Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

وصابروا

 اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
صدق الله العظيم

الولايات المتحدة بحاجة إلى «استراتيجية عليا» في الشرق الأوسط .. كما يكتب موشيه بوغي يعلون*

نشر بتاريخ: 2017-12-03
 

تميزت السنة الأولى لولاية ادارة ترامب بسلوك أميركي يفتقد إلى خط التوجيه المستقر بالنسبة للشرق الاوسط. وتتبدل ببطء الامال الكبرى، التي علقتها الكثير من دول المنطقة على تغير الادارة ودخول رئيس فاعل الى البيت الابيض، إلى احساس بالتشويش والحرج، في ضوء غياب الثبات من جانب الولايات المتحدة والسلوك بلا اهداف استراتيجية واضحة. ومع نهاية السنة الاولى لولاية ترامب تبرز الحاجة الى بلورة استراتيجية اميركية عليا بالنسبة للشرق الأوسط.

قلّص الرئيس اوباما، باستثناء سعيه الى الاتفاق مع إيران، تدخله في الشرق الاوسط، ولكنه اضطر الى العودة للتدخل في المنطقة بسبب التحدي الذي مثلته «الدولة الاسلامية». كما أن الرئيس ترامب تحدث هو الآخر في حملة الانتخابات لصالح تقليص تدخل الولايات المتحدة في ساحات مختلفة في العالم، ولكنه كان مطالبا بان يتصدى لاتساع الهيمنة الايرانية، ولمواصلة القتال ضد «الدولة الاسلامية»، وكذا لمحاولة خلق استقرار في سورية، العراق، لبنان، اليمن، وليبيا.

يتضح من ذلك ان ليس للإدارة الاميركية مفر غير ان تواصل أداء مهامة «الشرطي العالمي» لتجسيد مصالح الولايات المتحدة؛ ففي ظل وجود الفراغ وفي اماكن عديدة في العالم بشكل عام، وفي الشرق الاوسط بشكل خاص، تملأ هذا الفراغ جهات تعمل ضد المصالح الاميركية. والدليل هو أنه في فترة الادارة الاميركية السابقة استغلت الفراغ ايران، «الدولة الاسلامية»، تركيا، وروسيا.

من أجل بلورة استراتيجية اميركية عليا في المنطقة يجب أولا الاتفاق على تحليل الوضع. فالميزة الأساس للشرق الاوسط في الحاضر هي الصراع على الهيمنة الذي يديره ثلاثة معسكرات اسلامية متطرفة:

- المعسكر الايراني – الشيعي، الذي يسعى دوما الى توسيع نفوذه، لتثبيت أنظمة اسلامية في المنطقة وشق العالم العربي السني.
-  المعسكر السلفي – الجهادي السني، بريادة «الدولة الاسلامية» و»القاعدة»، والذي يسعى الى اقامة الخلافة.
-  معسكر «الاخوان المسلمين» برعاية الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، والذي يسعى الى امبراطورية عثمانية على اساس ايديولوجيا «الاخوان المسلمين».
يعرض هذا المقال عدداً من خطوط التوجيه، يجدر أن توجّه الولايات المتحدة عند بلورة استراتيجيتها حيال المنطقة ولاعبيها المختلفين.

حيال النظام الإيراني
يعمل النظام الايراني بنشاط على توسيع نفوذه في المنطقة. وقد حظي بانجازات عديدة بسبب ضعف الادارة الاميركية السابقة، مثلما وجد تعبيره ايضا في الاتفاق النووي. هكذا، فان النظام الايراني بعد الاتفاق النووي، بينما هو محرر من العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية وبلا تحديات عسكرية أو داخلية، نجح في توسيع نفوذه الى العراق واليمن، وهو يسيطر في لبنان، ويتطلع الى السيطرة في سورية، ويتآمر على الانظمة السُنية في المنطقة مثلما في البحرين وفي السعودية، ويدعم «حماس» وتنظيم «الجهاد الاسلامي» في حربهما ضد اسرائيل.

