّ[25] هذه الأمة، في ذروة فضلها وشرفها، كان ذا قرابةٍ قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أبا الحسن والحسين رضي الله عنهما، وزوجَ فاطمة الزهراء، لم يكن بالسروقة لمال الله، ولا بالبرومة [26] في أمرِ الله، ولا بالملولة في حق الله، أعطى القرآنَ عزائمَه، وعلم ما له فيه وما عليه رضي الله تعالى عنه.


[1] لم يبين المؤلف أيهم يقصد، ففي ذلك الوقت كان ثمة اثنان يحملان هذا الاسم، هما:

أبان اللاحقي (000 - 200 ه‍ = 000 - 815 م) أبان بن عبدالحميد بن لاحق بن عفير الرقاشي: شاعر مكثر، من أهل البصرة، نسب إلى جده، وكان أبو جده (عفير) من الموالي، انتقل أبان إلى بغداد، واتصل بالبرامكة، فأكثر من مدحهم، وخص بالفضل بن يحيى، ونظم لهم كليلة ودمنة شعرًا، وكتبًا أخرى كسيرة (أردشير)، وسيرة (أنو شروان) وكتاب (مزدك)، واتصل عن طريقهم بالرشيد، فكان من شعرائه، له أخبار، وهجاه أبو نواس وغيره.

انظر، الزركلي: الأعلام، 1 / 33.

أبان الأحمر (000 - نحو 200 ه‍ = 000 - نحو 815 م) أبان بن عثمان بن يحيى بن زكريا اللؤلؤي البجلي بالولاء، أبو عبدالله، المعروف بالأحمر: عالم بالأخبار والأنساب، إمامي، أصله من الكوفة وكان يسكنها تارة ويسكن البصرة تارة أخرى، وممن أخذ عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى وأبو عبدالله محمد بن سلام، له كتب، منها (المغازي) في أخبار المبتدأ والمبعث وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم والسقيفة والردة.

انظر: الزركلي "الأعلام" 1 / 34.

[2]أبو العلاء المعري (363 - 449 ه‍ = 973 - 1057 م) أحمد بن عبدالله بن سليمان، التنوخي المعري: شاعر فيلسوف، ولد ومات في معرة النعمان، كان نحيف الجسم، أصيب بالجدري صغيرًا، فعمي في السنة الرابعة من عمره، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ورحل إلى بغداد سنة 398 ه‍ فأقام بها سنة وسبعة أشهر، وهو من بيت علم كبير في بلده.

ولما مات وقف على قبره 84 شاعرًا يَرثونه، وكان يلعب بالشِّطْرنَجِ والنَّرْدِ، وإذا أراد التأليف أملى على كاتبه علي بن عبدالله بن أبي هاشم، وكان يحرم إيلام الحيوان، ولم يأكل اللحم خمسًا وأربعين سنةً، وكان يلبس خشن الثياب، أما شِعرُه وهو ديوان حكمته وفلسفته، فثلاثة أقسام: (لزوم ما لا يلزم - ط) ويعرف باللزوميات، و(سقط الزند - ط) و(ضوء السقط - خ).

وقد تُرجِمَ كثير من شعره إلى غير العربية، وأما كتبه، فكثيرة وفهرسها في معجم الأدباء، ولكثير من الباحثين تصانيفُ في آراء المعرِّي وفلسفته.

انظر: الزركلي (الأعلام) 1 / 482.

[3] من قصيدته التي يرثي بها بعض أقاربه، ومطلعها:

غيرُ مُجْدٍ في مِلَّتي واعتقادي

نوحُ باكٍ ولا ترنُّم شادِ

[4] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (4 / 230، رقم 4885)، قال العجلوني (2 / 325): سنده ضعيف.

[5] لم أجد له ترجمة.

[6] قال البيهقي في شُعَبِ الإيمان: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، نا أبو محمد عبدالله بن إسحاق الخراساني ببغداد، نا يحيى بن جعفر بن أبي طالب، نا علي بن عاصم، نا خالد الحذاء، ح وأخبرنا أبو عبدالله الحافظ، أخبرني إبراهيم بن عصمة بن إبراهيم، نا أبي، نا يحيى بن يحيى، أنا يزيد بن زريع عن خالد الحذاء، عن عبدالرحمن بن أبي بكر، عن أبيه قال: مدح رجل رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وَيْحَك! قطعت عنق أخيك - مرارًا - إذا كان أحدكم مادحًا أخاه لا محالة، فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبُه، ولا أزكي على الله أحدًا، أحسبه - إن كان يعلم - كذا وكذا))؛ رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى، وأخرجاه من حديث شعبة عن خالد، وفي رواية عليٍّ: ((لو سمعها ما أفلح بعدَها أبدًا، قال: فليقل أحسب فلانًا كذا وكذا، إذا علم منه ذلك، والله أعلم به، ولا أزكي على الله أحدًا)).

