Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

الكنعانيون من 5000 عام

 نحن سلالة الكنعانيين الذين عاشوا على أرض فلسطين قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وبقوا فيها إلى اليوم دون انقطاع، ولازال شعبنا العظيم متجذراً في أرضه. شعبنا الفلسطيني عمَّر مدنه وأرضه، وقدم إسهامات إنسانية وحضارية يشهد لها العالم
الرئيس محمود عباس

ملف حركي//حركة فتح في الاجتماعية الديمقراطية

نشر بتاريخ: 2018-01-23
 فلسطين-القدس-نقطة: كما وصل مركز الانطلاقة للدراسات من حركة فتح 

ملف حركي//حركة فتح في الاجتماعية الديمقراطية

الاجتماعية الديمقراطية أو الاشتراكية الديمقراطية 
حين سماع كلمة "إشتراكية" يخطر في بال الكثير من الناس مباشرة الاتحاد السوفيتي السابق و بلدان أوروبا الشرقية وخصوصا بعد فشل هذه التجربة الاشتراكية وتراجع الاحزاب التي كانت تدعو لها. لذلك نجد العديد من اصحاب الفكر الاشتراكي في الوطن العربي اصبحوا يفضلون استخدام كلمة الاجتماعية بدلا عن الاشتراكية حيث ان المصطلحين يشكلان معنى لكلمة واحدة،  المشتقة بالاصل من المصطلح اللاتيني "socialistae". 
قد يستغرب البعض ان عالم الاجتماع "فيرنر سومبارت"  قام في العام 1920 بجمع 260 تعريفا ً لكلمة "الاشتراكية اللاتينية" التي اصبحت مع الوقت مصطلح يستخدم لوصف الايدولوجية التي يتمسك بها الافراد الذين يتقاسمون نفس الاهداف والتطلعات والتوجهات السياسية. 
بالمفهوم العام والبسيط فإن الاشتراكية  (أوالاجتماعية) هي تصور لكي يعيش الناس متساوين بالحقوق السياسية، يشاركون بالقرارات التي تهمهم ولا يوجد فقير بينهم. والتاريخ اصبح في يومنا هذا حافلا بتجارب الانظمة الاشتراكية. بعض قادة هذه الانظمة اراد تغيير المجتمع بأكمله وجعله اشتراكياً، فمنهم من استخدم العنف لتطبيق ذلك، بينما تحدث آخرون عن الاقناع السلمي للشعوب بالاشتراكية. 
بينما "الديمقراطية" هي كلمة اغريقية قديمة مركبة تجمع بين كلمتين الاولى: "دموس δῆμος" والتي تعني دولة الشعب و كلمة "كراتوس κρατός" بمعنى الحكم او السلطة فتتكون كلمة "ديموكراتيا δημοκρατία" ونصل لمعنى حكم دولة الشعب. اذا فالديمقراطية هي نظام سياسي يسمح للمواطن بالمشاركة المتساوية إما مباشرة او من خلال ممثلين منتخبين من الشعب حيث تعتبر الانتخابات شكل من اشكال المشاركة السياسية في اتخاذ القرارات المختلفة التي تهم المواطن.
وابرز سمات الانظمة الديمقراطية  في ايامنا هذه تبدأ في اجراء الانتخابات الحرة، الالتزم بمبدأ الأغلبية و مبدأ التوافق، وكذلك حماية الأقليات وقبول المعارضة السياسية والفصل بين السلطات، الالتزام بالدستور وحماية الحقوق الأساسية للمواطن بالاضافة الى الاحترام المتواصل لحقوق الإنسان وحماية الحريات المدنية. ولما كانت السلطة تمارس الحكم منتخبة قبل عامة الناس، فإن حرية التعبير والصحافة ضرورية لصنع القرار السياسي وحماية النظام الديقراطي. وقد وضعت "الديمقراطية" رسميا ً كمبدأ دستوري في معظم البلدان الديمقراطية كسويسرة والمانيا والنمسا وغيرها.
 وهنالك اشكال متعددة للديقراطية ولكن اهمها الديمقراطية المباشرة حيث يشارك الشعب بشكل مباشر وليس من ممثلين له في التصويت على القضايا التي تتعلق بالدولة. النظام الديمقراطي المباشر الأكثر وضوحاً  في العالم موجود في سويسرا.
وهناك ايضا الديمقراطية التمثيلية التي يُسمح بها لممثلي الشعب بممارسة السلطة لفترة زمنية محددة. وبعد انتهاء هذه الفترة يجب تحديد موعداً لإنتخابات جديدة. يُمثل الشعب هنا ليس من الهيئات التشريعية كالبرلمان فقط بل ايضا من الهيئات التشريعية كالحكومة والادارات التي لا تنتخب من الشعب بشكل مباشر ولكن من خلال ممثليه المنتخبين منه مباشرة.
لا يمكن تثبيت الديمقراطية في المجتمع وهناك مواطن يشعر بالظلم وان حقوقه مسلوبة و ان السلطة المنتخبة من الاكثرية لا تستطيع تأمين معيشة كريمة له ولأبناءه من خلال تأمين التحصيل العلمي والتأمين الاجتماعي والطبي. من هنا نرى ان الديمقرطية لا يمكن ان تكتمل الا بالاشتراكية، كما ان الاشتركية لا تتحق الا من خلال الديمقراطية. 
إن مصطلح الاجتماعية الديمقراطية أو الاشتراكية الديمقراطية يجمع بين الاشتراكية والديمقراطية في وحدة مترابطة وتجعل منه هدفاً لمعظم الاحزاب الاشتراكية. بدأ هذا الهدف بالظهور والتطور منذ ثورة أكتوبر من عام 1917 في روسيا، للابتعاد عن الديكتاتورية. 
ان إنهيار "اشتراكية الدولة" لم يسقط فكرة الاشتراكية الديمقراطية بل على العكس فقد تم التاكيد وبشكل لافت على ضرورة التوجه نحو الاشتراكية الديمقراطية.
 فبعد سقوط نظام الحكم الاشتراكي في المانيا الشرقية ووحدتها مع المانيا الاتحادية مثلا، قام "حزب الوحدة الاشتراكي الالماني" وهو الحزب الذي كان يحكم في شرق البلاد قبل الوحدة بتطوير برامجه السياسية بشكل مستمر وتغيير اسمه الى حزب "الاشتراكية الديمقراطية" وذلك قبل تغييره مرة اخرى ليصبح حزب اليسار الذي يضع "الاشتراكية الديمقراطية" هدفا يطمح للوصول اليه. وهو ايضا ليس الحزب الوحيد في المانيا الموحدة الذي يضع هذا الهدف فهناك ايضا الحزب الاشتراكي الديمقراطي وغيره من الاحزاب والتجمعات السياسية الاخرى التي تطمح لتحقيق هذا الهدف.
فالإشتراكية الديمقراطية أو الاجتماعية الديمقراطية تعتبر الحل الوسط بين النظام الرأسمالي و النظام الاشتراكي. "الديمقراطيون الاشتراكيون" يهدفون بشكل عام ومبسط الى مساعدة الكادحين في الدولة التي يعيشون بها ولكن ذلك يتطلب ان تكون دولتهم غنية بما فيه الكفاية للقيام بذلك. هم يجدون الكثير من الأفكار الاشتراكية جيدة. لكنهم لا يكتفون بتسمية انفسهم " اشتراكيون" فقط، بل "اشتراكيون ديمقراطيون" كي لا يتم الخلط بينهم وبين "الاشتراكيين" وربطهم بالعنف وبالدكتاتورية. ويعتبرون حركتهم حركية اشتراكية تصحيحية تعتمد على الحرية والمساواة والعدالة والتضامن كقيم اساسية لها نفس القدر من الأهمية عندهم واهم وظائفهم المحافظة على كرامة المواطن من خلال حماية حقوق الانسان الاجتماعية والسياسية بما يكفل للمواطن حياة سعيدة في سلام وحرية. 
وبالنسبة "للاشتراكيين الديمقراطيين"، فإن الديمقراطية هي اساس لتتحقيق مبادئ المساواة والحرية على أفضل وجه. ولذلك فهم يدعون إلى أن يكون لجميع الناس الحق في المشاركة في القرارات التي تؤثر عليهم حيث يمكن للمواطنين أن يقرروا ليس في  القرارات السياسية وحسب بل في جميع مجالات الحياة اليومية والإنتاج والاقتصاد والمدارس ومجالات الحياة اليومية. 
تركز الاشتراكية الديمقراطية على العامل في المجال الاقتصادي. وتدعو من اجل الرفاهية للجميع وذلك من خلال التوزيع العادل للعمل والسلع والخدمات من اجل الحياة الكريمة للمواطن. 
فالاسواق الديناميكية القادرة على الابتكار تسهم ضمن إطار محدد ومنافسة عادلة إسهاما كبيرا في تعزيز الرخاء وارفاهية للمواطن من خلال إجبارها على تقديم الخدمات والسلع بكفاءة وبتكلفة زهيدة لصالح المستهلك، حيث ان القوى المسيطرة على السوق لا تضمن لوحدها التوزيع العادل بل تُركز على رأس المال والاحتكار الذي هو بطبيعة الحال موجه ضد الإنسان والبيئة.
يُشكل العمل ركيزة مهمة واساسية في الحياة البشرية ويقوي الاعتزاز بالنفس واحترام الذات لدى الانسان، فإنه يؤمن الأساس الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الراقي. لذلك وحسب "الاشتراكيون الديمقراطيون"  فأنه يجب توزيع العمل توزيعا ً عادلاً ويدعون الى حق الحصول على العمل فهو حق للجميع، ويعملون من اجل تأمين وإيجاد فرص عمل جديدة، وان يتقاضى العامل اجره المستحق الذي يؤمن له الحياة الكريمة ولا يتم استغلاله من اصحاب العمل الاغنياء لزيادة ثرواتهم. لذلك يجب ان تتاح الفرص لجميع المواطنين من اجل الحصول على أفضل تعليم وتدريب ووظائف جيدة وتأمين حياة كريمة للعامل في سن الشيخوخة.
على الصعيد السياسي فان "الاشتراكيون الديمقراطيون" يؤيدون السياسة التكاملية التي تضمن التضامن الاجتماعي وترفض التمييز ضد الأفراد او الاقليات التي لها الحق في الاندماج الكامل في المجتمع مع حفاظها على هويتها ولغتها وثقافتها، كذلك حقها في وطنها بالتساوي مع باقي فئات المجتمع المكونة للوطن. كما انهم يؤمنون بالتعددية الحزبية التي لا غنى عنها في المجتمع الديمقراطي من اجل الشراكة في القرارات وتحقيق الاهداف للوصول لمستقبل تعززه المساواة والعدالة الاجتماعية والرفاه. 
تعتبر المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في جميع مراحل ومجالات الحياة  لدى اصحاب الفكر الاشتركي الديمقراطي أساساً لتحقيق العدالة الاجتماعية. فالمجتمع العادل  يجب أن يتشكل من خلال الاستفادة من الإمكانيات والابدعات الخلاقة لدى النساء والرجال، ومن خلال المشاركة في العملية الديمقراطية لجميع المواطنين والشراكة والتعايش على قدم المساواة بين الجنسين.
العائلة والاطفال اهمية خاصة لدى الاشتراكيين الديمقراطيين مهم يحرصون على ان ينمو الأطفال في مجتمع عادل لذلك يدعون دائما لحماية المرأة والاطفال وتأمين الرعاية للاطفال في سنة الحضانة وتأمين مرص التعليم في المدارس والجامعات او المعاهد المهنية لاحقا. كذلك يعتبرون ان الحصول على سكن يحميه وبأسعار معقولة حق اساسي لكل مواطن في المجتمع العادل. ومن حق كل مواطن ان يتحرك بأمان وعلى الدولة ضمان سلامة جميع الناس.
بإختصار يكافح "الاشتراكيون الديمقراطيون" من أجل مجتمع يعيش فيه الناس متضامنين في سلام في مجتمعات ديمقراطية تقدر المسؤولية الإجتماعية فمثل هذه المجتمعات هي الأكثر نجاحا إقتصادياً حيث يكون الناس أكثر سعادة وثقة بالمستقبل. كما ان العدالة، التي هي الاساس لتكريس التضامن و التطور الازدهار، تجعل البلدان أكثر ثراء. 

