Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

وصابروا

 اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
صدق الله العظيم

ملف حركة فتح: نهاية الاسلام السياسي وما بعد "الاخوان"

نشر بتاريخ: 2017-11-20

فلسطين-القدس-نقطة: كما وصلنا في نقطة من مركز الانطلاقة وحركة فتح ملف حركي نهاية الاسلام السياسي وما بعد "الاخوان"

ملخص 


*تأسّس مشروع الإسلام السياسيّ في بدايته على منطق الصدام والمواجهة بدل التواصل والاستفادة من التجربتين الليبراليّة والاشتراكيّة

*إنّ الممارسة هي وحدها التي كشفت عجز المتأسلمين عن تحقيق مشاريع الوهم التي روّجوها؛ فمفهوم الأمّة الواحدة أضحى سرابا وسط ما فرضته الدولة الوطنيّة من مقدّسات جديدة

*إنّ كلّ النقاط التي مثّلت مجالات مزايدة راهن عليها المتأسلمون قد آلت إلى الاندثار والزّوال من العدالة الاجتماعيّة الموعودة الى الشورى الى الاقتصاد الإسلاميّ.   

 * عجلة الدولة بمؤسساتها وحركة التاريخ بتحولاته ومشروع الديمقراطيّة بهياكله قد أخذ المتأسلمين في قطاره.

*تكمن خطورة التّوظيف السّياسي للمشترك الدّيني في الاستيلاء على ميراث جماعي "أومورد حضاريّ مشترك"لا يمكن أن تحتكره مجموعة على حساب أخرى.

*تعامل المتأسلمون مع الديمقراطيّة، باعتبارها مجرّد آليّة للوصول إلى الحكم.  

 *لا يزال كثير من المنتمين للاسلامويين يستبطنون رؤية إنّهم يحملون في تصوّرهم اعتقادا راسخا بأنّ حزبهم ناطق بالحقيقة الإلهيّة المقدّسة.

*ما يصدق على كافة حركات الإسلام السياسي الحزبي منطق  الفعل على التنظير، الذي يتأخر؛ أي إن التنظير لا يؤسس في هذه الحالة للفعل والحركة، وإنما يبرره ويدعمه ويكمله.

*تم التراجع عن دولة الخلافة وانتقلت جماعة الإخوان المسلمين من صورة الجماعة المفتوحة الشمولية التي تقدم نفسها ممثلا وحيدا للإيديولوجية الإسلامية إلى بروز صورة جديدة تحمل نوعا من الخصوصية الإخوانية.

*تبدد الصورة النمطية للإخواني نتيجة الانغماس في العمل السياسي، ولم تعد مقولات سيد قطب حاضرة على سبيل المثال: "جيل قرآني فريد" "المفاصلة و النقاوة"... وعوضتها قولة "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها، فهو أحق الناس بها"

*أصبح الكادر الإخواني يبني ذاته، ويتعلم إداراتها ليستعد لمواجهة متطلبات الحياة أكثر، مما يستعد لسؤال الآخرة.

*تحول جماعة الإخوان من جماعة مدنية إلى جماعة ريفية، والمقصود  "بترييف الجماعة"؛ أي مجموعة المظاهر القيمية والسلوكية التي تبدو أقرب إلى انتشار ثقافة ريفية داخلها؛ وبتعبير آخر؛ هي نمط علاقات جديدة تنتمي لما قبل المؤسسية، وتستحضر الولاءات الأولية. (نهاية الملخص للورقتين المرفقتين-لجنة التعبئة الفكرية-حركة فتح)

                   مفوضية الاعلام والثقافة والتعبئة الفكرية

لجنة التعبئة الفكرية

 

نهاية الإسلام السياسيّ

بقلم عمار بنحمودة-مؤمنون بلا حدود

 1-التأسيس والتسييس:

تأسّست فكرة الإسلام السياسيّ على تصوّر يعتبر أصحابه أنّ للدّين بعدا سياسياّ، يمكن أن يمثّل ركيزة مشروع لإنقاذ الأمّة التي تأخرت من ويلات جهلها وتخلّفها وتأخّرها الحضاريّ.[1] وأقام المنظّرون الأوائل بنيان فكرهم على أساس استعادة الإسلام في نقائه وصفائه. فكان استثمارهم السياسيّ للمقدّس أهمّ ركيزة أقاموا عليها صرح مشروعهم. ولكنّهم، وإن خاضوا نضالا طويلا في سبيل الوصول إلى السلطة وأقنعوا قاعدة واسعة من المسلمين بوجاهة مشروعهم، فقد فشلوا في تجارب الحكم التي خاضوها. وليس الحكم الذي نطلقه في هذا المقام مطلقا. ولكنّنا سنحاول الانطلاق من بعض العيّنات التي تدعم طرحنا، وتنزع عن أحكامنا المعياريّة والاصطفاف في خانة الخصوم أو المناصرين.[2]

وأوّل مسالك الموضوعيّة التي نرومها تفسير مصطلح الفشل الذي لازم تجربة المتأسلمين. إنّه يعني تنكّرا للأصول التي قام عليها تيّارهم السياسيّ وعجزا عن تحقيق ما وعدوا به أنصارهم، واعتبروه أهمّ خصيصة تميّز حزبهم عن سائر الأحزاب، وهو يعني فضلا عن ذلك، عجزا عن تحقيق مقاصد مشروعهم، وهي اللحاق بركب التقدّم ومنافسة الغرب في تقدّمه وإنقاذ المجتمعات الإسلاميّة من تخلفها ومشاكلها المتراكمة.

لقد تأسّس مشروع الإسلام السياسيّ في بدايته على منطق الصدام والمواجهة بدل التواصل والاستفادة من التجربتين الليبراليّة والاشتراكيّة[3]. ولعلّ هذا الطرح الذي تبرّره السياسة الاستعماريّة التي انتهجتها الإمبراطوريتان الفرنسية والبريطانية على دول إسلاميّة كثيرة قد كان وقودا لفكرة الجهاد والمواجهة. ثم شغلت أمريكا والاتحاد السوفييتي وإسرائيل هذا الدور؛ إلاّ أنّ تلك الأرضيّة قد كانت مهدا لتيارات سلفيّة رأت في الماضي كلّ حلولها وتفننت في رسم معالمه الخارقة والسحريّة، وبنت مدنها الفاضلة على قاعدة الأوهام والأحلام الطوباويّة.

وليست الحاجة البشريّة إلى الرمز مسألة يمكن أن تمثّل عيبا في التصورات الإنسانيّة أو الرؤى الحزبيّة، ولكن العجز عن تحويل تلك الرّموز إلى أدوات عمل سياسيّ وآليّات بناء يمكن أن يقود الوعي السياسيّ إلى متاهات الوهم في واقع يعمل فيه البشر على التقدّم، ويبنون صرحه على أرضيّة واقعيّة؛ فقد كانت أحلام الفلاسفة ببناء المدن الفاضلة منطلقا لتأسيس مشاريع سياسيّة قابلة للتحقّق وصياغة رؤية اقتصاديّة واجتماعيّة تضمن التقدّم لشعوبها وتُطوّر من تمثّلها للواقع وفهمه.

بيد أنّ معضلة الإسلام السياسيّ تظلّ في كونه ارتهن إلى سجلّ لغوي مستمدّ من واقع مغاير تماما للواقع الذي يفترض بالمقاربة السياسيّة أن تؤسّس لبدائله؛ ذلك أنّ منح النظم السياسيّة الإسلاميّة قداسة واعتبار تشريعاتها الفقهيّة أسسا لقيام تصوّرات سياسيّة قد زاد من حدّة التباعد بين الخطاب السياسيّ والواقع الذي يُفترض أن يقاربه المتأسلمون، إذ ينطلقون في خطابهم من نماذج جاهزة يسعون إلى تسويقها بتوظيف طاقة المقدّس الديني ويعجزون عن تطبيقها واقعا؛ لأنّها قدّت ببساطة لعصر غير عصرها. ولذلك، فقد كان من البديهيّ أن تتهاوى تدريجيّا "مقدّسات" الإسلام السّياسيّ الواحدة تلو الأخرى، ويؤول الأمر بالأحزاب التي حملت شعارات الإسلام السياسيّ إلى نزع القشر الإسلاميّ والإبقاء على الفعل السياسيّ. وحينئذ، فهي قد فشلت في ما ادّعت أنّه يمثّل جوهر دعوتها والطابع الذي يميّزها عن غيرها من الأحزاب، بل إنّها بذلك تدكّ صرح مشروعها النظريّ باسم مسايرة الواقع.