[7] الحسين بن علي (- 4 61هـ / 625 - 680م) الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف، القرشي الهاشمي، الإمام السيد، أبو عبدالله، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد شباب أهل الجنة، وريحانة النبي صلى الله عليه وسلم، ولد بالمدينة المنورة في الخامس من شعبان في السنة الرابعة للهجرة، سماه النبي صلى الله عليه وسلم الحسين.

كان الحسين فاضلاً كثير الصوم والصلاة والحج والصدقة وأفعال الخير، وقيل: حج خمسًا وعشرين حجةً وهو يمشي على رجليه، وحدث عن جده، وأبويه، وصهره عمر، وطائفة، وحدث عنه ولداه علي وفاطمة، وخلق كثير.

وقد أُوتي مَلَكةَ الخطابة؛ من طلاقة لسان، وحسن بيان، وغنة صوت، وجمال إيماء، وأخذ نفسَه بسمت الوقار في رعاية أسرته ورعاية الناس عامة، فهابه الناس، وعرف معاوية عنه هذه المهابة فوصفه لرجل من قريش ذاهب إلى المدينة فقال: "إذا دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت حلقةً فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبدالله مؤتزرًا إلى أنصاف ساقيه".

وقد تداول الناس الروايات الكثيرة عن علمه الغزير، وفصاحته الموهوبة، وشجاعته المتوارثة، ووفائه وفروسيته، وقد سن الحسين لمن بعده سنة في الآداب تليق بالبيت الذي نشأ فيه، ووكل إليه أن يرعى له حقه، ويوجب على الناس مهابته وتوقيره، فهو على فضله.

لما مات معاوية بن أبي سفيان، وخلفه ابنه يزيد، تخلف الحسين عن مبايعته، ورحل إلى مكة في جماعة من أصحابه، فأقام فيها أشهرًا، ودعاه إلى الكوفة أشياعه (وأشياع أبيه وأخيه من قبله) فيها، على أن يبايعوه بالخلافة، وكتبوا إليه أنهم في جيش متهيئ للوثوب على الأمويين، فأجابهم، وخرج من مكة في مواليه ونسائه وذراريِّه ونحو الثمانين من رجاله، وعلم يزيد بسفره فوجَّه إليه جيشًا اعترضه في كربلاء (بالعراق - قرب الكوفة)، فنشب قتال عنيف قُتل الحسين على إثره في يوم الجمعة العاشر من المحرم عام 61هـ.

(انظر: الموسوعة العربية العالمية، المملكة العربية السعودية، 2004م).

[8] الحِلس بالكسر: كساء على ظهر البعير تحت البرذعة ويبسط في البيت، ج: أحلاس وحلوس وحِلَسَة، (الحلس) كل ما ولي ظهر الدابة تحت الرحل والقتب والسرج، وما يبسط في البيت من حصير ونحوه، ويقال: هو حلس بيته؛ لا يبرحه.

انظر: المعجم الوسيط، الفيروزابادي: القاموس المحيط.

[9] قوله تعالى: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ﴾ [الأنبياء: 102]؛ أي: لا يسمعون حسَّها وحركة تلهبها، والحسيس والحس: الحركة. انظر: ابن منظور (لسان العرب).

[10] من الخوارج.

[11] المقصود بها الجزيرة الفراتية، وهي ما انحصر بين نهري دجلة والفرات من أرض العراق.

[12] البدلاء: من مصطلحات المتصوفة، ويقول الجُرجاني في تعريفه: البدلاء: هم سبعة رجال من سافَر من موضع، ترك جسدًا على صورته حيًّا بحياته، ظاهرًا بأعمال أصله، بحيث لا يعرف أحد أنه فقد، وذلك هو البدل لا غير، وهو في تلبسه بالأجساد والصور على صورته يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، لكل إقليم فيه ولايته منهم، واحد على قدم إبراهيم عليه السلام وله الإقليم الأول، والثاني على قدم الكليم، والثالث على قدم هارون، والرابع على قدم إدريس، والخامس على قدم يوسف، والسادس على قدم عيسى، والسابع على قدم آدم عليهم السلام على ترتيب الأقاليم. انظر: الجرجاني (التعريفات).

