Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

يلوكون الفخامة

 يلوكون بألسنتهم عبارات فخيمة من الكفاح المسلح والمقاومة وتحرير حيفا ويافا كما أشار أحد كبرائهم من أيام، وبلا قطران أبدا، وبلا وعي بادراك الفرص والتحديات، وبالقدرة والارادة، كما وعتها وثيقة حماس.
اتركوا الحقد الفصائلي والعصبوية، وانخرطوا في الفعل الميداني الناجز، وكونوا أسيادا بالوحدة دون تكلّفات التخوين والتكفير والتعهير، وتمنطقوا بالانجازات السياسية والميدانية فهي لفلسطين، وليست لهذا او ذاك، أفلا تنظرون أن الأشخاص زائلون وفلسطين باقية!

ثقافة العنف.. هل انتهى زمن التنوير التونسي

نشر بتاريخ: 2018-01-28
 

المجموعات اليسارية والسلفية المتطرفة ساهمت في انتشار ثقافة العنف، وفي التحريض عليها باستغلالها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لتجعل من ثقافة العنف سلاحها الوحيد.
 
ما تعيشه تونس على مدى السنوات السبع الماضية من أحداث سياسية واجتماعية وثقافية يشير بدلائل موجعة إلى أن هذا البلد الصغير الذي طالما افتخر برصيده الحضاري الذي يمتدّ إلى قرابة 3000 سنة، قد يفقد الموروث التنويري الذي تربت عليه أجيال وأجيال.

ففي منتصف القرن التاسع عشر، برزت نخبة تونسية بزعامة المصلح خيرالدين باشا، صاحب كتاب “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك”. وقد قامت تلك النخبة -التي كان من أبرز رموزها شيوخ ورجال دين مرموقون- بسن أول دستور تونسي داعية إلى الانفتاح على الحضارة الغربية، ورافضة كل أشكال التزمت والانغلاق.

ولتجسيد مشروعها الإصلاحي والتحديثي، أنشأت تلك النخبة “المدرسة الصادقية” ممهدة لبروز نخب جديدة سوف تلعب أدوارا هامة في معركة الإصلاح والتحديث، وأيضا في مقاومة الاستعمار.

وبعد حصول تونس على استقلالها في عام 1956، شرع النظام الجمهوري بزعامة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في تطبيق إصلاحات اجتماعية عميقة أفضت إلى صدور “مجلة الأحوال الشخصيةّ” الضامنة لحرية المرأة ولدورها في المجتمع، وإلى جعل التعليم إجباريا ومجانيا.

كما أدّت تلك الإصلاحات إلى تقلص النزعات العشائرية والقبلية التي كانت متفشية في البلاد، مهددة الوحدة الوطنية. واليوم يتأكد لنا أن كل تلك الإنجازات العظيمة التي تحققت لتونس ولشعبها، شهدت تراجعا مخيفا خلال السنوات السبع الماضية.

وهذا ما عكسته وتعكسه العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها البلاد. فقد سعت أحزاب ومنظمات إلى التشكيك في شرعية وأهمية تلك الإنجازات. ولم تكتف بذلك، بل راحت تنشر في الخفاء والعلن، وتحت أقنعة مختلفة، ثقافة العنف والتخريب لتسمح للنعرات القبلية والعشائرية بالظهور من جديد في مناطق مختلفة من البلاد. وتحت تأثير الخطب الأصولية المتطرفة، انتشرت في كامل أنحاء البلاد مظاهر التزمت والانغلاق، والدعوات المعادية للانفتاح.


ثقافة العنف

خلال السنوات السبع الأخيرة، برزت في تونس ظاهرة خطيرة تتمثل في استفحال ثقافة العنف، وانتشارها بشكل مفزع ومريب، منذرة بخراب العمران، وتخريب الدولة ومؤسساتها، وتقويض الوحدة الوطنية، ونسف المشروع الديمقراطي الذي لا يزال هشا.