المقاومة بالعنف السلمي في فكر حركة فتح 
 حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح هي يسار اليميين ويمين اليسار المعادلة الأصعب في الممارسة الثورية ضمن ضعف العلاقة مع الحلفاء والتغيير المستمر لوسائل تحقيق الأهداف المرحلية وكذلك النصر النهائي. هذه الوضعية الفكرية لها أبعاد فلسفية عميقة بشرح البعد الإنساني للنظرية الثورية لحركة فتح والمرتكزات الفكرية التي بلورت فكرها ورسمت متجهاتها السياسية وتحالفاتها الإقليمية ضمن دراسة معمقة للفكر السياسي المعاصر في أوروبا أولا ثم المنطقة العربية ثانيا.
ففي العصر الحديث ظهر في أوروبا "فكر السوق الحر" الذي تبنّى الحرية الشخصية والملكية الخاصة كإطار توافقي بين الإقطاعيين والأعيان وكبار قادة الجيش لتشكيل تحالف داخلي يضمن استمرار اللحمة المجتمعية دون تضارب المصالح، وهذه الأفكار التي تبلورت في بريطانيا مهدت الطريق لتبني فكرة تشكيل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية وكذلك الانتخابات الديموقراطية.
  
 
أما المنطلقات الحقيقية لفكر السوق الحر فهي تعتمد على القطبية القوية وتحارب التعددية الشعبية، فهناك مثلا سلطتان لكل شيء في السياسة والإعلام والدين والجيش وأيضا بالجامعات الأكاديمية، هذه القطيية أفرزت اليسار واليمين في السياسة العلمية ونقلتها من حيز طرق التفكير إلى أسس التحالف المصلحي، وأصبح الانتقال من تكتل يساري إلى آخر يميني يسمى عملانية (براغماتية) المنفعة، فلم يعد الرأي السياسي ذو مثالية الإيمان بالحقيقة والثبات على الحق والسعي للدفاع عنهما، بل هي المصلحة العامة والمنفعة الخاصة، وهذا التحول خلق أزمة أخلاقية جعلت كل شيء قابل للتفاوض ولا يوجد مبدأ مقدس بل أن كل قرار يأخذه الانسان يعتمد على الظروف المحيطة باتخاذ القرار لذا فكل شيء متحرك وقابل للتعديل. 
ومن زاوية أخرى ظهرت أفكار الندرة الاقتصادية تأثرا بنظرية انقراض بعض الحيوانات والنباتات، مما خلق خوفا حقيقيا لدى الاقتصاديين الذين يسعون إلى دفع الاقتصاد نحو التوسع والنمو مما يعني أن محدودية الموارد ستؤدي إلى انقراضها، لذا لابد من إيجاد موارد جديدة بشكل مستمر لكن من خارج الدائرة الاقتصادية الطبيعية وكذلك تنظيف الدائرة الاقتصادية الطبيعية من كل أنواع الآفات للحفاظ على حيويتها. هذه الأفكار الوردية لها أسماء خشنة وملطخة بالدماء فهي الإمبريالية الاستعمارية التوسعية في سلب خيرات الشعوب الفقيرة من أجل رفاهية المجتمعات الغنية من وجهة نظر أعداء فكر السوق الحر.
على الرغم أن الإيرلنديين هم أول ضحايا هذه النظرية فهم أول من تعرض لظلم سياسي واضطهاد ديني واستبداد عسكري؛ إلا أن كارل ماركس يعد المؤسس الحقيقي لفكرة رفض النظام السياسي القائم على فكر السوق الحر، فقد طرح بديلا لذلك مفهوم الثورة الطبقية، فالغالبية العظمى من المجتمع هم من الفقراء لكن هناك قلة قليلة ذات نفوذ اقتصادي تسيطر على القرار السياسي للمجتمع، وهذا يعني أن الرفاهية لا تخص مجتمع الدول الغنية بل هي للطبقة الغنية في أي بلد من بلدان العالم بغض النظر عن التطور الاقتصادي للمجتمع بشكل عام. وبالتأكيد لم يتمكن ماركس من طرح فكرة عملية لتصويب مسار المجتمع سوى طرح فكرة الثورة المسلحة وسحب السلطة باستخدام قوة السلاح ضد الطبقة المتنفذة ضمن مفاهيم  استبداد الكادحين"ديكتاورية البوليتاريا" التي تسعى إلى إلغاء الملكية الفردية وتحويل كل الملكيات للمشاركة الجمعية ووضع القوانين الصارمة ضد نظرية الندرة الاقتصادية ضمن مفاهيم المواطن العالمي في الحياة الشيوعية في ظل الحكومة الاشتراكية الأممية.
إلا أن هذا الصراع الفكري خرج من الدائرة الاقتصادية الطبيعية في الدول الأوروبية لينتقل إلى باقي دول العالم، فأصبح كل مجتمع منقسم على نفسه وله ارتباط بالمركز الإمبريالي للسوق الحر اليميني أو قيادة الثورة الإشتراكية اليسارية، وأصبحت هذه الدوائر تعيق استقلال القرار السياسي وتعمل على صناعة التبعية الاقتصادية والوصاية السياسية للدول الصغرى؛ مما ساهم في تأخر تطورها وصعوبة لحاقها باقتصاديات الدول الغنية. 
إلا أن الحياة السياسية في أوروبا رفضت استمرار القطبية السياسية بين الأحزاب السياسية التي تؤمن بفكر السوق الحر وكذلك قطبية حماية المجتمع في منافسة مستعرة بين الرأسماليين والشيوعيين.
 فالقطبية هي عبارة عن تجاذب داخلي خلق أمراض الانغلاق الفكري وسحب هوامش حرية الاختلاف ومن جانب آخر وصلت حدة التنافر بين أقطاب المجتمع لحدود العداء والاستعداد للاقتتال الداخلي، عندما وصلت المجتمعات الأوروبية لهذه الحدود ظهر عقلاء الوسطية الفكرية التي تؤمن بتكاملية العلاقة بين مكونات المجتمع وأن لكل دولة هوية قومية ترتكز على الحفاظ على التوازن بين الاحتياجات الأساسية للطبقات الكادحة وأهمية التنمية المستمرة لرأس المال؛ وبدأت هذه الأفكار بتشكيل مفاهيم القيم المجتمعية وتأسيس علم الفلكلور وبعد ذلك تحديد مكونات الشخصية الوطنية بفروعها الأربعة: الأسطورة القومية، القائد الملهم، الفلاح الشعبي، والبرجوازي الوطني في تراكيب علم الاجتماع الحديث المستند إلى أسس الرأسمال المجتمعي. 
هذه الوسطية العقلانية صنعت إنجازا تاريخيا مهما وهو أن المجتمعات الأوروبية بدأت تسأل نفسها ما هي القومية وما الفرق بين الوطنية والقومية وبشكل أصعب تحديد الفروقات الطبقية للهوية المجتمعية في حدود الجغرافيا السياسية لدولة الحديثة، إن الدعوة للحفاظ على الهوية القومية جاء كردة فعل طبيعية ضد الأفكار العابرة للحدود من قبل قطبي المجتمع حيث تدعو الشيوعية الأممية إلى النضال الطبقي ومن جهة أخرى تدعو الرأسمالية إلى عالمية السوق الحر، مما جعل تشكل الحركة الديموقراطية الاجتماعية وكذلك الاشتراكية الديموقراطية في انسلاخ فطري وطبيعي لقطبي الحياة السياسية، وهي البداية الحقيقية لتدوال الأفكار دون هالة القداسة التي فرضها منظرو الاشتراكية والرأسمالية على حد سواء، فالمجتمع لم ير أن الرأسمالية تشكل خطرا على تطوره الاجتماعي، كما أن إطروحات الرأسماليين لإزالة عقدة الخوف المجتمعي بأننا سوف نتعرض للانقراض وفقا لنظرية الندرة، غير مقنعة للغالبية الفقيرة التي ترى الخبز ولا تملك المال لتشتريه، إنها ظاهرة الرأسمالي الاشتراكي في ظل الاقتصاد المختلط.
كانت أولى مطالب الديموقراطية الاجتماعية 1-رفض إزالة الحدود السياسية للعمل السياسي ضمن تبلور فكرة لكل وطن استقلال سياسي يضمن له حق تحديد شكل المواطنة داخله وشبكة العلاقة بين المواطن في وطنه ومصالحه في أوطان الآخرين، 2-على أن تبقى السلطة السياسية لكل وطن مستقلة سياسيا؛ وهي البذور الأولى لمفهوم عدم التدخل بشؤون الداخلية للدول الأخرى وهي فكرة طرحتها الحركة الألمانية الديموقراطية الاجتماعية في عام ١٨٧٩. 
وفي نفس الفترة أيضا ظهرت جذور 3-العنصرية الوطنية في تصعيد عنيف للحفاظ على الهوية القومية مما ساهم في إعادة تشكل المجتمع المتعدد الثقافات ضمن قبول حق الأقليات بالتمايز عن الأكثرية الحاكمة في المجتمع ضمن حملات الرأسمالية لحماية مصالحها خارج حدودها السياسية.  
ففي تفسيرات الشيوعيين فإن ثورة قادمة وستكون عمالية فلاحية، إلا أن الدعوات لتحقيق ذلك كانت أشبة بالهزل الكاذب، كما أن استخفاف الرأسماليين بمطالب الفقراء المعدمين خارج حدود السياسة الأوروبية الجغرافية، وهي التي شرحت إمكانية التغيير الهادئ للقرارات السياسية للطبقة المتنفذة في المجتمع، عن طريق تحريك الأفكار السياسية لتتناسب مع المتغيرات المجتمعية أكثر من تبنيها لفكر سياسي بشكل صارم وهذا الأفكار أسست لمفاهيم عملية اختصرها "غوته"  ب"العلمانية العملية"  التي ترفض مفهوم قلب نظام الحكم بشكل دموي لأنه سيسبب إلى فقدان رأس المال لدوره في التنمية المجتمعية بالمقابل لن يوفر الظروف الملائمة لانتصار الثورة، مما رفع من أهمية التنظير السياسي وبداية ظهور الإعلام الحزبي، هذا كله شكل اسس الحرية من مفهوم الديموقراطية الاجتماعية.
إن طرح فكرة تغيير الواقع الفاسد بطرق سلمية لا يعني أنها ليست عنيفة وفق مبادئ الاشتراكية الديموقراطية التي ابتدعت المظاهرات السياسية المعارضة لقرار الحكومات، وتلى ذلك ما قامت به الديموقراطية الاجتماعية من استحداث علم المناظرات السياسية، في رفض كلي لمفهوم قداسة القرار السياسي للحكومة مما جعله يحقق انتصارا مجتمعيا حقيقيا في تطور الفكر العلماني الذي رفض الصبغة الدينية القرار السياسي في البداية وبعد نضال الأحزاب الوسطية تم إزالة البدلة العسكرية للقرارات السياسية وسن قوانين تمنع الجيش من التدخل بالحياة السياسية الداخلية.
لذا كانت نظرة الرعيل المؤسس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح واضحة في فهم المتجهات السياسية الإقليمية والدولية وجاءت متناغمة مع روح العصر الذي وصل إلى قناعة تيتو ونهرو وعبد الناصر  بضرورة ظهور وسطية سياسية عالمية تحت مسمى دول عدم الانحياز للمصفوفة الغربية أو الكتلة الشرقية؛ إلا حركة فتح ذهبت بالوسطية السياسية إلى أبعاد الديموقراطية الاجتماعية المعاصرة عندما رفضت شعار الوحدة العربية طريق التحرير مرتكزة على الأصول المؤسسة لوطنية القضية الفلسطينية دون إلغاء عمقها القومي وعدالتها الإنسانية، فجاءت فكرة جديدة ترفض فكرة انخراط الشباب الفلسطيني في الحياة السياسية الداخلية للدول العربية، كما أنها ترفض فكرة الثورة على الذات والانقلابات العسكرية، مما أعطى لحركة فتح امتدادا عربيا واسعا من خلال انخرا ط الشباب العربي في صفوف حركة فتح وكذلك تلقت حركة فتح دعما ماليا وإعلاميا من الشعوب العربية فيما عرف لاحقا باسم الجبهة العربية المساندة للثورة الفلسطينية.
