Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

وصابروا

 اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
صدق الله العظيم

نحو أجندة عربية جديدة

نشر بتاريخ: 2017-11-29

 
الأجندة الجديدة التي أقترحها هنا هي المنافسة أو المباراة إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من القوة الناعمة بدلاً من الانغماس في المعارك الدامية داخلياً وخارجياً. وليس فقط من أجل تحسين صورة العرب الخارجية، بل من أجل بناء سلام داخلي أيضاً. من الـ67 مؤشراً لهذه القوة الناعمة، أعرض أربعة عناصر أساسية تم تطبيقها بالفعل في حالة الإمارات العربية المتحدة.

أولاً- الإمارات هي الدولة العربية الوحيدة التي وضعت نظاماً فيدرالياً في سنة 1971 وحافظت عليه حتى الآن، أي لفترة 46 عاماً، وذلك في وقت كان فيه معظم الفكر السياسي العربي التقليدي يربط بين النظام الفيدرالي وبين ضعف السلطة السياسية، بل حتى أنه كان يرى في الفيدرالية سبباً لتفكك الدول.




ثانياً- تضيف الإمارات إلى رصيدها من القوة الناعمة، تشكيلها الوزاري الذي يتضمن وزارات جديدة، مثل وزارة السعادة ووزارة التسامح.
ثالثاً- إن العديد من تلك الوزارات تم منحها للشباب والنساء الشابات، هذا خلافاً لنمط عربي غالب يبالغ في التأكيد على خبرة كبار السن، ويربط بين الشباب ونزعة الاندفاع أو التهور أو «الطيش»، وهو وضع نجده الآن في عدة دول عربية.

رابعاً- اعتمدت الإمارات على العديد من بنوك الفكر، من الرائد «مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية» الذي تأسس في تسعينيات القرن الماضي، إلى «مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة»، ثم أحدثها «مركز الإمارات للسياسات». وتقوم هذه المراكز بأبحاث جدية حول موضوعات الساعة، ويعقد بعضها مؤتمرات دولية على أعلى مستوى من التنظيم والمهنية، كما هو الحال مثلاً مع «مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية» الذي يعقد مؤتمراً سنوياً حول التعليم وآخر حول الطاقة، وكذلك «مركز الإمارات للسياسات» الذي أرسى تقليد «مؤتمر أبوظبي الاستراتيجية السنوي» منذ أربعة أعوام.

مفهوم القوة الناعمة إذن ليس مفهوماً مجرداً، وحالة الإمارات تجسد أربعة عوامل يرتكز عليها هذا المفهوم ويصبح رصيداً لها يجعلها تتبوأ المكانة العربية الأولى في هذا المجال. وأثناء مناقشات مؤتمر أبوظبي الاستراتيجي الرابع منذ أسبوعين كنا ندفع بمفهوم القوة الناعمة نحو مديات أبعد، فكراً وممارسة، لجعله عنصراً للمقاربة بين الأقطار العربية المختلفة، وترتيب مكانتها على هذا الأساس، وهكذا يمكن أن نُغيِّر من أجندة الأقطار العربية لتتنافس في هذا المجال بدلاً من الصراعات والحروب.

لكن إذا كانت الإمارات في المقدمة، فما الدولة الأخيرة في هذا المجال، والتي تتوجب مساعدتها؟ قد ترد على الذهن أسماء دول عربية مثل الصومال وسوريا، والعرق إلى حد ما.. بسبب انهيار السلطة وفشل الدولة. هذا إضافة إلى ليبيا التي ذكرت الأخبار الأخيرة منها عودة أساليب تذكرنا بما كان يحدث في الأزمان الغابرة (أسواق بيع العبيد)!

والحقيقة أن ليبيا في محنة بسبب بعض مظاهر الحرب الأهلية وتفكك السلطة، تضاف إليها أعباء الهجرة غير الشرعية متمثلة في الآلاف من أبناء بلدان أفريقيا جنوب الصحراء ممن يحدوهم الأمل في الوصول إلى شواطئ أوروبا بأية وسيلة شرعية أو غير شرعية، وحتى المخاطرة بالغرق والموت قبل الوصول. وهناك الآلاف الآن يتكدسون في ليبيا ليزيدوا وضع هذا البلد سوءاً. من هنا تفتَّق تفكير بعض «تجار البشر» المنتشرين في ليبيا، وفي غيرها، عن استغلال الموقف والعودة إلى فترات مظلمة في التاريخ الإنساني.

اعتدنا الآن أن نرى ونفكر في القوة الناعمة كرصيد، لكن يجب أن نفكر أيضاً عندما تغيب، بل حتى عندما تذهب بعض الممارسات إلى النقيض تماماً لتضيف سلباً بدلاً من إيجاباً.

 

د. بهجت قرني
Developed by