Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

يلوكون الفخامة

 يلوكون بألسنتهم عبارات فخيمة من الكفاح المسلح والمقاومة وتحرير حيفا ويافا كما أشار أحد كبرائهم من أيام، وبلا قطران أبدا، وبلا وعي بادراك الفرص والتحديات، وبالقدرة والارادة، كما وعتها وثيقة حماس.
اتركوا الحقد الفصائلي والعصبوية، وانخرطوا في الفعل الميداني الناجز، وكونوا أسيادا بالوحدة دون تكلّفات التخوين والتكفير والتعهير، وتمنطقوا بالانجازات السياسية والميدانية فهي لفلسطين، وليست لهذا او ذاك، أفلا تنظرون أن الأشخاص زائلون وفلسطين باقية!

الأمن القومي وفكرة العروبة

نشر بتاريخ: 2018-01-29


 
في تعليقه على الأحداث العاصفة التي تمر بها راهناً المنطقة العربية، لخص د. أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، الموقف بالقول إن المخرج الوحيد للمنطقة العربية في مواجهة التدخل الخارجي المتزايد في أوضاعها الداخلية، هو تحصين مفهوم الأمن القومي وتفعيله.



لا نحتاج للقول هنا إن الفكرة القومية قد تراجعت بقوة في السنوات الأخيرة بفعل عوامل عديدة ليس هذا مجال ذكرها، ومعها انهارت المنظومة السياسية العربية الحديثة بكاملها. فالذين راهنوا على هويات وطنية بديلة أخفقوا في مشروعهم السياسي، وظهر من الجلي أن المآل الذي تتجه إليه البلدان التي مرت بمنعرج التحول الجذري هو إعادة إنتاج الهويات القبلية والإثنية والطائفية من داخل قوالب الدولة الوطنية ذاتها بما يعني في الواقع تفتيتها وتفكيكها من الداخل.
ودون الخوض في الاعتبارات التاريخية البعيدة، نكتفي بالإشارة إلى أن الأطروحة العروبية التي بلورتها نظرياً النخب التنويرية الشامية التي تتكون أساساً من شخصيات فكرية مسيحية، وتبنتها الزعامات الإصلاحية المصرية، وسعت لتجسيدها سياسياً النخب العثمانية العربية، تميزت عن النموذج القومي البلقاني بعزوفها عن النفَس الطائفي والعرقي، بل اتسمت بالطابع التحديثي والقوة الإدماجية.

ولذا يحسب للزعامات المسيحية العربية رفضها لنموذج الهويات القومية الانفصالية الذي شجعته القوى الأوروبية في الدولة العثمانية بداية من الأقاليم اليونانية، ثم الكيانات الأوروبية الشرقية والوسطى وانتهاء بالبلقان. وكما يُبين المؤرخ الفرنسي «هنري لورانس»، فقد تأسست هذه الهويات القومية على محددات ثلاثة هي وحدة المعتقد الديني واللغة المشتركة والمرجعية التاريخية (الفعلية أو المتخيلة)، بما اقتضاه هذا المسار من تصفيات دموية عنيفة للمجموعات الخارجة على النسيج القومي الجديد، على رغم التعسف الظاهر في بناء الهويات الجديدة (كإقصاء وتهجير ملايين المسلمين اليونانيين والبلقانيين..).

ومع أن فرنسا أرادت بناء كيانات إقليمية مسيحية في بلاد الشام من المنظور ذاته، فإن المسيحيين العرب الذين بلوروا الأسس الأولى للمشروع القومي العربي حاربوا هذا التوجه، كما حاربه الزعماء الدروز، وفي الاتجاه نفسه تبنى الإصلاحيون المسلمون (الكواكبي ومحمد عبده ورشيد رضا..) مفهوماً حضارياً مفتوحاً للعروبة يتجاوز الخلافات الدينية والعرقية. وفي مقابل هذا المشروع القومي الحداثي، رفع السلطان عبد الحميد شعار «الخلافة الإسلامية» ومنح هذا المفهوم دلالة سياسية جديدة تتجاوز السياق العثماني نفسه، وتتبنى بدعم بروسي (ألماني) مقولة «الجهاد» بما يشكل الإرهاصات الأولى للإسلام السياسي.

ومع أن القومية التركية اتجهت في العهد الأتاتوركي إلى النموذج الفرنسي العلماني، فإنها قامت في جذورها العميقة على وحدة اللغة والدين بتحويل الشعوب البلقانية المسلمة إلى مواطنين أتراكاً ثقافة ولغة، وإقصاء القوميات غير المسلمة (المأساة الأرمنية)، وإلغاء الحقوق الثقافية والقومية للأكراد المسلمين.

وعلى رغم فشل النموذجين الاندماجيين العربيين اللذين تبنتهما النخب العربية في بدايات القرن العشرين (وحدة بلاد الشام ومشروع الثورة العربية)، فإن هذه النخب نجحت في كبح مشاريع التجزئة الطائفية والدينية التي طرحتها القوى الأوروبية في بلاد الشام والهلال الخصيب، واستطاعت بناء مرجعية سياسية قوية للمجتمع العربي المعاصر.

وليس من الصحيح أن فكرة العروبة تتلخص في الصياغات الأيديولوجية الحزبية التي لم تظهر إلا في أربعينيات القرن الماضي، بل إن هذه الفكرة شكلت محور الوعي السياسي العربي في عموم بلدان العالم العربي بما فيها بلدان شمال أفريقيا منذ نهاية القرن التاسع عشر.

بيد أن ما نعيشه راهناً هو المسار المعاكس لديناميكية الوعي السياسي العربي، بتنامي مشروع الهويات الانفصالية البديلة على أساس التركيبة الطائفية والعرقية برعاية قوى إقليمية ودولية أجنبية على المنطقة العربية.

وفي السنوات الأخيرة، ظهرت دراسات ومقاربات سياسية واجتماعية عديدة تذهب إلى أن المجتمعات العربية غير مهيأة لفكرة الدولة الوطنية الحديثة نتيجة لعدم تناسب مجالها الإقليمي مع تركيبتها البشرية المتنوعة، بما يقتضي اعتماد أنماط جديدة من الهندسة السياسية تراعي حقوق المجموعات القومية والدينية التي عجزت الدولة المركزية عن حمايتها. والخطأ في هذه المقاربات هو أنها تدعو عملياً إلى آليات التدبير الإمبراطوري القديمة للمجال السياسي التي ألغتها الدولة الحديثة، بينما المطلوب هو إعادة بناء هذه الدولة وتوطيدها من منطلق الفكرة الناظمة التي تأسس عليها الوعي السياسي العربي، وهي فكرة العروبة التي لم تستنفد أغراضها ولا تزال رمزيتها التعبوية فاعلة وغنية في المستقبل.

--------------

 د. السيد ولد أباه

* أكاديمي موريتاني
Developed by