[13] العلاء بن زياد بن مطر بن شريح، القدوة العابد، أبو نصر العدوي البصري، أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحدث عن عمران بن حصين، وعياض بن حمار، وأبي هريرة، ومطرف بن الشخير، وغيرهم، روى عنه الحسن، وأسيد بن عبدالرحمن الخثعمي، وقتادة، ومطر الوراق، وأوفى بن دلهم، وإسحاق بن سويد، وآخرون، وكان ربانيًّا تقيًّا قانتًا لله، بكَّاءً من خشية الله.

قال قتادة: كان العلاء بن زياد قد بكى حتى غشي بصره، وكان إذا أراد أن يقرأ أو يتكلم، جهَشَه البكاء، وقال هشام بن حسان: كان قوت العلاء بن زياد رغيفًا كل يوم، وقال أوفى بن دلهم: كان للعلاء بن زياد مال ورقيق، فأعتق بعضهم، وباع بعضهم، وتعبد وبالغ، فكُلِّم في ذلك فقال: إنما أتذلل لله لعله يرحمني. ذكر أبو حاتم بن حبان أن العلاء بن زياد توفي في أخَرَة ولاية الحجاج سنة أربع وتسعين.

انظر: الذهبي (سير أعلام النبلاء، 4 / 203).

[14] أورده السيوطي في جامع الأحاديث: ((ألا إن الناس لم يؤتوا في الدنيا شيئًا خيرًا من اليقين والعافية؛ فسلوهما الله))؛ (ابن المبارك عن الحسن مرسلاً) وقال: أخرجه أحمد (1 / 8، رقم 38).

(أحمد وهو منقطع) [كنز العمال 4930].

[15] (الدِّرة): السوط يضرب به، ومنه درة عمر. انظر، المعجم الوسيط.

[16] الحجاج بن يوسف الثقفي (95 - 41هـ / 661 - 713م) من فصحاء العرب، ويعد في الذروة من أهل الخطابة والبيان في العصر الأول، وهو سياسي محنَّك، وقائد عسكري وخطيب مفوه، من دعائم دولة الأمويين حيث نصر حكمهم بيده ولسانه.

ولد في الطائف ونشأ بها، وتلقى تعليمه الأول على يدي والده؛ إذ كان معلم صبيان، فامتهن مهنة أبيه في شبابه، ويذكر بعض المؤرخين امتهانه الدباغة أو بيع الزبيب، وكان قصيرًا دميمًا قاسيًا.

كانت الظروف التاريخية التي أعقبت وفاة معاوية بن أبي سفيان، وإمرة ابنه يزيد وما حفلت به من اضطرابات وفتن - قد دفعت به إلى الحياة العسكرية، فأظهر فيها قدرته على القيادة؛ مما جعل عبدالملك بن مروان يوليه إمرة الجيش المكلف بالقضاء على حركة عبدالله بن الزبير بمكة، فلم يترك وسيلة لإثارة الرعب إلا ركبها، فحاصر مكة وضربها بالمنجنيق، فتفرقت الجموع من حول ابن الزبير، وقاتل حتى قتل، فصلبه الحجاج، ولم ينزله من مكان صلبه إلا بأمر عبدالملك، فكافأه عبدالملك على هذا النجاح بتوليته العراق إضافة إلى الحجاز، فذهب إلى العراق واليًا، حيث الفتن تمور، وهيبة الدولة مستباحة، وسلامتها مهددة؛ إذ كثرت أعمال العصيان والتمرد والتعدي على الولاة وطردهم، فقرر إعمال القسوة وسياسة القبضة القوية، كما يظهر من بياناته الأولى في خطبتَي التتويج في الكوفة والبصرة، وضرب العصبيات بعضها ببعض، ثم عمل على احتوائها واستثمار عنفوانها في القضاء على الخوارج وأشكال التمرد في أطراف الدولة كامتناع ملك سجستان عن دفع الخراج، ثم في القضاء على تمرد ابن الأشعث وملاحقة الخوارج؛ ولهذا عرف بأنه اليد القوية لعبدالملك بن مروان في تأسيسه الثاني للدولة الأموية وتثبيت دعائمها.

ساعدت منجزاته في تأمين سلامة الدولة الأموية وتثبيت كيانها، وعودة هيبتها، وقد ساعده على النجاح قدرة بيانية استغلها استغلالا جيدًا في خطبه وبياناته، ويدللون على هذه القدرة بأنه واحد من أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل، وهم: الشعبي، وعبدالملك بن مروان، والحجاج، وابن القرية.

لم تقف إنجازاته للدولة عند الجانبين العسكري والسياسي فحسب، بل تعدتهما إلى الجوانب الحضارية والثقافية، فبأمره عرب ديوان العراق من الفارسية، وبأمره أعجم القرآن ونقط.

