Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

وصابروا

 اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
صدق الله العظيم

عارف العسلي وقرار التقسيم والنكبة واللجوء! .. كما يكتب عماد شقور

نشر بتاريخ: 2017-12-03
 
 

عارف العسلي، ابن القدس، سبق عصره، مثقف ذكي، شجاع وجريء. لم يتردد، إذا تكونت عنده قناعة راسخة، في إعلان رأيه صراحة، ودون مواربة. لكنه دفع، جرّاء شجاعته، ثمنا باهظا، وهو جدير بأن يكون قدوة للمفكرين والكتاب السياسيين الفلسطينيين، لينيروا الطريق، الذي يعاني من العتمة، أمام شعبهم الفلسطيني وقياداته السياسية والفكرية والمجتمعية.

مصدر بعض ما سأّخطه في هذا المقال عن عارف العسلي، حتى الآن على الأقل، هو الصحافي والباحث الإسرائيلي واسع الاطلاع، يهودا ليطاني.
ولد عارف العسلي عام 1910 في القدس، لعائلة مقدسية عريقة، كان منها قادة لحامية القدس، (الدزدار باللغة التركية)، في أواسط أيام الامبراطورية العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. بعد إنهاء تعليمه الابتدائي والثانوي في القدس، التحق بكلية الحقوق في الجامعة الأمريكية في بيروت، وتخرج منها ليعود إلى القدس في مطلع الثلاثينات، ويفتح فيها مكتب محاماة.

لم يحصر عارف اهتمامه بمكتبه فقط فقد شغله الشأن العام. تعلم اللغة العبرية واتقنها، وتابع بعين المثقف المفكر الواعي هموم القدس وأهلها وفلسطين عموما. وخلص إلى استنتاجات وقناعات حول ما يدور في فلسطين من أحداث وتطورات، في ظل الانتداب/الاستعمار البريطاني، المكلف من «عصبة الأمم» بتطبيق وعد بلفور. وتابع التطورات في ساحة الأقلية اليهودية في فلسطين، وتزايد عددها، وتنظيم صفوفها وتطوير قدراتها العلمية والاقتصادية والعسكرية والسياسية الحزبية وتحالفاتها المتينة مع القوى الاستعمارية، ودعم الجاليات اليهودية في أمريكا ودول الغرب لها.

في مقابل ذلك، تابع عارف العسلي ما يحصل من تطورات على الساحة الفلسطينية، ولاحظ بعينه مدى الاختلاف بين التطورات الإيجابية في الساحة اليهودية، والتطورات السلبية في الساحة العربية الفلسطينية.

في نهاية العام 1937 لم يتردد في نشر ملاحظاته وقناعاته في كتيِّب ضمّنه ما آمن به من آراء واقتراحات سياسية صادمة لكل من يعيش على أحلام وأوهام، لا علاقة لها بالواقع، والتي تشكل مزيجا ثابتا لكارثة مقبلة، سريعة التحقق، تعارف الفلسطينيون لاحقا على تسميتها «النكبة».

قال عارف العسلي في كُتيِّبه، حسب ما روى لي يهودا ليطاني، (وأنا أورد ذلك دون اقتباسات حرفية لم تتوفر لي حتى الآن)، أن القوة والقدرات اليهودية في فلسطين في تصاعد وترسُّخ، في مقابل القوة والقدرات الفلسطينية الآخذة في الانزلاق والتدهور والتأخر. ولما كان من المؤكد أننا في نهاية المطاف سنصل إلى مرحلة ومحطة التفاوض حول المستقبل في فلسطين، فإن المصلحة الفلسطينية الحقيقية، هي فتح باب التفاوض مع اليهود ومع بريطانيا الآن، للتوصل إلى اتفاقية تضمن الكثير من حقوقنا ومصالحنا القابلة للتحقق. وكلما تأخرنا في انتهاج هذه السياسة، قلّت حظوظنا، وأصبح ما هو ممكن الآن، غير ممكن في ذلك التوقيت المستقبلي. وزاد عارف العسلي على ذلك القول، إذا لم ننتهج هذه السياسة، فقد نجد أنفسنا بعد عشر سنوات أو عشرين سنة، وقد خسرنا فلسطين، وتشتتنا لاجئين في العالم.

لم ترق تلك الاستنتاجات والقناعات للحاج أمين الحسيني، ولم يستطع تحمّل صدور ونشر هذه القناعات في كتاب يوزع في فلسطين. أمر الحاج أمين الحسيني باعتقال عارف العسلي المثقف المفكر الجريء، وشكل محكمة له أصدرت حكمها بإعدامه.

عندما علم والد عارف العسلي بالأمر، وكان يومها محافظا للكرك في شرق الأردن عاد فورا إلى القدس. وعندما فتح له الباب للدخول إلى «حضرة» الحاج أمين الحسيني، خرَّ على ركبتيه وبدأ التقدم إلى الحسيني زحفا. تفاجأ الحاج أمين الحسيني وتقدم نحوه ليوقفه على قدميه، متسائلا عن السبب، فقال له الوالد: ابني عارف!!. عندما استمع الحسيني إلى ما قاله الوالد عن ابنه، واستوعب فداحة الخطب، كان قراره: إلغاء قرار الإعدام، مشروطا بثلاثة شروط:

1ـ جمع نسخ الكتاب، (الذي كان قد توزع على مكتبات القدس ونابلس فقط)، وإحراقها.
2ـ تكفُّل الوالد أن لا يعود عارف إلى الكتابة.
3ـ أن يُبعد عارف العسلي عن فلسطين.

