Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

من قرارات المجلس المركزي

 
الفترة الانتقالية التي نصت عليها الاتفاقيات الموقعة في أوسلو والقاهرة وواشنطن لم تعد قائمة
تكليف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بتعليق الاعتراف بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين 
جدد قراره بوقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله وبالانفكاك من علاقة التبعية الاقتصادية التي كرسها اتفاق باريس الاقتصادي
أدان ورفض قرار الرئيس الأميركي اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها
تبني حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها ودعوة دول العالم لفرض العقوبات على إسرائيل
رفض أي طروحات أو أفكار للحلول الانتقالية أو المراحل المؤقتة بما فيها ما يسمى بالدولة ذات الحدود المؤقتة
رفض الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية

 

العربية بعباءتها السياسية

نشر بتاريخ: 2017-12-30


 

احتفلنا بلغتنا العربية في يومها العالمي، ونحن نعتقد أننا حققنا انتصارات كبيرة لصالحها، فهي حسب الأرقام التي تداولتها مواقع مهمة للإحصاءات تحتل المراتب الأولى في ترتيب اللغات العالمية، سواء من خلال الناطقين بها، أو من خلال نسبة استعمالها على شبكات التواصل الاجتماعي. وهذه الأرقام «السّعيدة» تخبرنا أننا يوما بعد يوم نصبح «خير أمة أُخرجت للناس» وهي تزيدنا غرورا وكبرياء بإنجازاتنا «العظيمة». عظمة على عظمة مع تضخم للأنا مع كل رقم كبير يبين تفوقنا. رغم أننا نستعمل أحرفنا العربية لكتابة كلمات خاطئة، فتنزلق اللغة العربية التي نفخر بها في الشقوق العميقة المظلمة، بدون أن ينتبه «غوغل» بكل عبقريته إلى أن ما يكتبه ملايين العرب على مواقعهم لا يمت للعلم بصلة، ولا للعربية بصلة، فلو غربلنا نسبة الشتائم التي يستعملها العرب ضد بعضهم بعضا، لاكتشفنا أن عدد الكلمات المكررة في تلك الآلاف المؤلّفة من السطور المكتوبة لا تتجاوز عددا قليلا من الكلمات النابية التي لا تصلح للاستعمال اليومي، إلا في الشجارات السوقية بين زعران الأحياء الشعبية الفقيرة. 
لو غربلنا الكلام العامي الذي يستعمل باللهجات الممسوخة بلغات مستعمرينا، ومزيج من لهجاتنا المختلفة عن بعضها بعضا، لاكتشفنا أننا أبعد من أن نختار الانتماء إلى هذه اللغة، فهي تجمعنا وتفرقنا في الوقت نفسه. 
لو أننا تعاملنا مع هذه اللغة الجميلة منقحة من كل شوائبها الدخيلة عليها، ومن كل ما غٌطَّت به من أغطية وعباءات سياسية دينية لبقيت في مكانتها الرفيعة، كلغة تمتلك من المعطيات الجمالية ما يجعلها ترتقي لمصاف اللغات الأولى في العالم، لا بهذا الكم من «الهشيم» اللغوي الذي يستعمل على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بأدب راقٍ وشـــعر وفنون تضاهي فنون اللغات المتقدمة.. مثل الإنكليزية التي فرضت نفسها بدون أن تلجأ لحيل وأوهام تبيعها للترويج لنفسها. 
نعم لكل شعوب الأرض أخطاؤها، ولكن أخطاءنا تزداد ثقلا، ويبدو أن رقابنا اليوم انحنت وانتكست ولحست ألسننا التراب من كثرة توعكنا اللغوي، إذ تكشف دراسات على أرض الميدان أن نتائج الامتحانات في مدارسنا من الخليج إلى المحيط في تراجع مرعب، وهذا الهبوط لا يطال التلميذ فقط، بل الأساتذة، وهذا يعني أن جامعاتنا تخرّج أناسا غير أكفاء لتعليم هذه اللغة، ليسوا أكثر من حملة شهادات جامعية لا يعرفون شيئا خارج مقرراتهم السنوية. 
أجيال بأكملها ترتكب مجازر حقيقية في حق هذه اللغة. وانحدار مستمر لها حتى في محافل تحتفي بها من قبل محبيها، كما حدث اليوم من أكاذيب مورست علينا علنًا، أٌدُّعِيَ فيه أن اللغة بخير، إذ تمت الاحتفالات لمدة يوم كامل عبر الفضائيات باليوم العالمي للغة العربية بشكل مبالغ فيه، لم نواجه فيه أنفسنا ولو بنقيصة واحدة من نقائصنا تجاهها من أجل علاج المشكلة.