وتحتفظ كتب الأدب وتأريخه بقدر كبير من أخباره السياسية والأدبية: وتعد خطبه لونًا جديدًا من ألوان الخطابة السياسية؛ إذ ترسم سياسة الدولة وتقدم فصاحة وبلاغة تبهر السامعين وتستأثر بأسماعهم، ومن أشهر هذه الخطب تلك التي خطبها في الكوفة حين قدم واليًا على العراق، واستهلها بقول الشاعر:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا

متى أَضَعِ العمامة تعرفوني

وكان بصيرًا بالشعر، تذوقه ونقده، فقصده الشعراء ولزموا مدحه وإذاعة أخباره الحربية، وكان الشعراء الأمويون الفحول مقدمين في ذلك، ومنهم جرير والفرزدق والأخطل، وكما مدحه هؤلاء فقد هجاه نفر من شعراء الأحزاب الأخرى، وعلى رأسهم شعراء الخوارج، والشعراء الزبيريون.

(انظر: الموسوعة العربية العالمية، المملكة العربية السعودية، 2004م).

[17] يقال: إنه حسن الملكة والملك، وأقر بالمَلَكَة والمُلوكة؛ أي: المُلك، وفي الحديث: "لا يدخل الجنة سيء الملكة"؛ أي: الذي يسيء صحبة المماليك، ويقال: فلان حسن الملكة، إذا كان حسن الصنع إلى مماليكه، وفي الحديث: "حسن الملكة نماء"، هو من ذلك.

انظر: ابن منظور (لسان العرب).

[18] سُئِلَ الخليل عن قول العرب: لا أبا لك، فقال: معناه: لا كافي لك. وعن الفراء، قال: قولهم: لا أبا لك، كلمة تفصل بها العرب كلامها. وقال أبو عبيد: زعم بعض العلماء أن قولهم: لا أبا لك، ولا أب لك: مدح، وأن قولهم: لا أم لك: ذم.

انظر: الأزهري (تهذيب اللغة).

[19] رواه النسائي والحاكم من حديث أنس بإسناد صحيح،وأخرجه الحاكم (4 / 546، رقم 8528)، وقال: صحيح على شرط الشيخين.

[20] كان ذلك فيموقعة صِفِّين، وقعت موقعة صفين بين فئتين من المسلمين إثر مقتل الخليفة عثمان بن عفان وبعد معركة الجمل في عام 37 هـ الموافق 657م. وكان من أسبابها أن عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه أراد أن يقضي على شكوى أهل الأمصار من ولاة سلفه الخليفة المقتول عثمان بن عفان، فقام بعزل هؤلاء الولاة، وكان أعظمهم شأنًا معاوية بن أبي سفيان الذي جاهر بالمطالبة بدم عثمان، ولما أصر معاوية على موقفه من علي عزم علي على حربه، فالتقى جيشاهما في صفين، ودارت الحرب بينهما لأيام، رجحت فيها كفة علي، فرأى معاوية وعمرو بن العاص الاحتكام إلى كتاب الله، واختلف أصحاب علي فيما بينهم، منهم من قبل الفكرة ومنهم من رفضها بحجة أنها خدعة حربية، ومن بين الرافضين للفكرة علي نفسه، ولكنه اتبع رأي مخالفيه لكثرتهم. واتفق الطرفان على التحكيم، فانتدب عليٌّ أبا موسى الأشعري، وانتدب معاويةُ عمرَو بن العاص. اتفق الحكمان على اللقاء بدومة الجندل، وأذن علي بالرحيل إلى الكوفة بعد يومين من كتابة صحيفة التحكيم، وانحازت جماعة من جيشه إلى حروراء؛ لعدم رضاهم بما في صحيفة التحكيم، وأقنعهم علي بدخول الكوفة بعد حوار وجدال طويل، قاده عبدالله بن عباس ثم علي نفسه، وعُرفوا في التاريخ بالحرورية أو الخوارج.

واجتمع الحكمان في دومة الجندل واتفقا على أن يخلع كل منهما صاحبه، وأن يعهدا بأمر الخلافة إلى الأحياء من أعيان الصحابة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، إلا أن عمرًا، وهو أحد الحكمين، خالف ما اتفق عليه مع صاحبه، ولم يكف الخوارج عن إبداء رأيهم في مبدأ التحكيم، وخاصة بعد فشل التحكيم ذاته، وتسللوا من بين جند علي، وأخذوا في مناوشة جنده، وذبحوا عبدالله بن خباب بن الأرت ومعه نسوة، وقتلوا رسول علي إليهم بهذا الشأن، وبادروه بالحرب، فاضطر إلى إبادتهم بمكان يسمى النهروان عام 38 هـ الموافق 658م ليتفرغ لحرب معاوية، ولكن تمكن أحدهم من قتل علي غدرًا في 17 رمضان عام 40هـ الموافق 660م.