ان الخطاب الذي القاه الرئيس ترامب في ايلول الماضي في موضوع الاتفاق النووي بين القوى العظمى الست وايران مهمة للغاية. واشارت اقواله الى تغيير في السياسة واستيعاب خطورة التهديد الذي يمثله النظام الايراني على استقرار الشرق الاوسط والعالم. فالادارة الاميركية، مثل الانظمة العربية السُنية واسرائيل، تصنف النظام الايراني كالتهديد رقم 1 في الشرق الاوسط، وليس كجهة تساهم في استقرار المنطقة. وعليه، فانها جزء من الحل، مثلما رأته إدارة اوباما. ومع ذلك فمن أجل التصدي للتحدي الايراني وتحقيق الهدف الذي حدده الرئيس ترامب في خطابه، على الادارة ان تمتنع عن الانشغال بفتح الاتفاق النووي، الآن، وبدلاً من ذلك أن تتخذ سياسة تندرج فيها الضغوط على النظام، بحيث تنشأ لديه مرة اخرى معضلة بين استمرار نشاطه العاق والتآمري، وبين بقائه. اما فتح الاتفاق فسيخلق انشقاقا بين الولايات المتحدة والدول الخمس المشاركة في الاتفاق النووي، بدلاً من رص الصفوف وممارسة الضغط على النظام الايراني.

ان فتح الاتفاق لا حاجة له لأنه يمكن ممارسة الضغط على النظام الايراني منذ اليوم دون فتح الاتفاق النووي، بسبب خروقاته لقرار مجلس الامن في موضوع نشر السلاح، الارهاب، مشروع الصواريخ، وكذا خرق حقوق الانسان، بما في ذلك الاعتقال والاعدام لمعارضي النظام. وبالتوازي على الادارة الاميركية ان تقود نحو رقابة اكثر تشددا على المشروع النووي الايراني، والاستثمار في الاستخبارات والتعاون مع الحلفاء، للايفاء بالهدف الذي حدده الرئيس ترامب، وهو حرمان إيران من القدرة النووية العسكرية.

حيال المعسكر السلفي الجهادي
يسعى الجهاديون السُنة الى اقامة الخلافة، وسواء عاجلا، بطريقة «الدولة الاسلامية» التي اعلنت اقامة الخلافة واقامت المنظومة المدنية لادارة المناطق التي احتلتها بالتوازي مع الكفاح العسكري للحفاظ على هذه المناطق وتوسيعها، أم آجلا بطريقة منظمة «القاعدة» التي تسعى أولا لالغاء تدخل الغرب في الشرق الاوسط وإسقاط أنظمة المنطقة «الكافرة» كي تقيم الخلافة بعد خرابها. هذه الجهات يجب أن تتكبد الهزيمة.

ركزت ادارة اوباما على القتال ضد الدولة الفلسطينية، وعادت لتركز على الشرق الاوسط برئاسة تحالف ركز على مهاجمة التنظيم، ولا سيما ذخائره الاقليمية. وتواصل ادارة ترامب الهجوم، وبالفعل، فان «الدولة الاسلامية»، التي فقدت معظم الاراضي الاقليمية التي سيطرت عليها في العراق وفي سورية، قريبة من الهزيمة. ورغم الهزيمة المرتقبة لهم على الارض، فان «الدولة الاسلامية»، «القاعدة»، وايديولوجيتهما، سيواصلون تحدي الدول التي تقاتلهم، سواء من خلال القتال داخل المعاقل الاقليمية التي لا تزال لهم في شبه جزيرة سيناء، في ليبيا، وفي اليمن أم عبر عمليات الارهاب التي مصدرها هذه المناطق، وفي شبكات الارهاب السرية التي تبقت لهم اساساً في العراق، في سورية، وفي شمال افريقيا. هذا الارهاب سيركز ليس فقط على الدول العربية بل على الغرب كذلك.

بفضل حجمها العالمي، فان الحرب ضد عناصر «الجهاد السلفي» تستدعي حشدا للجهود الدولية بقيادة الولايات المتحدة، في ظل التعاون الاستخباري، العملياتي، الاقتصادي، والسياسي بين كل العناصر ذات الصلة في العالم بشكل عام وفي الشرق الاوسط بشكل خاص، لالحاق الهزيمة بهم في المناطق التي تحت سيطرتهم ومن أجل احباط الارهاب الذي يعتزمون تفعيله في كل مكان في العالم.

