Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

من قرارات المجلس المركزي

 
الفترة الانتقالية التي نصت عليها الاتفاقيات الموقعة في أوسلو والقاهرة وواشنطن لم تعد قائمة
تكليف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بتعليق الاعتراف بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين 
جدد قراره بوقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله وبالانفكاك من علاقة التبعية الاقتصادية التي كرسها اتفاق باريس الاقتصادي
أدان ورفض قرار الرئيس الأميركي اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها
تبني حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها ودعوة دول العالم لفرض العقوبات على إسرائيل
رفض أي طروحات أو أفكار للحلول الانتقالية أو المراحل المؤقتة بما فيها ما يسمى بالدولة ذات الحدود المؤقتة
رفض الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية

 

الدين ومناهج الفهم

نشر بتاريخ: 2018-01-06
 


 

 
يصعب وضع منهج موحد في فهم الدين، لأن الدين ظاهرة متطورة نشأ بنشأة الإنسان على الأرض كما نشأ الفن ونشأت الفلسفة، وكلها مظاهر للعمران البشري. لقد تغيرت تصورات الآلهة في الديانات الشرقية بتوحيد الله والطبيعة عنها في الديانات الإبراهيمية في الشرق والغرب التي تقوم على ثنائية الخالق والمخلوق. كما تطور تصور الألوهية من الآلهة المتعددة إلى الإله الواحد، ومن التجسيم والتشبيه إلى التنزيه. وتتغير الشرائع بكثرة السؤال عن الحلال والحرام، مرة من التخفيف إلى التشدد، ومرة من التشدد إلى التخفيف، ومرة ثالثة إلى الوسطية كما هو الحال في الشريعة الإسلامية.




وتختلف روح الحضارات، ولكل حضارة بؤرتها؛ فهي الطبيعة في حضارات الشرق القديم، وهي العقل في حضارة اليونان، وهي القانون في الحضارة اليهودية، وهي المحبة في الحضارة المسيحية، وهي العدل في الحضارة الإسلامية. وتختلف المشارب والمناهج والاختيارات ‏«ولكل ‬جعلنا ‬شرعة ‬ومنهاجاً»، ‬والمنهج ‬الموحد ‬لفهم ‬الدين ‬يقضي ‬على ‬التنوع ‬ولا ‬يبقي ‬إلا ‬على ‬الوحدة، ‬والوحدة ‬بلا ‬تنوع ‬صورة ‬بلا ‬مضمون. ‬والتنوع ‬بلا ‬وحدة ‬مضمون ‬بلا ‬صورة، ‬أي ‬ما ‬نسميه ‬الآن ‬في ‬لغة ‬المنظمات ‬الثقافية ‬الدولية «‬التنوع ‬الخلاق»‬، ‬وهو ‬تعبير ‬عن ‬الآية ‬الكريمة: ‬«وجعلناكم ‬شعوبا ‬وقبائل ‬لتعارفوا».
وتختلف اللغات والألسن، كما هو معروف في أسطورة برج بابل وسقوطه رمزاً لتعدد اللغات. ولكل لغة منطقها وبنيتها وأساليبها وتراكيبها وطرق تعبيرها وبلاغتها. ومن ثم لا يمكن وضع منهج محدد لفهم الدين، لأن النص الديني مدون بلغات عديدة، فالديانات الشرقية بالسنسكريتية والصينية والفارسية والبابلية والآشورية. وديانات إبراهيم مدونة بالعبرانية والآرامية واليونانية واللاتينية. والإسلام نزل بلسان عربي مبين. ومنطق اللغة يفرض نفسه على منهج التفسير. فقد تكلم السيد المسيح الآرامية ودونت أقواله باليونانية ثم ترجمت إلى اللاتينية. ولم تحفظ الأقوال في لغتها الأصلية. والقرآن لا يفسر إلا باللغة العربية، ولا يتعبد به إلا باللغة العربية. ولا يمكن للترجمة أن تفيد معاني الألفاظ الثانوية وإن أفادت المعاني الرئيسية. لذلك نشأ علم تحليل النص الديني، وتحليل الخطاب الديني، وعلم اللسانيات الديني.

وتختلف العقول بين البشر في درجات الفهم والتفسير والتأويل إما بالفطرة أو بالاكتساب، بالطبيعة أو بالتعليم. ويساعد هذا الاختلاف على سبر أغوار النص واستكشاف أبعاده والتعرف على مستوياته طبقاً لأعماق الشعور المرتبطة بالحدس والتعلم. واختلاف العقول والأفهام رحمة حتى يتكامل المنظور بعد أن يجتهد كل فرد، ويحدث إجماع على رؤية متكاملة تغطي الجوانب المتعددة للشيء الواحد. المنهج الموحد لفهم الدين يعني فرض عقل على باقي العقول، ووضع وصايا لفرد على باقي الأفراد. ولا يمكن توحيد العقول لأن الاختلاف رحمة حتى تتعدد الرؤى: ‏«ولو ‬شاء ‬ربك ‬لجعل ‬الناس ‬أمة ‬واحدة».

وكل إنسان فرد له شخصية مستقلة، فإبراهيم أواه حليم، وموسى غاضب، ونوح منتقم، وعيسى رحيم، ومحمد صادق أمين.. فالأنبياء شخصيات متفردة، لكل منهم سمته الخاص. والصحابة أيضاً كانوا أفراداً، لكل منهم رؤيته وتقديره. وقد وصف ذلك العقاد في «العبقريات» حين تحدث عن إيمان أبي بكر، وعدل عمر، وعلم علي وابن عباس، وشجاعة حمزة وخالد، وأمانة بن الجراح. وقد انعكست الشخصية في المذهب الفقهي، فهناك واقعية مالك بن أنس، وعقلانية أبي حنيفة، ووسطية الشافعي، ونصية ابن حنبل. كما انعكس لدى الفلاسفة، في علمية الكندي والرازي، وإشراقية الفارابي وابن سينا، وعقلانية ابن رشد.

ولما كان الفرد جزءاً في جماعة فقد تعددت المصالح طبقاً للانتماءات الاجتماعية والعرقية والطائفية والأسرية. بل نشأ صراع اجتماعي داخل كل مجتمع طبقاً لتعدد المصالح. ولكل جماعة أو طبقة تفسيرها للدين، وتأويلها للنص، بل ورؤيتها للعالم طبقاً للصراع الاجتماعي. كما تختلف المصالح والمنافع طبقاً للجماعات والأقوام والشعوب. فمصالح الشعوب متعارضة. لذلك تنشأ الحروب. وطالما كانت الحروب على السيادة على البحار والأراضي والثروات.

والطبيعة مختلفة متعددة الألوان، في النبات والحيوان والطير والجبال والسهول والصحاري.. والاختلاف أساس في الطبيعة قبل أن يكون في البشر. هناك اختلاف الليل والنهار، واختلاف الألوان، واختلاف الأُكل. فالاختلاف سنة الطبيعة والكون، انعكس على البشر في اختلاف الأقوام والشعوب والألسنة والمشارب والمناهج والديانات والمذاهب والاعتقادات. جذع الشجرة واحد في الأرض وفروعها متشعبة في السماء. والحياة كلها نشأت من خلية واحدة تتكاثر وتنمو‬.

----------------------


د. حسن حنفي

*أستاذ الفلسفة -جامعة القاهرة
Developed by