Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

من قرارات المجلس المركزي

 
الفترة الانتقالية التي نصت عليها الاتفاقيات الموقعة في أوسلو والقاهرة وواشنطن لم تعد قائمة
تكليف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بتعليق الاعتراف بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين 
جدد قراره بوقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله وبالانفكاك من علاقة التبعية الاقتصادية التي كرسها اتفاق باريس الاقتصادي
أدان ورفض قرار الرئيس الأميركي اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها
تبني حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها ودعوة دول العالم لفرض العقوبات على إسرائيل
رفض أي طروحات أو أفكار للحلول الانتقالية أو المراحل المؤقتة بما فيها ما يسمى بالدولة ذات الحدود المؤقتة
رفض الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية

 

كيف تنجح مخططاتنا في الحياة

نشر بتاريخ: 2018-01-04



 



أنا الآن في رحلة يقطعها أحد القطارات في ألمانيا، في طريق العودة لمنزلي، بعد أسبوع قضيته في إحدى ورشات العمل. أتطلع لرؤية زوجي وطفلتي ذات العامين، والعودة لمختبري وعملي في الجامعة.

أغمض عيني وأتأمل في حياتي. ما الذي أتى بي إلى هنا؟ لم تكن يوماً هذه هي الخطة.

أعود للوراء، لتلك اللحظة البعيدة في صيف 2009. ها أنا ارتدي معطف التخرج الأسود المعروف، أمد يدي لتلقى شهادتي الجامعية المطوية من يد رئيس الجامعة الأردنية. كل ما كنت  أفكر فيه في تلك اللحظة هو أنني لن أعود إلى هنا أبداً، ليس كطالبة، بكل تأكيد. ولماذا أفعل، وقد كنت قد تلقيت عرضاً للعمل في إحدى شركات التكنولوجيا في عمان.

في ذلك اليوم، على منصة التخرج، عقدت العزم على التالي: لن أقوم بإرسال تكليف دراسي مرة أخرى، لن أقضي الوقت في التحضير لامتحان آخر، ولن أجلس للاستماع إلى محاضرة لا تهمني بعد الآن.

هذا فراق بيني وبين النظام التعليمي. كثير من خريجي كليات الهندسة يشاركونني رؤيتي؛ حجم العمل الذي نقوم به كطلاب في كليات الهندسة مضنٍ إلى حد الاستنزاف.

لا أنكر أنني استمتعت بوقتي في الجامعة، لكنني كنت سعيدة جداً عندما شارف وقتي فيها على الانتهاء. كأي خريج جامعي جديد، كنت مستعدة لاستئناف حياتي الاجتماعية، وبدء حياتي العملية، بعيدا عن الحرم الجامعي.

بعد شهور قليلة من ذلك اليوم، قابلت الشخص الذي أصبح زوجي وشريك حياتي. كان هو قد ضاق ذراعاً من روتين العمل في الوظيفة، ولديه رغبة قوية في السفر للخارج للحصول على شهادة الماجستير. لم تتلاق خططنا، لكننا أجمعنا على رغبتنا في التغيير وتجربة شيء جديد.

كل منا كان مستعداً لمغادرة ما يألفه ويرتاح إليه، كل منا كان تواقاً للانفتاح على طرق جديدة في التفكير. وبدا لنا حينها أن السفر للخارج هو أفضل الطرق لإيجاد فرص جديدة، للنمو والإسهام بفاعلية فيما يحتاجه العالم.

قبل السفر، كان علي حسم قراري بين اختيارين البحث عن عمل في الخارج، أو مرافقة زوجي والعثور على برنامج  لدراسة الماجستير. كنت أشعر بالقلق من العودة إلى مقاعد الدراسة. لكن في الوقت نفسه، كنت أعلم أنه من الصعب العثور على “وظيفة الأحلام” في الخارج، وأنا لا أحمل إلا شهادة البكالوريوس. الناس من حول العالم يسعون للسفر إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية من أجل اقتناص وظيفة الأحلام. المنافسة ستكون شرسة. إن كنت أريد العمل في الخارج وأن أضاعف من فرصي وخياراتي الوظيفية، فعلي أن أملأ جعبتي بمزيد من المعرفة والخبرات.

لذلك، اتخذت قراري بكل ما أملك من قلب شجاع، إلى العودة لمدرجات الجامعة للحصول على شهادة الماجستير، لأكتشف لاحقاً، أن ذلك القرار سيغير مجرى حياتي للأبد.

أرسلت طلبات التحاق لعديد من الجامعات حول العالم.  كان لدي معيارين لاختيار الجامعات التي أتقدم للدراسة بها: أولا: أن تكون الجامعة ضمن قائمة الجامعات الأفضل على مستوى العالم (فلم أكن لأغادر بلادي من أجل جامعة من الدرجة الثانية). وثانياً: أن تقبل الجامعة أن ألتحق بها أنا وزوجي معاً. لم يكن المعيار الثاني سهلاً أبداً.