وافق الوالد على الشروط الثلاثة: جمعت نسخ الكتاب وأُحرقت. وتعهد الوالد بتوقف عارف عن الكتابة. وتم إبعاد عارف عن فلسطين إلى لبنان.

في لبنان، لجأ عارف العسلي إلى بيروت، وهناك بدأ العمل في تدريس اللغتين اللتين يتقنهما: العربية والعبرية. لكن عندما أقرّت الأمم المتحدة القرار 181 الخاص بتقسيم فلسطين، وما صاحب ذلك من مظاهرات عربية عارمة في فلسطين و»دول الطوق» وغيرها، كانت مساهمة الجامعة الأمريكية في بيروت، في تلك «الهمروجة» إلغاء تعليم اللغة العبرية، الأمر الذي عنى بالنسبة إلى عارف العسلي، فقدان نصف وظيفته.
هذا الفقد لنصف الوظيفة ونصف الدخل، بالنسبة لعارف العسلي، اضطره إلى البحث عن نصف عمل آخر، فعمل نادلا (غرسونا) في مطعم في محيط الجامعة الأمريكية.

في أحد أيام خريف سنة 1949، قدّم النادل عارف العسلي لـ»الزبون» الحاج أمين الحسيني، طبقا من الحمّص مع قليل من الفول، لإفطاره، ولم يتمالك نفسه من القول: ألَم أقُل لك يا حاج؟ ها أنت لاجئ، ومعك أكثر بكثير من نصف شعبنا الفلسطيني.

عارف العسلي توفي سنة 1990 في البقاع في لبنان، ودفن هناك. كثيرة هي الأمور التي أحزن لعدم تمكني من تحقيقها أثناء إقامتي في لبنان من سنة 1970 حتى سنة 1982، قد يكون عدم معرفتي لقصة عارف العسلي، وبالتالي عدم محاولتي التعرف عليه وعلى أفكاره وحكمته وبعد نظره ووطنيته وشجاعته، هي بين الأهم من تلك الأمور.

حقيقة أخيرة يجدر بي تسجيلها: على مدى عشرين سنة حتى الآن، من سماع رواية يهودا ليطاني عن كتاب عارف العسلي وحياته ومماته، من 1997حتى 2017، لم أوفق في العثور على نسخ من ذلك الكتاب. وكان آخر ما توفر لدي الاطلاع عليه، هو نسخة من كتيّب آخر لعارف العسلي، خاص بالمقارنة والقرب بين اللغة العربية واللغة العبرية، وكلتاهما من أصل اللغات السامية الواحدة.

 وحتى تلك النسخة التي ابلغتني مسؤولة مكتبة الجامعة العبرية في القدس توفرها في المكتبة، هي الوحيدة، ولذلك فإن إخراجها من صالة المكتبة ممنوع. وعليه فقد اضطررت للاكتفاء بتصويرها والاحتفاظ بصورتها.

قبل سبعين سنة بالتمام والكمال من هذا الأسبوع، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإيجاب على القرار 181 الخاص بتقسيم فلسطين، لتقوم عليها ثلاث كيانات سياسية: دولة يهودية على أكثر من 50٪ من أرض فلسطين؛ ودولة عربية على أقل بقليل من 45٪ من أرض فلسطين؛ ومنطقة دولية تضم القدس ومحيطها على نحو 5٪ من أرض فلسطين.

احتفل اليهود بشكل غير مسبوق في فلسطين وفي دول الشتات اليهودي بهذا القرار. ورفضه قادة الفلسطينيين، وأولهم، في تحمل المسؤولية التاريخية، وأشهرهم الحاج أمين الحسيني.

«قرار» الفلسطينيين مبرَّر، إذا اعتمدنا مبدأ الحق الطبيعي والتاريخي والمنطقي. لكنه قرار بائس إذا اعتمدنا مبدأ السياسة التي تتعاطى مع الواقع القائم، في المرحلة التاريخية المعنية. وكذلك إذا اعتمدنا مبدأ إمكانية القبول المشروط، وإعادة فتح ملف الاتفاقية المجحفة، حال تغير الظروف، وملائمة ميزان القوى. جميع دول العالم تتعامل بهذا المبدأ، لتصحيح اتفاق يهضم حقوق الطرف المعني، ولا يأخذ مصالحه بعين الاعتبار.

ها نحن، بعد سبعين سنة من قرار التقسيم والنكبة والعذاب واللجوء والثورة المسلحة والتضحيات، نتفاوض على 27٪ من أرض فلسطين، ونحتفل بإقرار الأمم المتحدة عضوية دولة فلسطين كمراقب في الهيئة الدولية.

أين هو المفكر والكاتب الفلسطيني الوطني الصادق الشجاع، الجدير بأن يكون صنواً لعارف العسلي؟.

٭ كاتب فلسطيني
Developed by