ويرى البعض من المختصين في الشأن التونسي أن هذه الثقافة غريبة على تاريخ البلاد المعاصر تحديدا. وهم على حق استنادا إلى أن النخب التونسية فضلت مقاومة الاستعمار الفرنسي بما كان الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة يصفه بـ”سياسة الكرّ والفرّ”، مغلبة الحوار على السلاح، والدبلوماسية الذكية والمرنة على التصلب والقوة. وباستثناء اغتيال الزعيم صالح بن يوسف بسبب خلافه مع بورقيبة، لم تشهد تونس اغتيالات سياسية كالتي عرفتها بلدان كثيرة من العالم الثالث.

برزت في تونس ظاهرة خطيرة تتمثل في استفحال ثقافة العنف، وانتشارها بشكل مفزع ومريب، منذرة بخراب العمران، وتخريب الدولة ومؤسساتها، وتقويض الوحدة الوطنية
وخلال فترة حكم بورقيبة وبن علي، عرفت تونس انتفاضات شعبية، ومواجهات عنيفة بين النظام والنقابات، إلاّ أن لغة الحوار والتشاور تغلبت في النهاية على لغة العنف والتهديد والوعيد. إذن من أين تتغذّى ثقافة العنف التي تشهدها تونس راهنا، وما هي مصادرها؟ للإجابة عن هذا السؤال علينا أولا أن نعود إلى تاريخ تونس القديم الموسوم بالكثير من الفتن الدينية، والنزاعات العشائرية التي ظلت آثارها مخفية مثل النار تحت الرماد. كما يمكن أن نفسر بروز ثقافة العنف برواسب الغزو الهلالي للبلاد. ذلك الغزو الذي خرّب العمران، وأحرق المدن، ونشر الفوضى والهمجية.

لذا قد يكون على حق أولئك الذين يعتقدون أن تونس تراجعت إلى الوراء لتكون على نفس الصورة التي كانت عليها عندما كان الجهل متفشيا، والأمية طاغية، والتزمت سائدا.

وقد يكون هؤلاء على حق أيضا عندما يرون أن القوى الرجعية والظلامية التي أبرزتها عناصر الزيف في انتفاضات “الربيع العربي”، قد كسبت معركتها ضدّ قوى الإصلاح والتحديث. وإذا ما تحقق لها ذلك فعلا، فإن مدة قرن ونصف القرن من التنوير قد تتبخر من دون أن تترك أثرا يذكر، لتغرق تونس في الظلمات من جديد.

والواقع أن الحركات الأصولية تتحمل مسؤولية كبيرة عن استفحال ثقافة العنف. فعند ظهورها في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، راحت هذه الحركات تحرض على المواجهات العنيفة سواء مع النظام، أو مع القوى المناهضة لها. وبعد انهيار نظام بن علي في الرابع عشر من شهر يناير/ جانفي 2011، ساهمت المجموعات اليسارية والسلفية المتطرفة مساهمة كبيرة في انتشار ثقافة العنف، وفي التحريض عليها في الخفاء والعلن. وتستغل هذه المجموعات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تنفجر بين وقت وآخر، لكي تجعل من ثقافة العنف سلاحها الوحيد غير عابئة بالمخاطر الجسيمة التي يمكن أن تفضي إلى كوارث قاتلة ومدمرة على جميع المستويات.

لذلك يبدو من المطلوب والمرغوب اليوم من جانب الأحزاب والقوى الوطنية، وكذلك من النخب التونسية التي تحرص على أن تظل تونس في مأمن من الصراعات والنزاعات الخطيرة، وعلى أن يحافظ شعبها على وحدته الوطنية لضمان نجاح المشروع الديمقراطي، أن تتصدى إلى ثقافة العنف، والمحرضين عليها بحزم وقوة. من دون ذلك سيكون مصير البلاد والعباد قاتما ومرعبا.

حسونة المصباحي

كاتب من تونس
Developed by