بعد أربعة أشهر من المحاولات، وفي أحد أيام شهر آيار/ مايو الحارة في عام 2010، تلقيت أنا وزوجي رسالتين متطابقتين في البريد الإلكتروني من ألمانيا، تتضمن السطر التالي “يسعد جامعة RWTH Aachen إخباركم أنه تم قبولكما للالتحاق ببرنامج هندسة أنظمة الحاسوب…  يبدأ الفصل الدراسي الأول في تشرين الأول/ أكتوبر. وتبدأ دروس اللغة الألمانية في حزيران/ يونيو.”  ماذا؟ حزيران!

خلال الأسبوعين التاليين لوصول هذه الرسالة، قمت بإنهاء جميع متعلقاتي في الشركة التي أعمل بها، ودعت زملاء العمل، اشتريت فستان عرس أبيض، وحجزت قاعة للاحتفال بالزفاف، وحزمت جميع أغراضي، واشتريت بطاقة سفر في اتجاه واحد، لتأخذني بصحبة زوجي إلى مطار فرانكفورت في ألمانيا.

اليوم، أدرك أنه كان أفضل قرار غير مخطط له في حياتي. لا شئ يعادل الدراسة في جامعة من أفضل جامعات العالم. تعلمت أحدث التقنيات في مجالي، مباشرة من المخترعين أنفسهم في بعض الأحيان. تعلمت كيف أقوم بالبحث واستكشاف الأسئلة التي لا إجابة لها. كانت تجربة مثيرة أن أعمل على مشكلات لم يتمكن أحد من قبلي من حلها.

تعلمت “المنهج العلمي” في البحث، مجموعة من التقنيات التي يستخدمها العلماء منذ أكثر من 400 عاماً لاستكشاف ظواهر جديدة والحصول على المعرفة. ببساطة، لتطبيق المنهج العلمي، عليك أن تبدأ من اختيار سؤال البحث، ثم تحدد المجاهيل، تحقق في الكيفية التي حاول آخرون بها حل المعضلة، وبناءاً على تجارب من سبقوك ومعلوماتك وخبراتك الخاصة تقترح فرضيات جديدة حول الكيفية التي يمكن بها الوصول للحل، أخيراً تختبر صحة أفكارك بالتجربة.

مرة أخرى، وفي ثوب أكاديمي أسود آخر، مددت يدي لأستلم شهادة جامعية أخرى، هذه المرة شهادة الماجستير في علم الحاسوب من إحدى الجامعات المرموقة في ألمانيا.

هذه المرة، على منصة التخرج، كنت أفكر في عرض تلقيته من أستاذي في الجامعة  للعمل كمساعدة باحث والدراسة لنيل درجة الدكتوراه.

من المعروف أن الفترة التي يستغرقها الحصول على شهادة الدكتوراه في ألمانيا، ضمن الأطول عالمياً. خلالها يتم تكليف طالب الدكتوراه بمهام تدريسية بدوام كامل، وفي نفس الوقت عليه أن يعمل على بحثه لنيل الدكتوراه، بدوام كامل أيضاً، ليأتي بالنتائج البحثية المتوقعة منه. كما على طالب الدكتوراه أن يجد موضوعاً للبحث لم يسبقه إليه أحد.

مرة أخرى، وكل هذه التفاصيل تدور في رأسي، كنت أمام نفس الحيرة: العمل أم الدراسة؟ فلقد أقدمت على الماجستير بهدف العمل بعدها. ومرة أخرى، أهجر خطتي الأولية لأجل فرصة جديدة أتيحت لي، وأقبل العرض من أستاذي.

اليوم، في أذار/مارس 2017، بعد مرور ثلاثة سنوات قضيتها في دراسة الدكتوراه، أصبحت أدرك قيمة التخطيط للمستقبل: الخطة بوصلة تساعد صاحبها على اتخاذ القرارات الأصعب في الحياة، ولكنها ليست بالضرورة خارطة للطريق.

من المستحيل إدراك جميع متغيرات الحياة عند رسم خطتنا. تجربتي علمتني أن أترك هامشاً كاف لمستجدات الحياة، للفرص والمصادفات، للعفوية، وللتمرد الذي يؤدي للتجديد.

لم أكن أعتقد أنني سأبقى في الجامعة سنوات عديدة بعد تخرجي الأول. ولكن يبدو أن هذا هو المكان الذي تزدهر فيه أفكاري وأستطيع أن أترك فيه أثراً ملموساً.

سعيدة حيث أنا الآن، وأصوب عيني على معالم الطريق المستقبلية، ربما لن تكون كما أتخيلها الآن تماماً، وعلى الأرجح  الطريق إليها لن يكون كما أظنه أبداً. لكني مستعدة لمفاجآت الحياة ومتشوقة إلى أين ستأخذني لاحقاً.

كل ما نحتاجه حقيقة هو أن نجهز أنفسنا لبذل أقصى ما نستطيع في أي مكان نكون فيه وأن لا نبطئ الخطى ونضيع الوقت في انتظار فرصة معينة نظنها الأنسب لنا. فالشغف وإيجاد هدف في الحياة هي أشياء لا نجدها مصادفة ولا نحاول اقتناصها، هي أشياء ندركها ونحن نسير ونكدح على الطريق.

*نور الهدى حمدان، باحثة وطالبة دكتوراه فلسطينية، تدرس علوم الحاسوب في جامعة RWTH Aachen University في ألمانيا.
Developed by