Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

وصابروا

 اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
صدق الله العظيم

اليقظة من وهْم الديمقراطية! (والربيع/الخريف العربي)

نشر بتاريخ: 2017-11-25
 

 
قبل سبع سنوات، أضرم بائع تونسي متجول النيران في نفسه واشتعلت الاحتجاجات الشعبية في بعض دول الشرق الأوسط. وكانت شعوب تلك الدول تريد ما حرمت منه منذ قرن تقريباً وهو نظام عادل وحياة أفضل ومساحة من الحرية. وبعد سبع سنوات لم يحصل الناس في تلك الدول إلا على استبداد بشكل جديد وفوضى عارمة.




وقبل عدة أسابيع في إسطنبول، قال لي سائق سيارة أجرة أثناء دردشة معه: «يُقال إن حربا ستقع. هذا ما يتحدث به كل من يركب السيارة». فقد انتشر التكهن باحتمال وقوع حرب إقليمية، وهذا يعود في جانب كبير منه إلى تراجع فكرة الاستقرار الإقليمي.
وبعد سبعة أعوام من بداية ما عرف باسم «الربيع العربي» أصبح الشرق الأوسط بلا أمل. لقد تراجعت المطالب الديمقراطية وغاص الإصلاح الاقتصادي في الفساد. والليبرالية جثة هامدة، والعلمانية بلا مؤيدين، وكانت حركات البعثية والقومية العربية والإسلام السياسي قد فشلت جميعها منذ فترة طويلة. لقد انهارت الأيديولوجيات، وكذلك انهار الأمل في التغيير. وقد أصبحت هناك قناعة مستقرة بما وصفه المفكر العربي الأميركي فؤاد عجمي ب«استثنائية» المنطقة. وهذا يعني أن الانتشار العالمي للديمقراطية والرخاء والتنمية تجنب مناطق في الشرق الأوسط منذ عدة أجيال، ويرجح أن تتخطى الديمقراطية والرخاء والتنمية هذا الجيل أيضاً. صحيح أن هذا الشعور بفقدان الأمل قد لا يؤدي مباشرة إلى حرب. ولكنه يعني أيضاً أنه ليس هناك ما تخسره شعوب تلك الدول، وأن الشعبويين يمكن أن يستغلوا الاحتقان والتدافع العام.

ولم يصل الشرق الأوسط إلى مثل هذا الانكسار من قبل. ففي عام 2011، اعتقد كثيرون حول العالم، ولفترة قصيرة للغاية أن المنطقة على حافة ثورة ديمقراطية. وفي مؤتمر ميونيخ الأمني، في ذلك الوقت، ناشدت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية حينذاك بعض زعماء المنطقة بأن يقوموا بإدخال إصلاحات وأضافت أن «التحدي يتمثل في مساعدة شركائنا على السير خطى أبعد على طريق مستقبل أفضل تُسمع فيه أصوات الشعوب، وتُحترم فيه حقوقها، وتتحقق طموحاتها. وهذا ليس ببساطة مسألة مثاليات إنها ضرورة استراتيجية».

ولكن بعد ثورة مضادة ناجحة في مصر وفوضى في ليبيا والعراق وحرب أهلية في سوريا أصبح «الربيع العربي» مثاراً للاكتئاب. وظهرت قناعة غربية تسلم بالأمر الواقع، بأنه لا جدوى من السعي لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. ولن يلقي زعيم غربي رسالة مثل تلك التي ألقتها كلينتون في عام 2011، ولن تفعل ذلك أيضاً كلينتون نفسها من جديد. والزعماء الغربيون لم يعد لديهم لا الحافز ولا القناعة بالتشجيع على الديمقراطية. وأصبح تعبير الاستقرار وليس «الانتقال» في المنطقة هو الأولوية لدى شعوبها أيضاً ولدى المجتمع الدولي. ولم يعد أحد يراهن على الديمقراطية في النهاية.

والفجوة بين الشعوب وبعض الحكومات في الشرق الأوسط ما زالت واسعة. وبعض المجتمعات يعمها الانقسام والاستقطاب الطائفي أو المذهبي. والأسوأ من هذا أن الشرق الأوسط أصبح بلا شبكة أمان. وفكرة احتمال نشوب صراع عسكري في المنطقة ليست جديدة. ولكن هذه الجولة الجديدة من التوترات تحدث في ظل نظام ليبرالي عالمي يتمزق مع قليل من الثقة بالذات من حيث القدرة على تغيير العالم. ولم تعد الولايات المتحدة المستغرقة في ذاتها، والمبلبلة، ترى لنفسها دوراً في توفير الاستقرار الإقليمي. وروسيا لا تتدخل أيضاً في الشرق الأوسط إلا لتعزيز كبريائها القومي. وتركيا منشغلة في الداخل. وإيران لا تهتم إلا بالتوسع في سياساتها الطائفية.

وهذا المزيج لا يبشر بخير. وربما تكون كل الظروف مواتية لنشوب حرب، لسوء الحظ. وقد تتغير الحدود أو تصبح الدول عصية على الحكم، وقد يقوض الفاعلون المؤثرون من غير الدول نفوذ السلطة المركزية في مناطق مثل العراق وسوريا ولبنان. ويمكن للحروب الطائفية تدمير المنطقة في العقد المقبل، بينما يشاهد العالم دمار بعض من أقدم مناطق العالم. وحين تموت أفكار التنمية والاستقرار والديمقراطية، فماذا يتبقى ليخسره الإنسان؟

---------------

آسلي عدينتاسباس*

* كاتبة تركية وباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»
Developed by