Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

يلوكون الفخامة

 يلوكون بألسنتهم عبارات فخيمة من الكفاح المسلح والمقاومة وتحرير حيفا ويافا كما أشار أحد كبرائهم من أيام، وبلا قطران أبدا، وبلا وعي بادراك الفرص والتحديات، وبالقدرة والارادة، كما وعتها وثيقة حماس.
اتركوا الحقد الفصائلي والعصبوية، وانخرطوا في الفعل الميداني الناجز، وكونوا أسيادا بالوحدة دون تكلّفات التخوين والتكفير والتعهير، وتمنطقوا بالانجازات السياسية والميدانية فهي لفلسطين، وليست لهذا او ذاك، أفلا تنظرون أن الأشخاص زائلون وفلسطين باقية!

رسالة دمشقية في ذكرى الوحدة

نشر بتاريخ: 2018-02-04

رسالة من صديق دمشقي.. من وسط النيران التي لا يراد لها أن تنطفئ، والدمار الذي لا يتوقف، والشعب الذي تحمل ما لا يتحمله بشر، وسط هذا كله يجد الصديق لحظات يذكرني فيها بأن أياماً تفصلنا عن ذكرى عزيزة حيث يمر ستون عاماً على واحد من أجمل الأيام العربية في تاريخنا الحديث، حين تحققت الوحدة السورية ـ المصرية، لتجسد حلماً طال انتظاره، ولتفتح أبواب الأمل أمام الأمة العربية كلها في أن تحقق ذاتها وتستكمل نهضتها.

تعيدني الرسالة إلى أيام ليست كالأيام، كانت أشواق السنين إلى الحرية تأخذ طريقها إلى الواقع. وكانت حرب السويس قد كتبت نهاية الاستعمار القديم، وكانت رايات الاستقلال ترتفع تباعاً في سماء الدول العربية.

على الجانب الآخر.. كانت هناك قوى كبرى تريد أن ترث الاستعمار القديم وتضع المنطقة تحت نفوذها، وكانت هناك أحلاف يراد فرضها على العرب ليظل الاستقلال بالنسبة لهم علماً ونشيداً فقط، وكان هناك طامعون في الثروات العربية يخشون أن يكون تأميم عبد الناصر لقناة السويس واستعادتها لأحضان الوطن مقدمة لإنهاء كل عمليات النهب الاستعماري للثروات العربية.

وكان الشارع العربي قد استيقظ، لم يعد المواطن العربي خارج الحسابات. ولم يعد ممكناً أن يحدد مصيره في الغرف المغلقة أو العواصم البعيدة، وكان طبيعياً أن يلتفت الجميع نحو القاهرة، وأن يلتف الجميع حول عبد الناصر وهو يرفض الانضواء تحت هيمنة أي من أطراف الصراع الجديد على زعامة العالم، ويعلن أن استقلال الدول العربية وتقدمها هو ما يحفظ أمنها ويؤمن استقلالها ويجعل مصيرها بيد أبنائها وليس بيد الآخرين.

وفي ظل هذا المناخ جاءت المفاجأة من سوريا التي كانت ـ كالعادة ـ أرضاً للصراع وأحد المفاتيح المهمة في المنطقة، كانت سوريا بعد سلسلة من الانقلابات العسكرية قد وجدت نفسها في بؤرة الأحداث ومركز الصراعات، كانت التوجهات العربية تزداد قوة والشارع السوري يزداد حماساً لكل خطوة عربية إيجابية، وكانت بذور الفكر الوحدوي التي زرعت في التربة السورية تطرح أزهاراً تزهو بعروبتها. وفي نفس الوقت كانت كل الأطراف الخارجية المناوئة تحاول اللعب في الساحة السورية، وكل الضغوط تمارس من أجل إبعاد سوريا عن هذا الطريق، وإدخالها في بيت الطاعة الأجنبي.

كان هذا هو الوضع حين فوجئت القاهرة بوصول قادة الجيش السوري ليطلبوا من عبد الناصر إنقاذ سوريا من المخاطر التي أحاطت بها، فالحكم على وشك الانهيار، والمؤامرات داخل الجيش وخارجه لا تتوقف، والقوات التركية تستعد للتدخل.