2- محنة السّلطة وخطاب الوهم:

إنّ الممارسة هي وحدها التي كشفت عجز المتأسلمين عن تحقيق مشاريع الوهم التي روّجوها؛ فمفهوم الأمّة الواحدة أضحى سرابا وسط ما فرضته الدولة الوطنيّة من مقدّسات جديدة. وظلّ مشروع إحياء الإسلام مجرّد شعارات قد تصلح لاستثمار المخزون الثقافي الكامن في اللاوعي الجمعي، ولكنّه حين يؤول إلى التطبيق ينكشف سرابا لا يمكن أن يجسّد في مؤسّسات الدّولة.

لقد قدّمت التحوّلات السياسيّة التي حدثت في تونس حرّية التعبير لقاعدة كبيرة من التونسيين. ولكنّ الحالة الدينيّة تظلّ بحكم أوهام المشروع الذي روّج له المتأسلمون مرتدّة نحو تصوّر سطحي للإسلام لا يخرج عن ثوبه الرسمي احتفالا بالمناسبات الدينيّة، وتذكيرا بالمقدسات التي يؤمن بها المجتمع أصلا. فتلك عادات اجتماعيّة رسّخها التداول ولا فضل للأحزاب فيها. وقد تفنّن المتأسلمون في استثمار الإساءة وإشهار عيوب المجتمع، ليمنحوا أنفسهم صفة المنقذين والمدافعين عن الإسلام والمسلمين، وقد روّجوا في خطابهم لفساد الأخلاق والخطر المحدق بالدين، ليقنعوا الناس بأنهم حماته.

إنّ كلّ النقاط التي مثّلت مجالات مزايدة راهن عليها المتأسلمون قد آلت إلى الاندثار والزّوال. فلا مشاريع العدالة الاجتماعيّة الموعودة تحقّقت، ولا الشورى التي ظلّ تصوّرها ضبابيّا في خطاب المتأسلمين قامت مؤسّسة فعليّة يمكن أن تمثّل منافسا لأجهزة النظم الديمقراطيّة، ولا بدا الاقتصاد الإسلاميّ مشروعا بديلا واضح المعالم. وأقصى ما يمكن أن تحقّقه الجمعيات الخيريّة التي انتشرت زمن حكم المتأسلمين واستغلّت لغايات سياسيّة، أنّها تكرّس الحلول السطحيّة المرتبطة بتقديم المساعدات في المناسبات الدينيّة بدل تقديم حلول جذريّة لمشاكل الفقر وغياب موارد الرزق. كلّ ما في الأمر أن عجلة الدولة بمؤسساتها وحركة التاريخ بتحولاته ومشروع الديمقراطيّة بهياكله قد أخذ المتأسلمين في قطاره، فتركوا رحالهم القديم وركبوا عصر العولمة أحزابا ليس لها من سمة الإسلام سوى شعار أجوف خال من مشروع تجديديّ قادر على التأثير في المجتمع. ولذلك، فقد ظلّوا يردّدون في آخر مؤتمر لهم أنّهم قد تجاوزوا ما كان يمثّل لغة التفرّق ويجزّئ المجتمع إلى مسلمين وكافرين في إطار ما يفترض أن يعبّر عن اختلاف طبيعيّ بين الحكّام والمعارضين. وعبّروا عمّا سمّوه تحوّلا في هويّة الحزب. ولعلّ صيغة البيان الختاميّ أبلغ في التعبير عن تحوّل ذكرت فيه الهويّة الجديدة للحزب، ولكن يمكن أن ندرك ملامح هويّة الحزب القديمة من وراء السطور.[4]

تكمن خطورة التّوظيف السّياسي للمشترك الدّيني في الاستيلاء على ميراث جماعي لا يمكن أن تحتكره مجموعة على حساب أخرى، ولا يمكن أن يكون في إطار مجتمعات تناشد المساواة والحرّية والعدالة أن يمنح فئة من أصحاب المشاريع السياسيّة استغلال مورد حضاريّ مشترك، وهو لا يمكن أن يكون ملكا للسنّة وحدهم أو المعتزلة أو المتصوّفة أو الخوارج...

