Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

من قرارات المجلس المركزي

 
الفترة الانتقالية التي نصت عليها الاتفاقيات الموقعة في أوسلو والقاهرة وواشنطن لم تعد قائمة
تكليف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بتعليق الاعتراف بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين 
جدد قراره بوقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله وبالانفكاك من علاقة التبعية الاقتصادية التي كرسها اتفاق باريس الاقتصادي
أدان ورفض قرار الرئيس الأميركي اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها
تبني حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها ودعوة دول العالم لفرض العقوبات على إسرائيل
رفض أي طروحات أو أفكار للحلول الانتقالية أو المراحل المؤقتة بما فيها ما يسمى بالدولة ذات الحدود المؤقتة
رفض الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية

 

الإنسان رسم

نشر بتاريخ: 2018-01-04

 

تطرح علاقة الإنسان بالكتابة والسطر والقلم قضية بالغة الأهمية، يمكن صوغها كالآتي: ما أقصى ما يستطيع المرء أن يفعله ليبصم مروره فوق خشبة الحياة؟ هل تكفي النصب والأهرامات والنقوش والأسوار لتدل على الذين صنعوها أو أمروا بصنعها؟ إلى متى تصمد هذه التذكارات والشواهد، وتبقى أثرا دالا على الناس الأُول؟. ولتقريب القضية وتخصيصها وحصرها، نتساءل: ما علاقة البشر بالكتابة؛ الكتابة والخط تحديدا؟ ما الذي يشد بني البشر إلى التدوين والنقش والرسم؟ متى وكيف فطن الإنسان إلى قطعة القصب، يمررها فوق الحجر والخشب، يستخرج منها الصور والنقوش؟.

ما السر الذي يجعل بعضنا متشبثا بالقلم في جيب قميصه؟ وما السر الذي يجعل رهطا من "الكَتبة" يدسون ألاعيبهم في "كتاب معمول"؟ وما السر الذي يجعلهم يفكون خطوطا لا يعرفها غيرهم، متباهين بالفتح المبين؟ كل شيء في الكتاب إذن.

علاقة البشر بالكتابة واليراع والورق علاقة ملتبسة، الطفل قبل درس الكتابة الأول ليس هو الطفل بعده. عندما تلامس يد الطفل القلم، يدخل التاريخ، تاريخه الخاص على الأقل، وما قبل ذلك هو غيهب من غياهب الطفولة الأولى، فلا يعتد به حقا، ويُترك للذاكرة تُعصر عصرا لعلها تتذكر شيئا ولو يسيرا. وعندما يخط الولد أول النقوش، حينئذ يفرح الأبوان، لأنه استهواه سحر القلم وأغواه ودخل عصر التاريخ، رغم إغراءات الألواح الإلكترونية ومفاتيحها التي لا يعدونها شيئا.

أليس البشر أقلاما تكتب تاريخها وهي تسير على الأرض؟ التاريخ الذي سيقرأ في ما بعد "اقرأ كتابك". منذ الأزل والإنسان يستبطئ مروره على خشبة التاريخ، وهو بهذا المعنى كائن يرفض النسيان، نسيانه هو، يرفض أن يُتناسى كأن لم يكن.

الإنسان أثر، أثر كتابة، أثر نقوش ورسوم ورقوش، وبين الأمر الإلهي لفعل الكينونة، والكتاب المرقوم، يكون كل شيء قد استُعيد وحضر.

الأثر أو أثر الأثر (التفكيكيون) وما يسطره القلم هو ذاكرة البشر الحقيقية. قبل الكتابة لم يكن شيء، كان اللاتاريخ، أو ما قبل التاريخ، وقبل التدوين كانت الشفة والرواية، وما تذروه الرياح وما لا يُعثر على أصله قط.

تكشف خطوطُ الفنجان المخبوء، وخطوط الكف تُنبئ بالقادم، والمسار كله مختزل ومخطوط ومخبوء في الجينوم والأسارير، وعندما يٌعثر على مخطوط يسترجع التاريخ وتنبعث الحياة ثانية.

قدر الإنسان أن يَكتب ويُكتب، ومن لا وثيقة ولا مكتوب ولا أثر لديه حٌجّته داحضة.

نستجدي علماء الأركيولوجيا أن يقدموا جوابا واحدا شافيا: ما لذي جعل أجدادنا سكان الكهوف يلتفتون إلى جدران الكهف ليرسموا أنفسهم وجواميسهم وحيواناتهم المنقرضة؟ كان من الممكن أن يكتفوا بالتهامها وينتهي الأمر؛ لكنهم لسبب من الأسباب غامض، فطنوا إلى لعبة التدوين والتسجيل، واستهواهم الرسم على الجدران والأواني ومداخل الأجداث. والسؤال المحير حقا: ما الذي تبادر إلى سكان الكهوف الأول لمّا كسروا من حطب التدفئة، وشرعوا يخطون و"يخربشون"؟ قد تتعدد الأجوبة، لكن المحير أن آباءنا الكرام علموا أن القلم الناقش لا يقل أهمية عن الرمح أو السكين.

يمكن القول بداهة إن المسألة برمتها مسألة تواصل وبعث رسائل للأجيال الآتية، ولكن السؤال لمَ الكتابة تحديدا؟ حتى لو كان الجواب مطروحا كالآتي: كان همّ الإنسان الأول أن يرسم الطبيعة التي يراها؛ وبعبارة نقدية أن يُحاكي الطبيعة، أن يرسم واحدة أخرى، تُوازي تلك التي تحضنه. غير أن هذا الجواب لا يحل الإشكال، فلو كان الأمر كذلك لاستمر بنو البشر يرسمون ويحاكون ويُصورون، ولما عرجوا على الخط والكتابة إطلاقا.

المسألة في عمقها تتجاوز التصوير والتذكر، لا يهم أن يتذكرني أحد بالأساس، بل الأهم أن أبقى، أن أُبطئ الموت، أن أراوغه، أن أذهب حد تحنيط جثتي رمزا دالا عليّ، أن أترك "المومياوات" أجسادا بلا روح، تعاند الصدأ والمحو والتلاشي، وبعبارة واضحة، أن أبقى حيّا، ألا أموت. وكي لا أموت سأقاوم المحو والزوال، سأترك أثرا، سأخط، سأرقش، سأكتب.


عبد الحكيم برنوص
الأربعاء 03 يناير 2018 - 23:07
Developed by