حيال معسكر «الإخوان المسلمين»
وكما أسلفنا فان الرئيس التركي اردوغان يؤيد «الإخوان المسلمين» في الشرق الاوسط، ويتطلع لإعادة تموضع تركيا كامبراطورية عثمانية جديدة على اساس ايديولوجيتهم. وفي عهد ادارة اوباما لم يمارس اي ضغط اميركي أو دولي ذي مغزى على اردوغان رغم أنه عمل بخلاف المصالح الاميركية والاوروبية وذلك من خلال تقديم المساعدة الاقتصادية لـ»الدولة الاسلامية» من خلال شراء النفط من التنظيم، اعطاء امكانية (وبالتأكيد عدم منع) عبور الجهاديين من كل العالم عبر تركيا، سواء في طريقهم الى الانضمام الى «الدولة الاسلامية» في سورية وفي العراق، أم في طريق عودتهم الى دولهم، ولا سيما الى اوروبا، كمخربين مدربين ومجربين. وكانت النتيجة عمليات قاسية، نفذت في اوروبا في السنوات الاخيرة من هؤلاء النشطاء؛ اعطاء امكانية بل تشجيع الهجرة غير القانونية للمسلمين الى اوروبا (لاجئين ومهاجري عمل) عبر تركيا، وبالاساس عبر الجزر اليونانية في بحر ايجا من خلال جهاز التهريب التركي. ولا يخفي اردوغان نيته أسلمة اوروبا من خلال تغيير ديمغرافي فيها.

تركيا لم تدفع اي ثمن على سلوكها هذا. وبالتالي فان على الولايات المتحدة الى جانب الدول الاوروبية أن تمارس روافع الضغط المتوفرة ضد تركيا كعضو في «الناتو» وكدولة متعلقة اقتصاديا بالتجارة معها كي تتصرف بناء على ذلك. من الجدير الاشارة الى أن الضرر النابع من عدم استخدام هذه الروافع لا يتلخص فقط بمواصلة التآمر التركي بل ايضا يمس مباشرة بمكانة «الناتو» وقوة ردعه وردع الولايات المتحدة حيال الاكراد.
لو كانت الولايات المتحدة تتصرف كـ»شرطي عالمي» لمنعت مسعود برزاني من السير بعيداً في موضوع الاستقلال الكردي، ناهيك عن انه كانت هناك محاولة من جانب الادارة الاميركية لحمله على عدم اجراء الاستفتاء، حيث تكبدت الولايات المتحدة فشلا في منع الازمة. واليوم، من الواضح ان ليس الاكراد فقط بقيادة مسعود البرزاني دفعوا ثمنا على سياسته، بل كنتيجة لهذه المهزلة تضررت مكانة الولايات المتحدة أيضا وتعزز المعسكر الايراني الشيعي.

حيال روسيا
من الواضح أن أحد اهداف الرئيس فلاديمير بوتين في تدخله ونشاطه في الشرق الاوسط بشكل عام، وفي سورية بشكل خاص، هو تعزيز مكانة روسيا كقوة عظمى عالمية. رغم ذلك، يمكن الوصول الى تفاهمات بين ترامب وبوتين بشأن تقسيم مناطق النفوذ. في سورية مثلا، المصالح الروسية تتركز في علويستان الاصلية وليس في الاجزاء الاخرى التي سيطر عليها بشار الاسد، أو في القسم الكردي او ذاك الذي في شرق سورية – المناطق المتماثلة أكثر مع المصالح الاميركية. وتقسيم مناطق النفوذ هذا يمكنه ان يكون أساساً لتوافقات وتفاهمات انطلاقا من فرضية عمل واقعية بانه لا يمكن توحيد سورية من جديد. وبدلا من ذلك، ينبغي الاعتياد على فكرة الانطواء في جيوب تكون منسجمة نسبيا من ناحية ديمغرافية، مثل علويستان السورية، كردستان السورية، وسنستان السورية. على الولايات المتحدة أن تمتنع عن هجر الساحة السورية بشكل يجعلها منطقة نفوذ روسية - ايرانية صرفة.