لا معنى للحديث عن إسلام دون حديث عن قابليّة التنوّع والتأويل وقدرة على استيعاب هذا الاختلاف بدل تحويله إلى وقود حروب وفتيل نزاع. وليس أقدر على الخروج من مأزق الاحتراب الداخليّ سوى منح المسلمين على اختلاف تصوراتهم المذهبيّة أو الشخصيّة حقوقهم الشخصيّة في الفكر والاعتقاد، وحرية ممارسة الطقوس والشعائر وحرية عدم ممارستها.

لقد دعا المتأسلمون في بداية تشكّل تنظيمهم إلى أسلمة المجتمع، وافترضوا أن أفراده الذين لا يؤمنون بمشروعهم كفرة يعيشون الجاهليّة الجهلاء، ودعوا إلى الحاكميّة الإلهيّة ومقاومة الطواغيت والكفر ومواجهة الغرب من خلال استعادة الأنموذج الأنقى الذي جسّدته الفترة النبويّة. ورسمت تلك الأحلام السحريّة لقاعدة واسعة من الجماهير أفقا من المدن الفاضلة وارتفعت وتيرة حماستهم، وهم يعتقدون أنفسهم ساعين إلى تطبيق شرع الله في أرضه. ولكن تلك الحماسة التي قادت كثيرا من المدافعين عن تلك الإيديولوجيا إلى غياهب السجون، وتحمّل سنوات من القهر الذي مارسته الأنظمة الاستبداديّة قد آلت إلى وثوق بأنّ المشروع الذي دافعوا عنه هو المشروع الأمثل الذي يخشى الحكام والمعارضون من غير المتأسلمين قيامه. فزاد الاضطهاد أنصار هذا التيّار ثقة بأنّهم يمثّلون الحقّ المطلق الذي لا نزاع في صحّته. وكانوا يحتاجون أكثر من أيّ وقت مضى إلى اختبار قدراتهم على تولّي السلطة وتحويل مقولاتهم النظريّة ومبادئهم الأساسيّة إلى فعل سياسيّ.

إلاّ أن ما تصوّره المتأسلمون تتويجا لمسارهم النضاليّ قد كان مقبرة حكم غرقوا فيها وأيقنوا بفشل ما كانوا يدعون إليه. ففي ساحة الحكم نزعوا ثوبهم القديم ولم يبق من الإسلام الذي شرعنوا به مشروعهم سوى أشلاء شعارات وتسميات لا تقدّم مشروعا حقيقيا في السياسة أو الاقتصاد أو المجتمع. وبدأوا يعدّلون من مقولاتهم على أساس حاجات الحكم وحاجات الواقع وموازنات العلاقات الخارجيّة ونفوذ الدول الأجنبيّة. وراحوا يرتقون الفتق برفاء حتّى ذهب الثوب الأصليّ وبقي الرفاء.