إلا أن العديد من الحكومات العربية والأحزاب العربية سعت لاحتواء حركة فتح ضمن خط سياسي عربي واحد ضد باقي الأحزاب السياسية، مما دفع قيادة حركة فتح لإصدار مبدأها الصاعق في انحياز حركة فتح لكل من يعمل من أجل فلسطين دون أن يكون هناك خط سياسي وحيد صحيح ولا يمكن أن تقبل الحركة تصنيفات البعض العربي بنعت البعض الآخر بالعميل للصهيونية واعتباره جزءا من حلفاء الكيان الصهيوني في حوارات عنيفة مع النخب السياسية العربية خرجت قيادة حركة فتح بمبدأ القرار الفلسطيني المستقل دعما لفكرة فلسطين قضية العرب المركزية والثورة الفلسطينية رأس الحربة في معركة التحرير التي لن نصل إليها إلا بتضافر المجهود العسكري لكل الجيوش العربية وبدعم من كل الشعوب العربية ضمن فكرة فلسطين وطن لكل العرب وتحريرها واجب وطني قومي ديني وأممي أيضا، هي الوحدة المستحيلة في القاموس السياسي العربي لكنها مع حركة فتح وصلت لمرحلة الحقيقة العملية في مطلع السبعينات من القرن الماضي.
أما الوحدة الوطنية الفلسطينية التي طرحتها حركة فتح في بداية الستينيات من القرن المنصرم؛ لم تكن بالضرورة انتصار لفكرة الوسطية داخل أطر حركة فتح بقدر ما شكلت انتصار للجانب العملي في الثورة على التنظير السياسي الذي كان يسعى لتوسيع القاعدة الشعبية لفكرة فتح بضرورة التركيز على العمل العربي المشترك وجعل الأحزاب العربية أن تقبل أن تحرير فلسطين هو طريق الوحدة العربية لا العكس، إلا القطاع العملي في الأطر الحركية رأى أن العمل الفدائي المسلح سوف يحرك المساحة الجامدة التي تفصل بين الأحزاب العربية مما يجعلها تتقارب ضمن مفهوم كل البنادق موجهة ضد الجيش الصهيوني وأن المعركة ضد الصهيونية هو ما يوحد النضال العربي بكل أطيافه السياسية.
ففي ظل التنافس على من يحكم طرحت حركة فتح العمل المشترك ودفعت القوى الفلسطينية لضرورة الدفاع عن قرار الإجماع الفلسطيني في فهم أوسع لديموقراطية صناعة القرار، فعلى الرغم أن حركة فتح كانت ومازالت تحظى بأكثرية عدد الأصوات بالمؤسسات الفلسطينية التشريعية إلا أنها تبحث دائما عن قواسم الإجماع الوطني لجعل مسألة القرار الفلسطيني المستقل ذا وزن حقيقي للقيادة الفلسطينية التي استحقت عن جدارة مهمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بل أن القرار الفلسطيني يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يكون القرار السياسي بحاجة لدعم عربي ودولي فبعد تحصين الجبهة الداخلية يبدأ الهجوم الفلسطيني لإصدار قرارات عربية ودولية داعمة للقرار الفلسطيني وأجمل ما فعله الشهيد أبو يوسف النجار  هو تكليف قيادات غير فتحاوية بالدفاع عن قرار الثورة؛ كما أن الشهيد كمال عدوان أبدع فكرة الثورة الفلسطينية من خلال تبني كل المستقلين في جريدة الثورة، في بداية مرحلة الوحدة الوطنية العملية من خلال تحويل منظمة التحرير الفلسطينية إلى بيت لكل فلسطيني ومؤسسات الثورة الفلسطينية هي لكل الشعب الفلسطيني وأنصار الثورة الفلسطينية، خصوصا بعد دخول التيار اليساري الماوي  في صفوف حركة فتح وتبني فكرة حرب الشعب طويلة الأمد.  
كان هذا التحول الصعب أحد أهم مبررات القائد القومي الراحل جمال عبد الناصر بضرورة فتح علاقات رسمية بين قيادة الاتحاد السوفيتي والرئيس الشهيد ياسر عرفات أبو عمار، إلا أن عرفات أصدر قرار بتشكيل معسكر الشيوخ وكلف الشيخ عبد الله عزام  بوضع القوانين الداخلية له، وقبل الدعم العسكري السعودي للثورة الفلسطينية بعد معركة الكرامة، وهذه المناورات العرفاتية اكسبته صفة الرقم الصعب في بداية أزمة مبادرة روجرز في صيف ١٩٧٠ وهي الدافع الحقيقي في استقبال القيادة السوفياتية لأبوعمار ومن جهة أخرى تعد هي أيضا السبب الحقيقي في أحداث أيلول بين الجيش الأردني وقوات الفصائل الفلسطينية. 
إلا أن الدارسين لتلك المرحلة يجمعوا على أن أحداثها المفصلية صعنت القرار الفلسطيني المستقل غير الخاضع لوصاية أي من دول العربية دون أن يكون ذلك عداء لأي منها وأكثر من ذلك أن القيادة الفلسطينية هي ما يمثل الشعب الفلسطيني ولا يمكن أن يقرر أحدا نيابة عن الفلسطينيين ففشل روجرز وكسنجر وفورد وكل من حاول أن يلغى دور القيادة الفلسطينية في أي قرار السياسي يخص فلسطين.
هذا العنف السلمي الذي صوب المعادلة الأقليمية في الشرق الأوسط مما نقل الثقل الحقيقي للصراع العربي الإسرائيلي من كونه صراع حدود وقضية لاجئين إلى قضية وجود شعب فلسطين يطالب بحق تقرير المصير والسيادة على أرضه ضمن مفهوم الدولة الفلسطينية الديموقراطية، مجرد قبول هذه الفكرة في قمة الرباط للقيادة العربية دفع الكل العربي إلى أن يتعامل مع فلسطين باستقلال تمام عن الدول الحاضنة للنضال القومي ضد الصهيونية مما أفرز قبولا إجباريا للسيادة الفلسطينية على القرار الفلسطيني على الصعيد العربي القومي وهو الذي أهل منظمة التحرير الفلسطينية لتنال العضوية المراقبة في هيئة الأمم المتحدة ويتم سماع الصوت الفلسطيني على أهم منبر دولي.
 وذلك عندما خطب ياسر عرفات خطبته الشهيرة المعنونة "لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي"؛ في إعلان واضح وهام أن الفدائي الفلسطيني يخوض غمار حرب تحرير وطنه وهو يقبل أن يتفاوض على الشكل النهائي لوطنه: ما يعني الوصول لفكرة الديمقراطية الاجتماعية 
بالتأكيد أن التكاملية التي فعلت فعلها بالقضية الفلسطينية تستند إلى إيمان القيادة الفلسطينية بالوسطية السياسية، فقد رفضت المبدأ الشيوعي القائل بضرورة 1-الاعتماد على الطاقات الفلسطينية للحفاظ على استقلالية القرار السياسي كما أنها 2-رفضت أن يكون هناك جهة سياسية دولية أو إقليمية تلعب دور الراعي للثورة ولها حق الوصاية للنضال الفلسطيني، بالمقابل 3-لعبت القيادة الفلسطينية على محاور الحلفاء وتلقت الدعم المالي والسياسي والإعلامي والمعنوي من جهات متعددة دون أن تفقد استقلال قرارها سياسي.
كما أن إهمال الحكومات العربية للمخيمات الفلسطينية جعلها تنتقل من مناطق فقيرة إلى مناطق منبوذة في مجتمعات عربية غير قادرة على إدارة ذاتها؛ فجاءت حركة فتح  فعملت على تأسيس الميليشيا الشعبية والفرق الكشفية وقوات الزهرات والأشبال في تحويل الغضب الشعبي الفلسطيني إلى قوة رفض الواقع وتجيير هذا الغضب لخدمة هدف الثورة في تحرير فلسطين من العدو الصهيوني، إلا أن هذه الأفكار أخذت تتلون بفكر الديموقراطية الاجتماعية من خلال طرح فكرة العمل في مؤسسات الثورة التي بدأت بالخدمات الطبية والإعلام ثم مشاغل صامد وغيرها من المؤسسات التي نقلت الثورة الفلسطينية من مجرد قوات مقاتلة إلى فكرة حكومة في المنفى مستخدمة العنف السلمي القاسي نسبيا على كل الدول العربية.
أما معضلة المواطن المنبوذ من وطنه فلقد رفضتها حركة فتح منذ أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، فلا يمكن أن تسمح الثورة الفلسطينية بالاضرار في مصالح فلسطينيين يحملون جنسيات الدول العربية ولا حتى الجنسية الإسرائيلية، وهذا كله جاء بعد دراسة أسباب فشل الثورات الكردية المتتالية وكذلك دراسة تاريخ الصهيونية ومسؤوليتها عن اضطهاد اليهود في شرق أوروبا و"الهولوكوست" بسبب استخدامها العنيف لمفهوم الولاء للحركة الصهيونية لا لمواطنة الدول التي يعيش فيها اليهودي.
 فجاءت تجربة حركة فتح  في تجميد الخلافات الثانوية والتفرغ لتحقيق هدف الثورة وتأجيل باقي الخلافات إلى ما بعد انتصار الثورة، وهذا جعل انتشار الفكر الثوري في صفوف الفلسطينيين مرتفع لأنه لا يلزم أحد بضرورة التفرغ التام بالثورة، فقد يكون الثائر موظف صباحا ويخصص ساعتين يوميا للنضال من أجل فلسطين، كما أن النضال الفلسطيني يقبل النضال المركّب ضمن خدمة الثورة الفلسطينية وخدمة إحدى الحكومات العربية في نفس الوقت؛ هذه القضايا التي قد تبدو عادية طبيعية بالوقت الحالي: كانت تعتبر من الجرائم السياسية التي تصل لدرجة العمالة وخيانة الثورة في التنظيمات اليسارية الشيوعية.
فحركة فتح رفضت فكرة المواطن المنبوذ وخرجت بتعريف جديد أن المناضل الفلسطيني 1-هو كل من يناضل من أجل إحقاق الحق الفلسطيني ويعمل على تحقيق النصر للثورة الفلسطينية بغض النظر عن أصله أو دينه أو فكره السياسي، وأكثر من ذلك تعتبر حركة فتح 2-أول من قبل فكرة التطوع في العمل الثوري لفترات متقطعة أو لساعات محدودة، ضمن تبني الحركة لمفهوم الحرب الشعبية طويلة الأمد و3-أن الثورة الفلسطينية مشوارها طويل وبحاجة لمجهودات كل الطاقات الفلسطينية وبالتأكيد ضمن فهم أن المناضل الفلسطيني هو كل من يعمل من أجل انتصار الثورة الفلسطينية بغض النظر عن أصله أو دينه أو فكره السياسي.
هذه الأسس الحقيقية التي مهدت الطريق لقبول فكرة الثورة السلمية اللا عنفية في فلسطين والتي عرفت فلسفيا باسم الانتفاضة؛ بالتأكيد أننا نتحدث عن انتفاضة عام ١٩٨٧ التي أذهلت العالم بقدرتها على الاستمرارية ضمن فهم ممنهج ومبرمج للنضال السلمي اللا عنفي، على الرغم أن الجيش الإسرائيلي تمادى في عقاب كل فعل عنفي ضد الاحتلال بل أن مجرد الهتاف بالمظاهرات كان يعد عنفا يعاقب عليه القانون ضمن باقة قوانين الأحكام العسكرية العرفية الإسرائيلية وأكثر من هذا تم فرض الإقامة الجبرية على كل سكان الضفة الغربية في صيف ١٩٨٨ حين أعلن الجيش للإسرائيلي أن الخروج من محافظة إلى أخرى في الضفة الغربية بحاجة لتصريح من الحاكم العسكري؛ وفي تصعيد العنف القوانين العسكرية خرجت قرية بيت ساحور بفكرة العصيان المدني الشامل في رعب العنف السلمي السلبي الرافض للتعامل مع الاحتلال دون أن يقدر على دحر الاحتلال وهو أقسى أنواع التحدي السلمي؛ أما النضال السلمي الإيجابي فهو يشمل على المظاهرات والاعتصامات والأساليب الفنية والفكرية لرفض سلطة الاحتلال وأدواتها العسكرية والاقتصادية والقضائية، فقد تصاعدت في بداية القرن الحالي ليشمل البعد الدولي للقضية الفلسطينية، فأصبحت فكرة نشطاء السلام الدوليين والحملات الدولية المناصرة للشعب الفلسطيني وصولا لفكرة الجدار البشري العازل التي استخدمها النشطاء الغربيون للفصل بين قوات الاحتلال وأبناء الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة.
 

