Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

وصابروا

 اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
صدق الله العظيم

دع السياسة واكتشف العالم! (ماذا تفعل الهند؟)

نشر بتاريخ: 2017-12-06

 
في حوار على قناة «إم إس إن بي سي» مؤخراً، وصفتُ السياسة الأميركية في الوقت الراهن بأنها «مرض يدمر العقل». وأطلقت ذلك الوصف بسبب التغريدات والتصرفات الغاضبة التي لا تتوقف، والسلوكيات غير الملائمة، التي تجبرك كمعلق سياسي على خيارين أحلاهما مر: فإما أن تتجاهل جلّ ذلك، وتجازف بالتكيف مع التجاوزات، أو تكتب عنها بصورة مستمرة، وتجازف أيضاً بأن يضيع وقتك فلا تستطيع التعلم أو كتابة تقارير عن الاتجاهات الكبرى التي تشكل العالم في الوقت الراهن، والتي ستذهل القراء، وتجعلهم يتساءلون: «لماذا غاب عن أذهاننا كل هذا؟».

ولكي أحصّن نفسي من «مرض» السياسة الأميركية، فإنني من حين إلى آخر أسافر إلى أبعد مكان ممكن. وفي هذه المرة سافرت إلى الهند، حيث تعلمت أموراً كثيرة كنت أجهلها، وتوصلت إلى أن الهند تحاول الخروج قفزاً من براثن الفقر، واللحاق بالصين، من خلال الانخراط في عملية رقمنة سريعة لاقتصادها بأسره، وشبكات طاقتها.




وتبدو الصين منشغلة في تحويل أقاليمها إلى مجتمعات «بلا أوراق نقدية»، حيث يمكن للسكان دفع مقابل الأشياء بمجرد الضغط على هواتفهم المتحركة، بما في ذلك التبرعات للمحتاجين، أو حتى شراء الأشياء من ماكينات البيع بخاصية التعرف على الوجه، وتحاول الهند أيضاً اقتفاء أثرها.
ولعل هذه من الاتجاهات الكبرى، وفي عالم تعتبر فيه البيانات هي النفط الجديد، تنشئ كل من الصين والهند مستوعبات عملاقة للبيانات الرقمية التي يستغلها المبتكرون لصياغة تطبيقات يمكن استخدامها بصورة متبادلة، من أجل تقديم صور جديدة رخيصة من التعليم، والتأمين الصحي، والترفيه، والخدمات المصرفية والمالية.

وقد أدهشني أحد التغييرات الكبيرة في الهند، ففي عام 2009، قاد صديقي «ناندان نيلكاني»، رائد الأعمال في قطاع التقانة= التكنولوجيا، فريقاً من الخبراء، ساعد الحكومة التي كان يقودها آنذاك حزب «المؤتمر» على إطلاق نظام هوية رقمية وطنية، تعرف بـ«آدار» وتعني «قاعدة بيانات».

فقد تم جمع قاعدة بيانات بيومترية تشمل بصمات الأصابع وقزحية العين لكل هندي، غنياً كان أو فقيراً، من خلال الذهاب إلى مكتب ميداني، وتم ربط تلك البيانات برقم هوية مكون من 12 رقماً لكل فرد، وتشمل البيانات الأساسية مثل: الاسم والعنوان وتاريخ الميلاد والنوع. وعندما ترك حزب «المؤتمر» السلطة في عام 2014، وتولى حزب «بهاراتيا جاناتا» بقيادة «ناريندرا مودي»، واصل «مودي» مشروع «آدار»، ليصل عدد مستخدميه في الوقت الراهن 1.18 مليار مستخدم، من إجمالي عدد السكان البالغ 1.3 مليار شخص.

وفي دولة، كان كثير من سكانها يفتقرون إلى أي شكل من أشكال مستندات الهوية، مثل شهادة الميلاد أو رخصة القيادة، فإن ذلك المشروع كان بمثابة ثورة، فقد أصبح الآن بمقدورهم فتح حساب بنكي، والحصول على مساعدات حكومية تُرسل مباشرة إليهم، بدلاً من إرسالها عبر موظفين حكوميين ومصرفيين أو عمال بريد ينتزعون منها 30 في المئة سنوياً، ومن ثم يربطون حساباتهم المصرفية بهواتفهم المتحركة، ليتمكنوا من خلالها من الشراء والبيع وتحويل الأموال واستلام الدفعات، بصورة رقمية، من أي مكان وفي أي وقت.

ومنصات الشبكات الرقمية التي تجاوزت حاجز المليار مستخدم، مثل «فيسبوك» و«جوجل» و«واتس آب»، جاءت جميعها من القطاع الخاص. وأما «آدار» فهي «المنصة الوحيدة غير الأميركية التي تتخطى عتبة المليار مستخدم، والنظام الفريد من نوعه الذي طوره القطاع الحكومي»، حسبما أفادت دورية «هارفارد بيزنس ريفيو». وقد تميزت هذه المنصة أيضاً بأنها وصلت إلى مليار مستخدم في أسرع وقت.

وقد أضحى الآن بمقدور أي مزارع هندي الذهاب فقط إلى واحد من بين 250 ألف مركز مجتمعي حكومي، حيث يوجد جهاز كمبيوتر وخدمة «واي فاي» ورائد أعمال محلي يدير المركز، للولوج إلى موقع الخدمات الرقمية الحكومية من خلال هوية المزارع، ومن ثم الطباعة الفورية لشهادة ميلاد أو سجلات الأراضي اللازمة من أجل الصفقات.

وقد أسس «نيلكاني» وزوجته «روهيني»، مؤسسة أطلقا عليها اسم «إكستيب»، لابتكار تطبيقات تعليمية للهواتف المتحركة، بهدف مساعدة الآباء والمعلمين والطلاب، عبر هواتفهم، لتسهيل التعلم بطريقة أسرع، واستخدام تلك الشبكات الرقمية الجديدة. ومثلما أوضح «شانكار مارووادا»، المؤسس المشارك لـ«إكستيب» ورئيسها التنفيذي، فعلى النقيض من شبكات مثل «فيسبوك»، التي يرتكز نموذج عملها على «جذب انتباهك»، فإن «منصات مجتمعية» مثل «إكستيب» و«آدار»، تهدف إلى «الحفاظ على المصلحة»، ولاسيما مصلحة الفقراء.

وثمة ابتكارات مماثلة في قطاع الطاقة، مثلما أفاد «ماهيش كولي»، رئيس شركة «جرينكو»، أكبر مزود للطاقة المتجددة في الهند. وقد بلغت سرقة التيار الكهربائي من شركات التوزيع الحكومية زهاء 20 في المئة من إنتاجها، نتيجة إما عدم قدرة الشركات على تحديد مستخدميها، أو مدّ الناس للأسلاك لسرقة الكهرباء من الشبكة. ولفت «كولي» إلى أن الحكومة بات بمقدورها الآن «ربط هويتي بفاتورة الكهرباء الخاصة بي، ومن ثم ربط مساعداتي الحكومية مباشرة وبصورة رقمية، إن كنتُ فقيراً، بتلك الفاتورة».

وقد بنت شركة «جرينكو» أكبر مشروع للطاقة الشمسية في العالم، على مساحة 3000 فدان، بألواح شمسية ذات صناعة صينية، تولد 800 ميجاواط، ومن ثم توفّر الطاقة لأكثر من 600 ألف منزل في ولاية «أندرا براديش».

 

توماس فريدمان

يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
Developed by