كلّ تلك العوامل جعلت الأسس النظريّة التي قام عليها فكر المتأسلمين أمرا هامشيّا أمام حاجتهم الأكيدة إلى البقاء في الحكم. وبحثهم عن التوافق واسترضاء القوى العظمى. ولعلّ ذلك ما يفسّر الانقسام الحاد الذي طبع الواقع السياسيّ للتيارات الإسلاميّة في تونس. فقد انتقل السلفيون المتشدّدون من الوثوق بحزب النهضة التونسي واعتباره قادرا على تحقيق مبادئهم أو على الأقل منحهم دعما لتحقيق مشاريعهم وسعيهم إلى أسلمة المجتمع، إلى معارضته واعتبار مواقفه خذلانا لمبادئه بعد رفض اعتماد الشريعة في الدّستور التّونسي الجديد الذي سنّ بعد الثورة. فقد انشقّ فريق من المتشدّدين عنهم وصاروا يميلون إلى البحث عن حاضنة أخرى. وبالمقابل أشاحت النهضة بوجهها عن السّلفيين المتشددين وولّت وجهها شطر عدوّها التاريخي الذي طالما أطلقت عليه نعوت الشّيطنة واتهمته باستعادة المنظومة السياسيّة القديمة[5]. فتحالفت معه ودافعت عن مشاريعه. ولئن كان للنهضة حلفاء منذ أن تولّت الحكم. فقد كانوا في الحقيقة مجرّد ديكور لا يحُول دون مواقف شيخها وتوجّهها العام في السياسة.[6] أمّا تحالفها مع حزب نداء تونس، فقد كان حلفا حقيقيا تتحقّق فيه الحدود الدنيا للتوازن بين القوتين. وتقدّم فيه كلّ التنازلات من أجل ضمان توافق يواصل مسيرة الدولة الوطنيّة دون تأثير يذكر لما ادعته حركة النهضة مرجعيّة إسلاميّة. وتجدر الإشارة إلى أنّ الدولة الوطنيّة التي تبنّت تصوّرا حداثيّا للدين، واستطاعت أن تدمج في منظومتها القانونيّة كثيرا من التّشريعات الإسلاميّة، قد مثّلت سقفا من القوانين، عجز القادمون الجدد إلى السلطة عن تطويره أو تغييره تغييرا جذريّا قد يقنع بأنّهم حققوا مشروع الأسلمة الذي يطمحون إليه؛ لأنّه لا يمكن ببساطة أسلمة ما هو إسلاميّ بطبعه. فلا هم كانوا قادرين على استثمار ماض ثريّ بتنوّعه الحضاريّ والفكريّ، ولا هم أسّسوا لمشروع حداثة فعّال.

3- نهاية الوهم وسلطة الواقع:

لقد كان المتأسلمون واعين في بداية دعوتهم بخطورة أن تكون للدولة سطوة على المجتمع، وقد دعا زعيم حركة النهضة راشد الغنونشي من قبل أن يتولى حزبه الحكم إلى ضرورة الحدّ من سطوة الدولة المتغوّلة. و"كان حريصا بقوّة على الحديث عن إعطاء الفرصة لتكون اليد العليا للمجتمع على الدّولة... بيد أنّ التحوّلات التي جرت في تونس عقب الربيع العربيّ رجّت بسرعة هذه القناعات التي ردّدها كثيرا ودافع عنها الشيخ راشد الغنوشي، خاصّة بعد أن حقّقت حركة النهضة فوزا في الانتخابات. فانقلب من مدافع عن المجتمع وحصونه، إلى مراهن عن الدّولة وحصونها."[7]

لعلّ السبب الرئيس الكامن وراء هذا الانقلاب من التنظير إلى التطبيق[8] كامن في خضوع المشروع الذي روّج له المتأسلمون مع منطق الدولة التسلطيّة؛ لأنّه بطبعه مستمدّ من تراث قام على ميراث الطّاعة والانضباط إلى سلطة أولي الأمر وخاضع إلى ثنائيّة الرّاعي والرعيّة.

لقد تعامل المتأسلمون مع الديمقراطيّة، باعتبارها مجرّد آليّة للوصول إلى الحكم. ولو توفّرت الظروف الدوليّة لتحوّلت سياسيّة كثير من المتأسلمين إلى حكم تيولوجي يعتقد أصحابه أنّهم يطبّقون شريعة الله على الأرض. وأنّ كلّ مارق عن حزبهم/ فرقتهم الناجية هالك في الدنيا والآخرة. ولا يزال كثير من المنتمين إلى هذه الأحزاب يستبطنون هذه الرؤية، إذ إنّهم يحملون في تصوّرهم اعتقادا راسخا بأنّ حزبهم ناطق بالحقيقة الإلهيّة المقدّسة، وأنّ ما سواه ممّن أطلق عليهم نعت العلمانيين أو اليساريين ضالون ومضلون. وإنّما الديمقراطيّة آليّة لإرساء القواعد الإسلاميّة الصحيحة للحكم بدل حكم العلمانيين واليساريين؛ ذاك وهم روج له المتأسلمون وكشفوا به أنّ غايتهم سياسيّة محضة، وهي الوصول إلى الحكم. أمّا الشعارات التي رفعها زعماء هذا التيّار، فليست سوى آليّة من ضمن الآليّات للحصول على السلطة. وبذلك، فقد تعاملوا مع المرجعيّة الإسلاميّة مثل تعاملهم مع الديمقراطيّة، إذ هما في النهاية مجرّد آليّة للوصول إلى الحكم والحصول على الغنائم السياسيّة.