إن إعادة طرح القضية الفلسطينية على أنها جزء من النضال الانساني الدولي وضع السؤال الأصعب للقضية الفلسطينية: 
هل المطلوب دفع الظلم عن الشعب الفلسطيني؟ 
أم هل المطلوب دعم القيادة الفلسطينية لتحقيق الأهداف السياسية للشعب الفلسطيني؟ 
في عودة للوراء لفكرة السؤال التقليدي للأحزاب الأممية التي تتبنى فكرة الثورة الدائمة المطالبة برفض شرعية أي حكومة بالعالم مادامت لا تخضع لحكم استبداد الطبقة الكادحة "ديكتارورية البوليتاريا" والقوى المناصرة للعمال والفلاحين، وهو نفسه الرفض الذي تتبناه الأحزاب الدينية بضرورة وصاية المرجعيات الدينية للقرار السياسي ورفض القرار الحكومي الكافر، هذه المناهج السياسية قامت بتضخيم الفساد الإداري والمالي في السلطة الفلسطينية وقدرتها على العدالة الاجتماعية يين الشعب الفلسطيني، بل أن بعض القوى اليسارية المتطرفة اعتبرت السلطة الوطنية الفلسطينية جزءا من الاحتلال الإسرائيلي المطلوب مقاومته كما يطرح علي أبو نعمة وعمر البرغرثي وسماح السبعاوي والعديد من كتاب موقع إلكترونيك انتفاضة في المهجر الأمريكي والكندي والأسترالي. إلا أن هذه الاتجاهات لا تعمل على الفعل الثوري الحقيقي في المناطق الفلسطينية المحتلة ولا تدعم إلا المؤسسات الأهلية الصغيرة لأنها ترفض التعامل مع أي حزب سياسي فلسطيني.
من جانب آخر ظهرت السياسات العمالية الحديثة في فكرها المتطور في دعم القيادة الفلسطينية وتبني فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية (وهجوم )السلام الفلسطيني ودخول فلسطين في عضوية المنظمات الدولية، هذا الدعم من الأحزاب العمالية الغربية قادم من صراع فكري عنيف داخلها،  
وفي كل التصنيفات الفكرية الحديثة يتم وضع حركة فتح ضمن فكر الأحزاب العمالية الغربية التي تتبنى منهج الديموقراطية الاجتماعية في تاريخها النضالي وبطريقة إدارتها للسلطة الفلسطينية، وهي منهجية قريبة جدا من الواقعية السياسية التي تفرض نفسها في العالم ضد جبروت الفكر الحرياتي "الليبرالي" الداعي إلى تحالف الأقوياء بأي ثمن للحفاظ على قوتهم، هي دعوة قديمة حديثة لسحق الفقراء من أجل الحفاظ على رفاهية مجتمعات الصفوة. 
لهذا أصبحت حركة فتح تطرح فكرا مقبولا في المجتمعات الغربية مما ساعد على زيادة متصاعدة باستمرار لدعم القيادة الفلسطينية في صفوف النخب الحزبية والإعلامية والأكاديمية بالمجتمعات الغربية، ولا تجد الأحزاب الليبرالية والجمهوريين المحافظين مبررات لرفض التعامل مع القيادة الفلسطينية والاعتراف بالدولة الفلسطينية سوى نعتها بأنها تدعم الإرهابيين حين تتبنى فكرة الدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين قي سجون الاحتلال الإسرائيلي وتخصيص دعم مالي لذويهم، وكذلك عندما تتعاون القيادة الفلسطينية مع منظمات إرهابية مثل حركة حماس وجهاد الإسلامي وحتى حزب الله.