في العالم الغربي يحتفل الإنكليز باليوم العالمي للغة الإنكليزية في ذكرى مولد شكسبير في التاسع عشر من فبراير/شباط من كل سنة، فيما الفرنسيون يحتفلون بيوم لغتهم في العشرين من مارس/آذار هو نفسه اليوم الدولي للفرنكفونية، الذي يحيي ذكرى اتفاقية «نيامي» الموقعة سنة 1970… ولا غرابة في أن تضم فرنسا ما يقارب الثمانين دولة تحت أجنحة لغتها، وتطلق تلك الذكرى من عمق دولة إفريقية بائسة مثل النيجر من خلال اتفاقية نيامي. وهي ليست الدولة الوحيدة التي تصنف ضمن أفقر دول العالم والتي نالت «حظ» الانتماء لقائمة الدول الفرنكفونية، بل هناك دول مشابهة مثل رواندا، ومالي وموريتانيا، ودول أخرى إفريقية وشرق أوروبية وآسيوية… وهو الوهم الذي ينعمُ به الفرنسيون، على أن لغتهم منتشرة ومستعملة لدى شعوب كثيرة، رغم أنها في الوقت نفسه الشعوب غير المرحب بها في فرنسا حين تقطع الصحارى والبحار وتدخل خلسة عبر حدودها بحثا عن الأحلام التي تفبركها الفرنكفونية. 
تشترك دول عديدة في كونها أنكلوفونية وفرنكفونية في آن، ومع هذا مستوى التعليم فيها «مثير للضحك» إن لم نقل «مثير للشفقة»، وغير ذلك فهي في صراع مستمر في ما بينها، صراع لغوي في الأساس، وجد طريقا للبروز سياسيا بشكل واضح حسب تبعية أبنائها للفيلق الثقافي المفضل، حتى تحوّل إلى شرخ يقسم الأفارقة أبناء القارة الواحدة إلى نصفين، والأوروبيين أنفسهم إلى عدة أفرقاء.
اللغة العربية أيضا في يومها العالمي فشلت في فتح حوار متعقل بين الناطقين بها والمنتمين إليها، وهذا أكبر من فشل اللغة الفرنسية التي فشلت أمام الاجتياح الأنكلوفوني للأدمغة الشابة في عقر فرنسا وفي كل العالم، بعد أن أصبحت الإنكليزية الأولى علميا واقتصاديا وتكنولوجيا وثقافيا. أكثر من 290 مليون شخص يتكلمون باللغة العربية، ومع هذا فإن العربية بقيت رابطا هشا بين العرب، وهذا شيء منطقي ما دامت اللغة مادةَ تخاطب وتفاهم وليست مادة «هوياتية» فالعربية مرتبطة باللسان، لا بالجذور المغروسة في التراب، وهذا ما أفشل كل المشاريع السياسية لتعريب الشعوب التي تنتمي اليوم للخريطة العربية وليست عربية في الأصل.
ولعلّ دور العربية كان ليخدم هذه المساحة الجغرافية الواسعة بما تحويه من تنوع ثقافي لو أنها دخلت قلوب الناس بعباءتها الثقافية العلمية، مدعومة بحركة ترجمة جادة وقوية للعلوم، بدون «العصا» التي حملها رجال السياسة لفرضها كبند رسمي وطني على مجتمعاتهم، ما أحدث قطيعة لهذه المجتمعات مع ماضيها، فبات العربي الحالي مهزوز الشخصية، جبانا، خائفا، فاشلا، مهزوما، منافقا، يكذب على نفسه ويصدق كل أكاذيبه، يتعاطى هذه اللغة من باب الخوف لا من باب المحبة، حاملا توابيت انتصارات موغلة في القدم، منهكا بهزائم الحاضر، غير مصدق أنه العربي الذي يستعمل لغة القرآن ومع هذا فهو مهزوم حتى النخاع، وأنّه العربي العاجز تماما عن بناء جسور صداقة حقيقية مع عربي آخر، أو جسور تجارية متينة على الأقل، فكل هذا العالم العربي فاغر فاه ليبتلع الأغذية، والأدوية الأجنبية، وكل جسوره الحقيقية توصله للغرب الذي روّضه بالحكمة، ليصبح تابعا لغويا له أيضا، بعد التبعية العلمية والتكنولوجية التي لا مهرب منها في هذا الزمن. 
أخفقت مشاريع التعريب في مدارسنا وجامعاتنا، ولم تثمر غير ثمر ضعيف، لا فائدة منه، ما جعل بعض الدول العربية تراجع نفسها، وتغير برامجها التعليمية، بما يتناسب مع مستوى التعليم العالمي، حتى المثقف العربي متى ما سنحت له الفرصة نجده يطور نفسه بتعلم لغات حية تفتح أفقه على ثقافات أخرى، إذ لم يعد يكتفي بلغته الأم، بل تلزمه لغة «حيّة» تفيده في بحوثه، ودراساته، وتمكنه من الاطلاع على مراجع جديدة في ميدان تخصصه. 
لقد قرع الفرنسيون مثلا أجراس الخطر منذ سنوات، حين تراجعت اللغة الفرنسية تراجعا مخيفا على سلم مستعمليها، وكذا فعل الإسبان لحماية لغتهم من الاجتياح الأنكلوفوني، ويبدو لي أنه على العرب اليوم أن يتوقفوا عن تعليم أبنائهم اللغة العربية بالعصا السياسية والدينية، وأن يتوقفوا عن تقديمها لهم على شكل نصوص أكل عليها الدهر وشرب بتقنيات قديمة قاتلة، فاللغة مكسب إنساني يزيد من فرص النجاح لأي فرد يتقن لغة إضافية، ولا داعي لسلخ فرد من لغته ليتعلم لغة أخرى، فقد أثبتت التجربة التاريخية أن التبعية اللغوية تأتي بالتفوق العلمي وازدهار الأدب والفنون. ومن هذا الباب يمكننا أن نبني علاقة صحية وصحيحة مع اللغة العربية، لا لحمايتها من الاندثار فقط، بل لحماية تراث عظيم ونفائس تاريخية وأدبية وعلمية لم يتسن لنا أن نطلع عليها بعد، والتصالح معها على أنها باب معرفة وتواصل، وليست بصمة نعرّف بها أنفسنا.

بروين حبيب

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
Developed by