إنّ السؤال الأهمّ الذي يمكن أن يطرحه المتأسلمون على أنفسهم هو الآتي:

هل استطاعوا فعلا تقديم مؤشرات نهضة فعليّة في المجال الاقتصاديّ، إذا علمنا أنّ المكاسب السياسيّة كانت أمرا مقضيّا في سياق تحوّل من أنظمة استبداديّة إلى نظام ديمقراطي دافعت عنه جموع المحتجّين الذين لم يكونوا ينتمون إلى حركة النهضة؟ وهل يمكن القول إنّ سياستهم الاجتماعيّة قد حققت الحدّ الأدنى من مطالب شعب طمع في الكرامة والشغل؟ ألم يثقلوا كاهل الدولة بتعيين أتباعهم في إطار دولة تشكو أصلا من كثرة الموظفين وارتفاع تكلفة الأجور، وصرف تعويضات حوّلت نضالهم بكل طابعه الرمزيّ إلى مغانم ماليّة؟ ألم يكن من نتائج ذلك إيقاف الانتدابات في القطاع العمومي، بعد أنّ عجّت الإدارات التونسيّة بما يفوق طاقة الميزانيّة العامّة للدولة؟ ألم يسهموا في إغراق الدولة بديون قد يكون وبالها كبيرا على الأجيال القادمة؟ فأيّة نظرة مستقبليّة في ظلّ سلوك سياسيّ يزيد الدولة التونسيّة تبعيّة وارتهانا للبنوك الدوليّة؟

هل يمكن القول، إنّ في دخول المتأسلمين إلى الحكم إضافة نوعيّة للمشهد السياسيّ؟ وما هي أهم الحلول التي يمكن أن يواجهوا بها الفقر والبطالة؟ وهل يمكن لمشروعهم السياسيّ أن يرتقي إلى مستوى النهضة التي كانت اسما اختاروه شعارا لحزبهم؟

لقد ورد في البيان التأسيسيّ لحركة الاتجاه الإسلاميّ أنّها "لا تقدّم نفسها ناطقا رسميّا باسم الإسلام في تونس ولا تطمع يوما في أن سنسب هذا اللقب إليها. (وهو أمر بديهيّ لا يحتاج إلى تأكيد وبيان)؛ فهي مع إقرارها حقّ جميع التونسيين في التعامل الصادق المسؤول مع الدين ترى من حقّها تبنّي تصوّر للإسلام يكون من الشمول، حيث يشكّل الأرضيّة العقائديّة التي منها تنبثق مختلف الرؤى الفكريّة والاختيارات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تحدّد هويّة هذه الحركة وتضبط توجّهاتها الاستراتيجيّة ومواقها الظرفيّة."[9]

إنّ هذا التصوّر الفضفاض لا يمكن أن يمثّل مرجعيّة سياسيّة واضحة المعالم. وقد كشف الواقع بعد وصول المتأسلمين إلى الحكم أنّ السياسة وحدها هي التي بقيت، وأنّه لم يبق من الدّعوة إلى الأسلمة سوى شعارات لا تمسّ بالأسس العامّة للدّولة وللدّستور الذي حافظ فصله الأول على نفس الصيغة التي وردت في الدستور الذي سنّ زمن الاستقلال.

