Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

الكنعانيون من 5000 عام

 نحن سلالة الكنعانيين الذين عاشوا على أرض فلسطين قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وبقوا فيها إلى اليوم دون انقطاع، ولازال شعبنا العظيم متجذراً في أرضه. شعبنا الفلسطيني عمَّر مدنه وأرضه، وقدم إسهامات إنسانية وحضارية يشهد لها العالم
الرئيس محمود عباس

التدين عمق لا سطح

نشر بتاريخ: 2018-01-30


الدين شيء، والتدين شيء آخر، الدين هو النص، والتدين هو ترجمته، الدين هو الفكرة والبرنامج والمشروع، والتدين هو تنزيله وتمثله في واقع الناس والحياة. وأخطر ما يمكن أن يصاب به الدين، ويصاب به أهله، في مقتل، هو فهمه وتمثله كأشكال ظاهرة وصور خارجية لا علاقة قوية لها بمقاصد الدين الكبرى ومراميه العميقة، القريبة منها والبعيدة.

آفة الفهم الشكلي والسطحي للدين آفة حقيقية، لأنها تحول الدين إلى تدين ظاهري صوري سمته السطحية وغياب الوعي العميق بالأصول الكبرى والمرامي الجوهرية التي جاء من أجلها الدين ابتداء. ولهذه الشكلية في التدين سمات تعرف بها وتتجلى، أذكر منها ما يلي:

1. الشكلية أو السطحية في الفهم: وذلك بالتركيز على الجزء، أو بعض الجزء، وترك الكل وإغفاله، مثال ذلك، التشدد في بعض السنن والمستحبات والإكثار من الحديث عن الأذكار المسنونة ونوافل العبادات، وكأنها هي الدين، أو الدين كله، مع الإغفال التام أو الاهتمام الضعيف والكسول بركائز وأمهات لا قوام للدين مطلقا بدونها، كالعلم والبراعة فيه، وإتقان العمل، وضبط المواعيد، وأداء حقوق الناس، ومساعدة الضعفاء والمحتاجين، والسعي لقضاء أغراض المساكين، وخدمة الصالح العام، واحترام المخالف، والتزام أدب الحوار، والمحافظة على النظافة، وأداء حقوق الجيران، والمساهمة في محاربة الفساد بألوانه المختلفة والاستبداد بأشكاله المتنوعة، وامتلاك أسباب القوة والمنعة لمواجهة الأعداء الحقيقيين، لا المتوهمين، وغيرها.

2. الشكلية في التطبيق: وهذه فرع عن تلك، ومظهرها الأبرز والأوضح هو ما أسميه الحياة بالموت، أي التركيز كثيرا، وعند البعض دائما، على أحاديث الموت، وأهوال الآخرة، وعلامات الساعة، واعتبار ذلك هو الدين كله، أو هو أهم ما في الدين، وتغييب، أو استصغار سؤال الحياة، هذه التي نعيش فيها الآن، نعم، الآخرة في عقيدتنا هي دار القرار، ولكن الحياة الدنيا هي مزرعة الآخرة، فأين هي هذه المزرعة اليوم؟ ماذا زرع المسلمون وماذا يزرعون؟ كم في مزرعتنا من إعمار، وتشييد، وحضارة، ومعرفة، وإتقان، وتقدم وفنون، ومخترعات، واقتصاد، وقوة، وظهور على العالمين؟

إن الاكتفاء من الدين، فقط، بالحديث عن الموت وأهوال الآخرة ليس إلا هروبا من الحقيقة، حقيقة أننا أمة بلا حياة، بلا مزرعة حقيقية، عدا الكلام والادعاء، دون حجة ولا بينة، الموت غيب نؤمن به لننطلق، لا لنتقاعس، والآخرة موعد نعتقده لنعمل ونجد، لنصنع صورتنا، ونضع بصمتنا، في العالمين، لا لنظل طول الوقت نتوعد الناس بالويل والثبور.

كل حديث عن الموت في الإسلام إنما هو دعوة إلى النهوض بالحياة، لكن معظم الوعاظ والخطباء اليوم لا يبرعون إلا في الحديث عن الموت، وبنمطية رتيبة لا اجتهاد فيها، إنهم عاجزون عن التبشير بالحياة، الحياة الرائعة التي يرمي إليها الإسلام، حياة المعرفة، والتقدم، والإبداع الشامل، لا حديث لأكثر المتكلمين في الدين إلا عن الموت، وأهوال يوم القيامة، وبأسلوب لا يتفاعل معه الكثير من المستمعين، ولا سيما الشباب.

3. الشكلية في الهيئة: المظهر تعبير عن المخبر ودليل عليه، والتركيز على المظهر دون فهمه وفهم علاقته بالمخبر، هذا من آفات الكثير من المتدينين اليوم الذين يضيعون الكثير من الوقت في الحديث غير الدقيق عن المظهر الإسلامي، وغير الإسلامي.

لو كان الرسول (ص) بيننا، اليوم، هل كان سيقبل ببعض هذه الهيئات التي يظهر بها بعض المتدينين ويؤكدون أنها هي الدين وهي السنة، أم تراه عليه السلام سيلبس ما يلبسه الناس بشروط بسيطة، جماعها كلمتان، الحياء، واللياقة معا؟

بعض الشباب، وبتأثير من بعض الشيوخ، المشارقة خاصة، لا يرون في الإسلام إلا شكل اللباس، وحجم اللحية وطولها، يستهويهم الحديث في الأشكال والهيئات الظاهرة، مما يخفي هروبا واضحا ومخيفا من الجوهر، ومن الأسئلة الحارقة والمحرجة، من مثل من أنت؟ ما هي حقيقتك؟ ما هي إضافتك وبصمتك في هذه الحياة؟ ما هو مشروعك الفردي والجماعي تجاه نفسك وتجاه مجتمعك؟

حين ينفصل الشكل عن المضمون، يتحول إلى سطحية قاتلة، معنى، وحسا، معنى بسوء الفهم، وحسا بسوء التطبيق.





التدين عمق لا سطح
ابراهيم أقنسوس
 
Developed by