إن الفكر الحرياتي "الليبرالي"  يقف عاجزا أمام واقعية الديموقراطية الاجتماعية في منطلقاتها الفكرية ومتجهاتها السياسية، وما يدعم استمرار الحرياتية "الليبرالية" في الدول الغربية هو ارتباطها بالرأسمال المسيطر على الاقتصاد والإعلام.
 والغريب أن المواطن الغربي العادي يتفهم أن الأحزاب العمالية تطرح أفكارا مفيدة بالمنظور البعيد المدى، إلا أن أنياب الليبرالية قادرة على عقاب أي مجتمع يحاول تحجيم قوة الرأسماليين في صناعة السياسات الغربية وهو تهديد حقيقي وظهر جليا بالأزمة الاقتصادية في للولايات المتحدة ثم بعض البلدان الغربية.
 ومن هنا يكون تقبل الفكر الحرياتي "الليبرالي" غير منطقي لكنه يدخل ضمن الإرهاب الفكري الذي تعيشه المجتمعات الغربية؛ ومن هنا يكون التدرج الفكري لحركة فتح في التعامل مع المتغيرات السياسية بالدول الغربية  في فن تسويق العنف السلمي لفكر حركة فتح الذي تطور ليتماشى مع المدارس الفكرية المعاصرة في أطروحات سياسية شجاعة جعلها غير قابلة للرفض بل أن المبررات والحجج في رفضها يأتي من باب الخوف على مستقبل وحدة أهداف الرأسماليين في العالم.


 