وقد قد كان المؤتمرون من حركة النهضة قد جدّدوا في يونيو حزيران 2007 بالخارج التزامهم "بالهويّة التي حدّدتها وثائقها السابقة، والتي تعني الاعتماد على المرجعيّة الإسلاميّة وما يعنيه من تقيّد في جميع تصوراتها ومواقفها بما هو معلوم من الدّين بالضرورة، مضمّنا في النصوص الشرعيّة القطعيّة، مع التوسّع في غيرها من الظنّيات بالاجتهاد بشروطه المعتبرة."[10] وتكشف هذه الشعارات تخبّط الحركة في عموميّات لا يمكن أن ترقى إلى مشروع تغيير جذري يمكن أن يحمل بوادر النهضة المأمولة التي يعد بها الحزب. ويفتقد المنتمون إلى الحركة القدرة على إنتاج خطاب ديني يجدّد التصوّرات القائمة في تونس. فقد حملت الحقبة الأولى من الاستقلال حزمة من المواقف الجريئة لتركيز تعليم حداثيّ وتحرير المرأة وتحديث المجتمع في إطار مشروع واضح المعالم وجريء في اختياراته. ولئن ركّز أنصار الحركة منذ بداية نشاطهم السياسيّ على مثالب التجربة التحديثيّة في تونس، فإنهم قد انتهوا إلى تبنّيها وتبريرها وتقدير إنجازات رموزها إذ لم يكن في كنانتهم ما يمكن أن يقدّموه، بل إنّ آفاقهم الفكريّة أضيق من سعة التجديد الذي شهده الخطاب الديني في الجامعة التونسيّة. فحديثهم عن التجديد ليس سوى مزايدة سياسيّة أثبتت بطلانها بمجرّد صعودهم إلى الحكم.

لقد انتهى أنصار هذا التيّار في مؤتمرهم العاشر إلى أنهم قد تجاوزوا عمليا كل المبرّرات التي تجعل البعض يعتبر حزبهم جزءا ممّا يسمّى "الإسلام السياسيّ"، وأن هذه التّسمية الشائعة لا تعبّر عن حقيقة هويته الرّاهنة، ولا تعكس مضمون المشروع المستقبلي الذي يحمله. وتعتبر النهضة أن عملها مندرج ضمن اجتهاد أصيل لتكوين تيار واسع من "المسلمين الديمقراطيين"[11] الذين يرفضون التعارض بين قيم الإسلام وقيم المعاصرة"[12] وهذه المعادلة الفضفاضة التي تبدو مقاصدها السياسيّة واضحة، وهي استقطاب قاعدة أوسع من المنتمين تحتاج إلى ترجمة عمليّة وصياغة نظريّة تطرح إشكاليّات جمّة في الاختلاف الكبير بين الانتماء الإسلاميّ الواسع والانتماء الوطني المرتبط بنظم قانونيّة ودساتير تنظّم حياة المجموعة المنتمية إلى نفس الوطن.

"اختارت النهضة في هذا المؤتمر التخصص في الشأن السياسي على أن تعود مجالات الإصلاح الأخرى التربوية والثقافية والدينية للمجتمع المدني."[13] فأنهت بذلك، على مستوى الخطاب ما كانت تعتبره أساسا قامت عليه الحركة. وأنهت بوصولها إلى الحكم ما كان وقودا للتأثير في الجماهير واستقطابهم؛ فخطاب النضال والمعارضة تدثّر بعباءة الإسلام. ولكنّ المقاصد السلطويّة الثاوية وراء الشعارات الدينيّة ظهرت من بعد أن وصل المتأسلمون إلى الحكم. فأجهضت تجربة الحكم مشروع الإسلام السياسي وقد عجزت عن وأده النظم الدكتاتوريّة بكلّ آلات قمعها وسجونها ومعتقلاتها.

[1] ورد في البيان التأسيسيّ لحركة الاتجاه الإسلامي في تونس ما نصّه: "إنّ استمرار أسباب تخلّف الوضع السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ في مجتمعنا يرسّخ لدى الإسلاميين شعورهم المشروع بمسؤوليتهم الربّانيّة والوطنيّة والإنسانيّة في ضرورة مواصلة مساعيهم وتطويرها من أجل تحرّر البلاد الفعلي وتقدّمها على أسس الإسلام العادلة وفي ظلّ نهجه القويم." راشد الغنّوشي، مقالات، ط1، باريس، المعرفة، العدد 5 السنة 2، 1984، ص 6