وإسرائيل بالطبع جاهزة لدعم أية عملية لإسقاط الحاكم وإنهاء أي توجه عروبي في دمشق. وكان التقرير السوري أنه إما إعلان الوحدة مع مصر أو السقوط في مستنقع ستكون آثاره وبيلة على كل القوى العربية الناهضة.

ولم يكن عبد الناصر مستعداً لذلك، وكان مدركاً للصعوبات التي يمكن أن تواجه مثل هذه الخطوة «خاصة مع البعد الجغرافي بين القطرين»، وكذلك للمخاطر التي ستزداد والحروب التي لن تتوقف. وطرح البدائل للتعامل مع الموقف، وكان أقصى هذه البدائل نوعاً من الاتحاد الكونفدرالي يتيح التعاون في مواجهة الضغوط والتهديدات، ويمهد الطريق لخطوات أبعد على طريق الوحدة بعد استكمال مقوماتها.

لكن القيادات السورية تمسكت بتقديراتها وواصلت ضغوطها. وعندما طلب عبد الناصر موقف القيادات السياسية السورية، كان التأييد كاملاً، وكانت الموافقة على كل الشروط التي وضعها عبد الناصر لإبعاد الجيش عن السياسة، ولتوحيد القوى السياسية في تنظيم واحد، كما كان الأمر في مصر، لمواجهة متطلبات المرحلة الانتقالية.

وفي مثل هذه الأيام قبل ستين عاماً، تم الإعلان عن مشروع الوحدة، ودعي المصريون والسوريون للاستفتاء عليه. وفي 22 فبراير 58 كان ميلاد «الجمهورية العربية المتحدة» بداية لتاريخ جديد، وتحقيقاً لحلم طال انتظاره.

ولا تسل عن شلال الفرح الذي شمل الوطن العربي كله بعطر الوحدة، ولا عن أبواب الأمل التي انفتحت أمام الملايين من المحيط إلى الخليج، لكن التحديات كانت هائلة، والضربة التي تلقاها الأعداء لم يكن ممكناً أن تمر بسهولة، والطريق الذي انفتح بالوحدة كان لابد من إغلاقه بالمؤامرات التي لم تتوقف، وبالضغوط التي تضاعفت، وللمرة الأولى وجدنا توافقاً بين موقف الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة في العداء للوحدة(!!).

ورغم الأخطاء العديدة التي رافقت الوحدة في فترة التأسيس، فقد أنجزت الكثير، حتى وقع الانفصال بعد حوالى ثلاث سنوات، وهنا كان الدرس الثاني الذي أكد فيه عبد الناصر أن الوحدة هي إرادة شعوب قبل أي شيء آخر.

كان الانفصال عملاً انقلابياً محدوداً، وكان الشعب السوري ضده وكان التصدي للانقلاب ممكناً، وبالفعل تحركت القوات العسكرية لإسقاطه، لكن عبد الناصر أوقف العملية ورفض أن يتواجه أبناء الشعب الواحد، وأدرك أن القوى الخارجية التي تآمرت ضد الوحدة لن تسكت وأن سوريا ستتحول لميدان حرب تتدخل فيه القوى الأجنبية. أوقف عبد الناصر أي تحركات وقال كلماته الحاسمة: «ليس مهماً أن تبقى سوريا جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة لكن من المهم أن تبقى سوريا».

سقطت الوحدة ولم يسقط الحلم. بعد ستين عاما ومن قلب سوريا المحطمة، يرسل صديقي الدمشقي منبهاً حتى لا ننسى، لعله ينظر حوله إلى سوريا التي استباح الجميع أرضها فيتذكر كيف قامت الوحدة يوماً لتحميها، ولعله وسط دمار الدولة ومأساة الشعب الشقيق تذكر كيف رضي الرجل الذي رفع الشعب السوري السيارة التي تقله بأيديهم حباً وإجلالاً أن يتراجع لأن «المهم أن تبقى سوريا»!!

ستون عاماً مرت، ومازال درس الوحدة قادراً على أن يعلمنا ومازال قادراً أن يلهم صديقي الدمشقي أن ينثر عطر الوحدة وهو محاصر في قلب المأساة!

 
جلال عارف
Developed by