تفاعل الثورة الفلسطينيَّة مع التيارات الاجتماعية الديمقراطية 
مقدمة:
ان تعبير الاشتراكيَّة (أو الاجتماعية)  الديمقراطيَّة من حيث الأصل، وصفٌ تستخدمه الحركات الاجتماعية الديمقراطية والمنظمات المختلفة التي تعبر عنها، للتأكيدِ على الطَّابع الدِّيمقراطي لميولها السِّياسيَّة؛ وعلى هذه القاعدة فهي تدعو إلى إقامة ديمقراطية اقتصادية لا مركزيَّة، وهي من هذه الزَّاوية؛ تختلف فيما تقدمه من مفاهيم نظرية ومن رؤىً تتعلَّق بتطبيق النموذج الاشتراكي في الاقتصاد وبدور السلطة المركزية في ذلك عمَّا تطرحه الماركسيَّة اللينينيَّة، أو ما يُطْلَقُ عليه الاشتراكيَّة العلميَّة - الشيوعيَّة – والتي كانت تعتقد أنَّ الانتقال من مرحلة الرأسماليَّة إلى مرحلة الاشتراكيَّة لا بد إلَّا أنْ يمر عبر الثورة الطَّبقيَّة وبوسيلة ديكتاتوريَّة البلوريتاريا – الطبقة العاملة. 
وقد حصل الافتراق بين نموذج الاشتراكية الديمقراطيَّة – الليبرالية – إنْ صح التعبير، وبين نموذج الاشتراكية الثورية بعد سيطرة الحزب الشيوعي الرُّوسي على السلطة في أكتوبر عام 1917، وإصراره فيما بعد على التمسك بالماركسيَّة اللينينيَّة، وصولاً إلى العهد الستاليني وضم جورجيا إلى روسيا ذلك الضم الذي اعترضت عليه مختلف أحزاب الديمقراطية الاشتراكية في غرب وشمال أوروبا.
 بالعودة إلى الاجتماعية الديمقراطية التي تركزت في دول غرب وشمال أوروبا والمتمايزة عن الاشتراكية العلمية/ الثورية أو الماركسيَّة اللينينيَّة التي تركز وجودها في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي، فقد نادت تلك التيارات الديمقراطية الاشتراكيَّة (الاجتماعية الديمقراطية) بتأكيد الطَّابع الدِّيمقراطي المتدرِّج كسبيلٍ لتطبيق النموذج العادل في الاقتصاد وممارسة السلطة بعيداً عن الأسلوب الثوري أو الانقلابي في سبيل الوصول إلى السلطة كطريقٍ لتطبيق ما تؤمن به من أفكارٍ ونماذج اقتصادية .
الاشتراكية الدولية منذ 1951
 واتَّخذت العديد من الأنظمة السياسية والدول في غرب وشمال أوروبا – إضافة إلى الهند وبعض بلدان الشرق الأوسط وإفريقيا - هذا النَّمط من الاجتماعية (الاشتراكية) أساساً لمنظوماتها الاقتصادية والاجتماعيَّة؛  وأدَّى ذلك فيما بعد إلى بروز ما عُرِفَ بمنظومة " الاشتراكيَّة الدَّوليَّة " عام 1951 التي انضمت إليها تباعاً وعبر العقود الماضية كل الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والعماليَّة في عموم أوروبا وعبر العالم. والتي سيكون لمنظمة التحريرالفلسطينية معها علاقات وطيدة بعد عام 1974 عموماً، وذلك بعد الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
 والتي سيكون أيضاً لحركة فتح معها، وعلى وجه التحديد، علاقات مميزة منذ مطلع الثمانينيَّات؛ حيث شكَّل إعلان حركة فتح منذ عام 1968 تبنيها لخيار الدولة الفلسطينية الديمقراطية التي يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود على قدم المساواة أساساً موضوعياً لنشوء تلك العلاقة المميزة مع مجموعة الاشتراكية الدولية وخاصة الأوروبية منها، وقد حصلت فتح فيما بعد وبعد عقد الثمانينيات على عضو مراقب، وصولاً إلى حصولها على العضوية الكاملة في الاشتراكيَّة الدولية عام 2011. 
تنادي الأحزاب والحركات – المنضوية في إطار الاشتراكية الديمقراطيَّة الدولية اليوم – بقيم الحرية والعدالة والانفتاح وبتطبيقِ أنماطٍ ديمقراطيَّة واقتصادية اجتماعية (اشتراكية) أكثر عدالة دون أنْ يكون لتلك التطبيقات قاعدة ذات طابع آيديولوجي بالضرورة كما حصل في الاتحاد السوفييتي – السابق – ومنظومة الدول الاشتراكية في أوروبا الشَّرقيَّة التي انضوت في إطار حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفييتي والتي اتخذت من الماركسية اللينينيَّة عقيدةً وبرنامج عمل.
وبالإجمال، تضم الاشتراكيَّة الدولية اليوم كافَّة الأحزاب الاجتماعية (الاشتراكيَّة والاشتراكيَّة الديمقراطية، والديمقراطيَّة والعمَّاليَّة) في مختلف أنحاء العالم. (العلم المرفق رمز للشيوعية وليس للاجتماعية الديمقراطية)

 

مناخات التفاعل
 شَكَّلَ مناخ التفاعل في طيف التيارات الفكرية ذات التوجهات والطبيعة الإنسانية المنادية بالحرية والديمقراطية وعدالة توزيع الثروات التي تستهدف كسر احتكار المنظومات الرأسماليَّة لحركة الاقتصاد الدولي، والمناهضة لقوى الهيمنة الاستعمارية والكلونياليَّة والداعية لاستقلال وحرية الشعوب التي تخضع للاحتلال والاستعمار المباشر وغير المباشر، قاعدة موضوعيَّة للتفاعل بين قوى الثورة الفلسطينيَّة وبين تلك التيارات.
 وفي مركز ذلك التفاعل كان ما وفَّرَتْهُ القاعدة الموضوعية المشتركة مع حركات التحرر العالمي ضمن التطلعات الإنسانيَّة الوجدانية والأهداف المشتركة بالحرية والاستقلال – كالثورة الفيتنامية والثورة الجزائرية والحركة التي قادها المهاتما غاندي في الهند وما تسي تونغ في الصين وحركات التحرر في أمريكا اللاتينيَّة، وكذلك الرُّؤى والأفكار التي نادتْ بها الحركات والتيارات القومية العربية كحركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي والحركة الناصرية وقد كانت تصورات مجمل تلك الحركات تقريباً في سبيل الإنعتاق والتحرر ذات مضامين اشتراكيَّة. 
وفي في ذلك المناخ العام أيضاً، جاء التأثر من قبل طلائع العمل الثوري الفلسطيني وتحديداً العديد ممن أسسوا حركة فتح بسياق ما نادت به بعض التيارات الإسلاموية في خمسينيات القرن الماضي وإنْ على أسس دينيَّة مختلفة في مضامينها عن المضامين اليسارية والاشتراكية. 
وقد كان ذلك المناخ الفكري والوجداني بالإجمال مركَّباً من أفكار متجانسة أو متقاربة تتعلق بالحرية والاستقلال والنهضة الشاملة في مواجهة مشروع الهيمنة الاستعماري والإمبريالي الغربي بما هو عام – وقد شكل كل ذلك أساساً وقاعدة للتأثُّر والتفاعل والتعاون بين مختلف تلك القوى وبين مكونات الثورة الفلسطينيَّة المعاصرة.
دور التجارب المتنوعة في حركة فتح
لنأخذ – على سبيل المثال ومرَّة أُخرى - ما يقوله صلاح خلف ( أبو إياد ) عن نفسه كمطالع لأفكار عصره وفي سياق تفاعله مع كثيرٍ من تلك الأفكار، وذلك في كتابه ( فلسطيني بلا هويَّة ) وأبو إياد كما هو معروف بطبيعة الحال، من أبرز من أسهموا في انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، والتأسيس لانطلاقة، وقيادة، حركة فتح كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينيَّة، ومن أهم الشخصيات التي حددت إطار الحركة النظري،  وذلك عندما يتناول المناخ الفكري العام الذي أحاط بانبثاق حركة فتح كأولى فصائل وطلائع العمل الثوري الفلسطيني المعاصر، يقول: 
 "وليست تجارب من سبقونا وأخطاؤُهم وحدها هي التي ساهمت في توجيه خططنا الأولى. فحرب العصابات التي اندلعت في الجزائر قبل تأسيس فتح بخمس سنوات؛ قد أفادتنا إفادة عميقة.. ولما لم تكن لنا علاقات مع ممثلي جبهة التحرير الجزائري فإنَّنا رحنا نتزود بالوثائق حول الحركة الجزائرية مما كان ينشر في الصحف والكتب.. كانت ثقافتي السياسية تعاني من الكثير، وكنت كطالب في الفلسفة قد ألِفْتُ هيغل وماركس ولينين بعض الأُلفة بحكم وطبيعة الأشياء، إلَّا أنَّ ثقافتي ظلت انتقائية تذهب من ميشيل عفلق ( مؤسس البعث/ كما ورد في المصدر ) وسيد قطب أحد أصحاب المذهب في ( حركة الإخوان المسلمين/ كما ورد في المصدر ) .. وقد بدأتُ أهتم على نحوٍ خاص بالثورات، جميع الثورات، بعد عودتي إلى غزَّة عام 1957.. والتهمت مؤلَّفات لينين. كنت معجباً بشجاعته وتفاؤله العميق حتى في الفترة التي كان يعيش فيها كمنفي سياسي في الخارج. ثم إنَّ في استيلاء البلاشفة على السلطة والصعوبات التي واجهوها تعاليم عديدة كانت تبدو لي ذات فائدة كلية عامَّة. إلَّا أنني كنت أشعر بنفسي أقرب إلى ماو تسي تونغ الذي كان حسه الأخلاقي أقرب فيما يبدو إلى الإسلام منه إلى ماديَّة لينين المحضة، ثم إنَّ المسيرة الطويلة مسيرة العشرة آلاف كيلو متر استحوذت قبل هذا كله على خيالي وجعلتني أحلم فأتَمَثَّل الشعب الفلسطيني حاملاً سلاحاً عائداً إلى بلاده ليطرد المحتلين.. وقد كتبَ – فرانز فانون –  (( فرانز فانون 1925 - 1961 طبيب نفساني وفيلسوف اجتماعي عُرِفَ بنضاله من أجل الحرية وضد التمييز العنصري/ الكاتب )) والذي كان أحد كتابي المفضلين في كتاب –  مُعَذَّبو الأرض – الذي قرأته واعدتُ قراءَته عدة مرات أنَّه ليس سوى الشعب الذي لا يخشى مدافع ودبابات العدو يستطيع أنْ يخوض الثورة إلى منتهاها.. كان في وسعنا أنْ نلاحظ في تلك الحقبة كم كان فانون مصيباً؛ فقد كانت الشعوب من أقصى العالم الثالث إلى أقصاه تمتشق السلاح برغم أنَّها عزلاء مجرَّدة لتأخذ حريتها واستقلالها غِلاباً "... (( المصدر/ صلاح خلف – فلسطيني بلا هوية / الصفحات 64، 65 منشورات دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية –  الطبعة الثالثة 2016 )).