حيال المعسكر السُني البراغماتي
جعلت ادارة اوباما المعسكر العربي السني يشعر بانه متروك لمصيره بل تمت خيانته. فدحر الرئيس حسني مبارك، عدم دعم الرئيس عبد الفتاح السيسي في مواجهة «الاخوان المسلمين» في مصر في بداية الانقلاب المضاد، وكذا السير مع المعسكر الشيعي بقيادة ايران انطلاقا من رؤيتها كجزء من الحل في الحرب ضد «الدولة الاسلامية»، كل هذه أدت الى أزمة ثقة بين الولايات المتحدة ومن كانوا حتى ذلك الحين حلفاءها الطبيعيين في المنطقة. يعبر الرئيس ترامب عن سياسة مختلفة، وجدت تعبيرها في زيارته المهمة الى الرياض في ايار 2017 وبالمحاولة لدعم (سياسي، اقتصادي وعسكري) للعناصر السنية غير الجهادية في سورية مثل «قوات السورية الديمقراطية». ليس واضحا اذا كانت سياسة الدعم للسُنة غير الجهاديين مستمرة. وبالفعل منذ بداية المعركة في الرقة توجد مؤشرات الى تعاظم المساعدة الاميركية، ولكن مع خبو المعارك الكبرى، وربما في اعقاب تفاهمات ترامب – بوتين في الموضوع السوري، توجد مؤشرات  إلى أن الدعم والمساعدة يتقلصان. وهذا خطأ جسيم. اذا كان الامر صحيحا فان الولايات المتحدة تبدو مرة اخرى في نظر السنة في الشرق الاوسط سندا متهالكا، مقابل بوتين الذي ينجح في أن يبدو ملخصا لحلفائه.

على الولايات المتحدة أن تتخذ موقفا واضحا حيال السنة وضد المعسكر الشيعي بقيادة ايران. والتجربة الايجابية في دعم الاكراد في حربهم ضد «الدولة الاسلامية» يجب ان تشكل مثالا لدعم مشابه للسُنة غير الجهاديين. في هذا السياق، كان بوسع الولايات المتحدة أن تستعين بالدول العربية السُنية، التي تعمل انطلاقا من مصلحتها لمنع انتشار النفوذ الشيعي، السلفي الجهادي، او نفوذ «الاخوان المسلمين».

وخلاصة القول فان الشرق الاوسط كمنطقة توجد فيها مصالح اميركية صرفة من جهة وكمنطقة مركبة وقابلة للتفجر جدا من جهة اخرى، يستدعي تحديات عظيمة، أمام الولايات المتحدة، يتداخل الواحد بالآخر. وبناء على ذلك، فان الولايات المتحدة لا يمكنها أن تسمح لنفسها بفك ارتباطها بالمنطقة. على ادارة ترامب ان تصوغ بشكل واضح اهدافها في المنطقة وان تتخذ في ضوئها استراتيجية تسمح بان تتصدى بالشكل الافضل للعناصر المتطرفة والهازة للاستقرار فيه، في ظل تعزيز حلفائها في المنطقة كي يشكلوا مضاعف قوة ضد هذه العناصر.

بعد ثماني سنوات من سياسة خارجية وأمن أضعفت مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمية، فان عدم اصرار ادارة ترامب على مصالحها ومصالح حلفائها في الشرق الاوسط سيؤثر بشكل سلبي على مكانة الولايات المتحدة في العالم بشكل عام وحيال كوريا الشمالية وايران بشكل خاص. فالفجوة بين الاقوال والافعال – ما يعكس عدم رغبة عدم تصميم وعدم جودية – من شأنها ان تضعف أكثر فأكثر مكانتها. ان التجربة التاريخية للادارات السابقة في الانطواء في الداخل وعدم تشكيل «شرطي عالمي»، او تأجيل المواجهة مع التحديات الأمنية الى الادارات التالية، تثبت أنه مع مرور الوقت يصبح هذا التصدي للتحدي اصعب أكثر فأكثر.
وعليه، فان على الادارة أن تبلور استراتيجية عليا، تقدم جوابا للمصالح الاميركية وحليفاتها، ويفضل أن تكون في ساعة مبكرة أكثر.

عن موقع «معهد بحوث الأمن القومي» 

* وزير الدفاع الإسرائيلي السابق.
Developed by