(انظر: الموسوعة العربية العالمية، المملكة العربية السعودية، 2004م).

[21] الخوارج: فرقة من المسلمين خرجت على الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وصحبه، ومن خروجهم أخذوا اسم الخوارج، وسموا بالحرورية نسبة إلى حروراء التي خرجوا إليها، وسموا بالشُّراة لأنهم - حسب اعتقادهم - باعوا أنفسهم لله تعالى؛ لقوله سبحانه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 207]، ويعتقد الخوارج أنهم من الناحية الدينية يمثلون الفئة القليلة المؤمنة التي لا تقبل في الحق مساومة، وأن زعماءهم من جماعة القراء والفقهاء هم الحريصون على الالتزام بالكتاب والسنة دون مواربة أو تأويل.

فالخوارج مذهبٌ سياسي في الأصل، غير أنه لما كانت السلطتان الدينية والدنيوية ممتزجتين في الإسلام وهما معًا عنصر الإمامة، فإن للخوارج وجهة نظر في الأمور الدينية أيضًا.

(انظر: الموسوعة العربية العالمية، المملكة العربية السعودية، 2004م).

[22] المغيرة بن شعبة: ابن أبي عامر بن مسعود بن معتب، الأمير أبو عيسى، ويقال: أبو عبدالله، من كبار الصحابة أولي الشجاعة والمكيدة، شهد بيعة الرضوان، كان رجلاً طوالاً مهيبًا، ذهبت عينه يوم اليرموك، وقيل: يوم القادسية، وقال الجماعة: مات أمير الكوفة المغيرة في سنة خمسين في شعبان، وله سبعون سنة، وله في "الصحيحين" اثنا عشر حديثًا، وانفرد له البخاري بحديث، ومسلم بحديثين.

انظر، الذهبي: سير أعلام النبلاء، 3 / 32.

[23] الغَرْزُ: ركاب الرحل، وكل ما كان مساكًا للرجلين في المركب غرز، وغرز رجله في الغرز يغرزها غرزًا: وضعها فيه ليركب وأثبتها واغترز، ومنه حديث أبي بكر أنه قال لعمر رضي الله عنهم: استمسك بغرزه؛ أي: اعتلق به وأمسكه، واتبع قوله وفعله ولا تخالفه.

انظر: ابن منظور (لسان العرب).

[24] أورده جمال الدين الزيلعي (المتوفى: 762هـ) في كتاب تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري، الحديث الثامن والعشرون: قلت رواه الخطابي في كتاب العزلة: حدثنا أحمد بن سليمان النجاد، حدثنا محمد بن يونس الكديمي، حدثنا محمد بن منصور الجشمي، حدثنا سليم بن سالم، حدثنا السري بن يحيى عن الحسن عن أبي الأحوص، عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينُه إلا من فر بدينه من شاهق إلى شاهق، ومن حجر إلى حجر، فإذا كان ذلك لم تُنَلِ المعيشةُ إلا بمعصية الله، فإذا كان ذلك حلت العزبة))، قال: وكيف تحل العزبة يا رسول الله، وأنت تأمر بالتزويج؟ قال: ((إذا كان ذلك كان هلاك الرجل على أيدي أبوَيْه، فإن لم يكن له أبوان كان هلاكُه على يدي زوجته، فإن لم تكن له زوجة كان هلاكه على يدي ولدِه، فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على يدي القرابات والجيران))، قالوا وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يُعيِّرونه بضيق المعيشة، ويكلِّفونه ما لا يطيق، فعند ذلك يورد نفسَه المواردَ التي يهلك فيها)).

ورواه علي بن معبد أيضًا في كتاب الطاعة والمعصية، حدثنا عبدالله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي على الناس زمان...)) إلى آخره سواء، وهو مرسل.

[25] والرباني: الـمُتألِّه العارف بالله عز وجل. انظر: الفيروزابادي (القاموس المحيط).

[26] البرم بالتحريك: مصدر برم بالأمر بالكسر برمًا؛ إذا سئمه، فهو برم: ضجر، وقد أبرمه فلان إبرامًا؛ أي أمله وأضجره، فبرم، وتبرَّم به تبرمًا.

انظر: ابن منظور (لسان العرب).

 
د. أحمد عبدالوهاب الشرقاوي
 

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_language/0/75568/#ixzz56D7uhCxf
Developed by