مَثَّلَ انبثاق منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964 نقطة تحول إذنْ في مسار القضية الفلسطينية – على المستوى السياسي وعلى مستوى تبلور الشخصية الوطنية المستقلة – كما مثل دخول حركة فتح إلى المنظمة وكذلك غيرها من فصائل العمل الوطني الفلسطيني فيما بعد منعطفاً آخر، وصولاً إلى عام 1974 حيث بدأ الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني يتسع بشكل متسارع.
الفصائل وتفاوت الرؤى
كانت الفصائل التي شكلت الإطار العام لمنظمة التحرير ابتداءً من عام 1968 قد تأثرت بمجمل الطيف الفكري السائد في المنطقة العربية والعالم، بين أفكار قومية ويسارية وماركسية لينينية وعلمانية (او مدنية) وديمقراطية ليبرالية – بدرجة ما -  ومن ثم  فقد تفاوتت الرؤى الفكرية والسياسية – وكذلك البرامج السياسية - التي تبنتها فصائل منظمة التحرير وابتداءً من منتصف عقد الستينيات، فنجد أنَّ فصائل كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين قد اتجهت نحو تبني أفكارٍ يساريَّة متأثرة بذلك بالأحزاب الشيوعية في دول الكتلة الشرقية وفي جنوب شرق آسيا وفي بعض مناطق أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينيَّة.
 فيما تبنَّت فصائل كجبهة التحرير العربيَّة أفكاراً عروبيَّة متأثرة بحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، وكمنظمة الصاعقة التي تبنت أفكاراً قومية يسارية متأثرة بحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا، وكالجبهة الشعبية القيادة العامة التي واصلت تمسكها بأفكار حركة القوميين العرب – على سبيل المثال .
لكن حركة فتح كانت ومنذ نشأتها في أواخر عام 1957 ومن ثم انطلاقتها في مطلع يناير عام 1965 قد اتخذت لنفسها طابعاً مختلفاً عما كان سائداً من أنماط الأحزاب العقائدية والقومية، ولم تطرح أفكاراً فكرانية (=آيديولوجية) كأساسٍ يحدد هويتها وتوجهاتها، بل كان طابعها مدني وطني ديمقراطي،  وقد قدمت نفسها كحركة تحرر وطني بإطارٍ تنظيميٍّ جامعٍ للكل الفلسطيني بغض النظر عن الأصول الفكرية والعقائدية للمنتمين إليها، ببرنامج وطني كفاحي يعتمد الكفاح المسلح وسيلةً أساسيَّة. وبذلك فقد احتفظت بعلاقات متوازنة مع الجميع، وهو ما سيشكل فيما بعد – وفي إثرِ دخولها مؤسسات منظمة التحرير كأكبر فصائل الثورة الفلسطينيَّة وكمكون أساسيٍّ من مكوِّناتها – أساساً لتوطيد العلاقة مع الكتلة الشرقية ومع تيارات ودول الاشتراكية الدولية على حدٍّ سواء – خصوصاً أنَّ فتح وبهذه الصيغة التي قدمت بها نفسها كانت تبدو أكثر مرونة وليبرالية في منظارِ طيفٍ واسع من أحزاب وقوى ودول الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا والعالم.
 



خطاب أبوعمار في الامم المتحدة
 
لقد مثَّل الخطاب الذي ألقاه ياسر عرفات كرئيس للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية – وكقائد لحركة فتح وكرمزٍ من رموز الثورة الفلسطينية المعاصرة في ذات الوقت -  في تشرين ثاني عام 1974 في الجمعية العامة للأمم المتحدة لحظة مفصلية في تاريخ حصول منظمة التحرير الفلسطينية على مزيدٍ من الاعتراف الدولي والأممي، وقد أتاح هذا الأمر الطريق عبر السنوات التي تلت ذلك أمام افتتاح ممثليات لمنظمة التحرير الفلسطينية في مختلف دول العالم ومنها بطبيعة الحال في عدة دول أوروبية أعضاء في الاشتراكية الدولية وخصوصاً في شمال غرب أوروبا وفي اليونان وإسبانيا على سبيل المثال ولدى مجموعة الدول الاسكندنافية ومنها على وجه الخصوص كل من السويد والنرويج كعضوين فاعلين في الاشتراكية الدولية.
 وهو ما سيكون له عظيم الأثر في بداية حركة دبلوماسية فلسطينية فعَّالة لصالح خدمة القضية الفلسطينية، وقد لعبت شخصية وجاذبية (=كارزميَّة) الشهيد ياسر عرفات دوراً كبيراً في حشد الرأي العام وراء مطالب الشعب الفلسطيني العادلة في مختلف أقطار العالم بشكلٍ عام وفي أوساط أحزاب الاشتراكيَّة الدولية في أوروبا بشكلٍ خاص، وكان لممثليَّات منظمة التحرير وللحركات الطلابية الفلسطينية في اليونان وغيرها من الدول الأوروبية فيما بعد دوراً كبيراً في دعم تلك العلاقات بين منظمة التحرير وخصوصاً حركة فتح وبين الاشتراكية الدولية وصولاً إلى حصول حركة فتح عام 1996 على عضو مراقب في فيها وحصولها في عام 2000 على عضوية استشارية في الاشتراكية الدولية.
 وقد مهَّد تطور سياق تلك العلاقات قبل ذلك لأن يكون لأحزاب الديمقراطية الاجتماعية (الاشتراكية) بالغ الدور في إتاحة الفرصة في المرحلة التي أعقبت انطلاق عملية التسوية في مدريد عام 1992؛ لفتح قنوات الاتصال بين "إسرائيل"  - بقيادة حزب العمل العضو في الاشتراكية الدولية – وبين قيادة منظمة التحرير وكمقدمة لتوقيع إعلان المبادىء في أوسلو في 12 أيلول من عام 1993 .

 دور السويد والنرويج
 
وقد أسهمت كل من السويد والنرويج  على وجه الخصوص العضوين الفاعلين في الاشتراكية الدولية – واللتان كانتا تحتفظان بعلاقاتٍ مميزة مع كل من حزب العمل الإسرائيلي بقيادة إسحاق رابين وشمعون بيرس وكذلك مع مجموعة أكاديميين يساريين إسرائيليين وفي نفس الوقت مع شخصيات بارزة في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها ياسر عرفات –  حيث كان لهاتين الدولتين إسهاماً كبيراً في إتاحة الفرصة الواقعية أمام بدءِ تلك الاتصالات بين المنظمة و"إسرائيل" وانطلاق مرحلة التسوية فيما بعد التوقيع على اتفاق أوسلو ومواصلة رعاية تلك الاتصالات ومواصلة الجهد الدبلوماسي والقيام بِوَسَاطاتٍ عديدة ومتكررة في سبيل إدامة العملية السلمية في المرحلة التي أعقبت عام 1993 مروراً بمحطَّات التوتر بعد انتفاضة عام 2000 وحتى الآن.

لقد كان لافتاً على وجه الخصوص حضور ومشاركة الاشتراكية الدولية في المؤتمر السابع لحركة فتح عام 2016، وقد كان تم ترقية عضوية حركة فتح في الأول من تموز عام 2011 من عضو استشاري إلى العضوية الكاملة؛ وذلك خلال اجتماع مجلس الاشتراكية الدولية في العاصمة اليونانية – أثينا - والذي شارك فيه وفد حركة فتح برئاسة الدكتور نبيل علي شعث المفوض العام (السابق) لعلاقات فتح الدولية. 
وبذلك فقد أصبحت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح هي الحزب الاجتماعي الديمقراطي الرَّئيسي الممثل لدولة فلسطين في الاشتراكية الدوليَّة، وقد أصبحت حركة فتح بموجب ذلك العضو رقم 116 في تلك المجموعة الدولية ممثلة عن فلسطين. وفي آذار عام 2017 تم انتخاب د. نبيل شعث عضو اللجنة المركزية السابق لحركة فتح ومستشار الرئيس محمود عباس نائباً لرئيس منظمة الاشتراكيَّة الدولية جورج باباندريو.

 

وبالإجمال، فقد أسهم البرنامج المدني الديمقراطي ومفهوم الدولة الفلسطينية الديمقراطية الذي تبنته حركة فتح وأعلنته ابتداءً من عام 1968 في الدعوة إلى قيام دولة ديمقراطية فلسطينية يتعايش فيها اليهود والمسيحيون والمسلمون كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات؛ في التأسيس لبداية العلاقة مع الاشتراكية الدولية على المستوى النظري ومن ثم العملي فيما بعد. 
وقد عزز من تلك العلاقة وبشكلٍ منهجيٍّ وعمليٍّ أكثر، فيما بعد، ما أبدته حركة فتح من استعدادٍ – وضمن البرنامج المرحلي الذي تبنته منظمة التحرير عام 1974 - باستثناء ما عرف بفصائل جبهة الرفض وعلى رأسها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والقيادة العامة بقيادة أحمد جبريل – لإقامة سلطة وطنية فلسطينية على أيِّ جزءٍ يتم الانسحاب منه من ألأرض التي احتلت عام 1967 كمقدمة لحلٍ شامل، ومن ثم استعداد حركة فتح فيما بعد ذلك وفي نهاية عقد الثمانينيات وضمن منظمة التحرير الفلسطينية للبحث عن صيغة مرحلية للتسوية تتيح قيام سلطة فلسطينية محدودة تُفضي إلى دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967 في كل من الضفة الغربية وقطاع غزَّة. 
وهو ما كان يعني بطبيعة الحال الاستعداد للاعتراف ب"إسرائيل" والانخراط في مجهود حركة دبلوماسية تفتح الباب أمام حلولٍ سلمية للقضية الفلسطينية. وبحكم ذلك وبحكم العلاقة بين – منظمة التحرير وعلى رأسها حركة فتح – وبين مجموعة الاشتراكية الدولية؛ فقد كان لتلك المجموعة، ومن ثم للاتحاد الأوروبي الذي يضم أهم تلك الدول، دوراً في مجهود السلام وفي توفير الكثير من الدعم ومن شروط استمرار الدعم المادي والسياسي للسلطة الفلسطينية التي نشأت في أعقاب مرحلة التسوية، وفي توفير الدعم السياسي والقانوني الدولي على طريق تلبية تطلعات الشعب الفلسطيني في الحصول على حقوقه في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة – ضمن الشروط التي فرضتها مرحلة وعوامل ورؤى التسوية القائمة حالياً بطبيعة الحال وبما يتوافق في الأساس مع توجهات كثيرٍ من تلك الدول الأوروبية وغيرها الأعضاء في الاشتراكية الدولية حول إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل - وذلك على لأراضي المحتلة في حدود الرابع من حزيران عام 1967. وبما يتوافق بطبيعة الأمر مع مواقف ورؤية تلك المجموعة الدولية.
 
الهوامش:
   [1] بقلم الأخ الكادر الحركي ماهر الفاخوري في 30/11/2017
[2]  في المبحث الثاني بقلم الاخ خالد أبوعدنان يميز بينهما ولكننا سنسير وفق اعتبارهما واحدا.
[3]  هو مفكر قريب من كارل ماركس وأول من أشاع مصطلح الرأسمالية في كتابه الرأسمالية الحديثة عام 1912. لكنه أصبح لاحقا اشتراكي نازي
[4]  في حضارتنا العربية الاسلامية لا يقع مفهوم المساواة الكاملة موقعا مناسبا من التفكير، لذلك فنحن في حركة فتح نرى وفق ارتباطنا بحضارتنا أن لكل انسان خصوصيته المرتبطة بالنوع الاجتماعي أي ذكر وانثى ولكل ميزات وخصوصيات لا تُنكر، ولكنها لا تتعارض مع المساواة الكاملة امام الدستور والقانون.
[5]  لاحظ أن فكرة العدالة هي فكرة كل الاديان عامة، ومنها في الدين الاسلامي الذي لطالما ركز على الميزان والقسطاس والعدل بنصوص آيات القرآن الكريم، ورفضا واضحا للظلم والعدوان.
[6]  من الواضح والجلي لدينا أن ارتباط حركة فتح بمؤسسة الاجتماعية الديمقراطية وعضويتها الكاملة فيها لا يتناقض بل يتكامل مع انتمائها الحضاري المتميز والمنفتح لحضارتنا العربية الاسلامية وبالاسهامات المسيحية الشرقية، فحيث نتفق مع الاجتماعية الديمقراطية كثيرا ونعتبر أنفسنا جزء منها، فإننا أيضا جزء من الإطار العروبي أساسا وجزء من العالم الاسلامي، على أن يفهم كل ذلك أن لا صلة له مطلقا ب"المعتقد" الثابت لدى كل شخص وبالتالي لا إضرار له بدينه وعقيدته أبدا.
[7] بقلم الاخ الكادر في حركة فتح خالد أبوعدنان في 3/12/2017
[8]    فكرة عدم التدخل في شؤون الداخلية لدول الأخرى قللت من تكاليف التحالف السياسي وجعلت معدل الحروب ينخفض إلى أدنى مستوياته، بل أن هذا المبدأ يعتبر أول عامل مشترك بين يسار اليمين (الديموقراطية الجتماعية) و يمين اليسار (الاشتراكية الديموقراطية) وبداية تشكل مفهوم العنف السلمي في الديموقراطيات الأوروبية.
 [9] يوهان فولفغانغ فون غوته ‏ هو أحد أشهر أدباء ألمانيا المتميزين، والذي ترك إرثاً أدبياً وثقافياً ضخماً للمكتبة الألمانية والعالمية، وكان له بالغ الأثر في الحياة الشعرية والأدبية والفلسفية
[10]  نحن في حركة فتح نسعى لدولة مدنية غير طائفية ولا تسلط فيها لفئة على أخرى والكل خاضع للقانون بحرية وتساوي دون محاكمة العقل والايمان، وعليه فان مفهوم المدنية يقترب كثيرا من مفهوم العلمانية المؤمنة او العلمانية الجزئية التي ينادي بها الكتاب العرب والاسلاميين المستنيرين.
[11]  رئيس يوغسلافيا ورئيس الهند ورئيس مصر الذين كانوا أبرز مؤسسي منظمة دول عدم الانحياز.
[12]  أبويوسف النجار من قيادات حركة فتح عضو لجنتها المركزية ومن المؤسسين الأوائل لها واستشهد  اغتيالا مع كمال ناصر وكمال عدوان في اعتداء ارهابي صهيوني على لبنان عام 1973
[13]  ماوية نسبة لماوتسي تونغ زعيم الثورة الصينية ومؤسس خطها الشيوعي المختلف عن ذاك السوفيتي، وكان أبرز رموز هذا التيار في حركة فتح منير شفيق.
[14]  في تحول خطير لحركة فتح من الديموقراطية الاجتماعية إلى الاشتراكية الديموقراطية.
[15]  كان قرار "الاخوان المسلمين" للانخراط بشكل ضعيف في اطار حركة فتح ضمن معسكر الشيوخ  المنفصل لهم في الاردن (1968-1970) فقط من منطلق "المماشاة" وليس قناعة بالعمل المسلح حينها كما أورد الاخواني د.عبدالله أبوعزة في كتابة الاخوان المسلمين في الدول العربية.
 وهذا يعد الخروج الثاني للنضال الفلسطيني من الصبغة "الاشتراكية الشعبية" الداعية للإرهاب الدولي وخطف الطائرات ثم الانتقال إلى "الاشتراكية الديموقراطية" في طرح الكفاح المسلح الخيار الحتمي والوحيد لتحرير فلسطين وبعدها الانتقال إلى "الديموقراطية الاجتماعية" في طرح كل الخيارات مفتوحة وسوف تقام الدولة الفلسطينية على أي شبر يتم دحر الاحتلال منه وفق شروحات البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية.
[16] ذا يعد الخروج الثاني للنضال الفلسطيني من الصبغة "الاشتراكية الشعبية" الداعية للإرهاب الدولي وخطف الطائرات ثم الانتقال إلى "الاشتراكية الديموقراطية" في طرح الكفاح المسلح الخيار الحتمي والوحيد لتحرير فلسطين وبعدها الانتقال إلى "الديموقراطية الاجتماعية" في طرح كل الخيارات مفتوحة وسوف تقام الدولة الفلسطينية على أي شبر يتم دحر الاحتلال منه وفق شروحات البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية.
 [17] هنا بالحقيقة بفكرها اليساري الماوي
[18]  وهذا أقرب للفهم الماركسي للثورة
[19]  وذلك بين تبني فكر الديموقراطية الاجتماعية أو "التحررية=الليبرالية الاشتراكية"
[20]  الحرياتية أو الليبرالية هي فلسفة سياسية أو رأي سائد تأسست على أفكار الحرية والمساوة،وتشدد الليبرالية الكلاسيكية على الحرية في حين أن المبدأ الثاني وهو المساواة يتجلى بشكل أكثر وضوحاً في الليبرالية الاجتماعية، يتبنى الليبراليون مجموعة واسعة من الآراء تبعاً لفهمهم لهذين المبدأين، ولكن وبصفة عامة يدعم الليبراليون أفكاراً مثل حرية التعبير، حرية الصحافة، حرية الأديان، السوق الحر، الحقوق المدنية، المجتمعات الديمقراطية، الحكومات العلمانية والتعاون الدولي
[21]  وذلك يستند إلى التبديل اللفظي للمصطلحات من مفاهيم الإشتراكية الديموقراطية نحو الديموقراطية الاجتماعية
[22] من دراسة للكاتب الفلسطيني رائد دحبور تحت عنوان الاشتراكيَّة الدِّيمُقراطيَّة، والثَّورة الفلسطينيَّة، مع بعض التحرير من لجنة التعبئة الفكرية بحركة فتح فيه وبمجمل الدراسة هذه. 

[23]   لمراجعة علاقة حركة فتح بالفكر المدني الديمقراطي، أو ما يصفه البعض-ما لم يرد بأدبيات الحركة-بالعلماني الرجوع لكتاب بكر أبوبكر المعنون حركة فتح والعلمانية والاسلام.







انتهى الملف
 

Developed by