[2] نشير مثلا إلى فشل حكم الإخوان في مصر، فقد انتهت فترة حكمهم بعودة كثير من قياداتهم في رحلة إياب من القصر إلى السجن، "والحركة الإسلاميّة تمرّ في هذه المرحلة بأصعب أيّامها، خاصّة في مصر، فقياداتها في السجون، وشبابها في المنافي... وعلى الرغم من أنّ ذلك ليس غريبا عليها منذ اصطدامها بالنظام الملكيّ في مصر، مرورا بنظام عبد الناصر، ثمّ بالسادات، ومن بعده حسني مبارك، إلاّ أنّ هذه المرّة الوضع مختلف والصورة مختلفة، فلأولّ مرّة تصل الحركة إلى موقع السلطة وتقترب من تحقيق آمالها، وبين عشيّة وضحاها تنقلب الأمور، لتعود إلى مربّع الصفر مرّة أخرى." انظر: جاسم سلطان، أزمة التنظيمات الإسلاميّة، الإخوان نموذجا، ط2، بيروت، الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر/ تمكين للأبحاث والنشر، 2015، ص 10

[3] تحدّث سيّد قطب مثلا عن عداوات الصليبيين والمستعمرين والمستغلّين الطغاة والمحترفين من رجال الدّين والمستهترين والمنحلّين والشيوعيّة والشيوعيين. انظر مثلا: سيّد قطب، معركة الإسلام والرأسماليّة، ط13، مصر، دار الشروق، 1993، ص 93- 112

[4] ورد في البيان ما يلي: "اختار المؤتمر الحزب الوطني هوية جديدة للنهضة تجعله يهتم بما يجمع ويوحد، تتسع أوعيته التنظيمية للتعدد والتنوع، ينبذ التنافي وتقسيم المجتمع والتفرق إزاء المصالح الوطنية الكبرى." انظر: http://congres10.ennahdha.tn/ar

[5] عنينا هنا حزب نداء تونس الذي ضمّ طيفا واسعا من الدستوريين واليساريين، وفاز في انتخابات 2014

[6] http://congres10.ennahdha.tn/ar

[7] جلال الورغي، الإسلاميّون في الدولة، تجربة حركة النهضة التونسيّة في سياق الدولة الحديثة، ط1، لبنان/ المغرب، منشورات ضفاف/ دار الأمان، المركز المغاربي للبحوث والتنمية، 2014، ص ص 73، 74

[8] ورد في بيان المؤتمر العاشر لحركة النهضة في تونس ما يؤكّد الفرق بين النظريات التي أسّس بها المتأسلمون مشروعهم، وبين الواقع الذي اختبروا فيه قدرتهم على الحكم والتسيير: "مثلت لنا السنوات الخمس الماضية التي جاءت في سياق مسار الانتقال الديمقراطي محفوف بالصعوبات والمخاطر تجربة تاريخية ثرية، كما اكتشفنا الفارق بين الإيمان بالمبادئ المجردة للحرية والديمقراطية التي دفعنا من أجلها ثمنا باهظا على مدى عقود، وبين تحويل هذه المبادئ إلى منجز سياسي ملموس عقب ثورة فجرت في لحظة واحدة العديد من التناقضات السياسية والثقافية والاجتماعية." انظر: http://congres10.ennahdha.tn/ar

[9] راشد الغنّوشي، مقالات، ص 6

[10] محمّد القوماني، الرؤية الفكريّة والمنهج الأصولي عند حركة النهضة، ضمن كتاب: من قبضة بن علي إلى ثورة الياسمين الإسلام السياسي في تونس، ط3، مركز مسار للدراسات والبحوث، الإمارات العربيّة المتّحدة، 2011، ص 282

[11] بدت المواقف الأولى لمنظري تيار الإسلام السياسيّ رافضة للديمقراطيّة. فقد ذكر المودودي مثلا أنّ: "بعضهم ينظر إلى الجماعة في الإسلام" إلى عدة من أشكاله الظاهرة، فيلصق بهم اسم الديمقراطيّة وأمّا الأكثرون، فلمرض في نفوسهم وضعف في عقليتهم يودون أن يثبتوا في الإسلام كل ما يرونه قد راج في أسواق العالم المتحضّر، وبالأخصّ في الأمم المتغلّبة عليهم زاعمين أنّ ذلك خدمة جليلة للدين القيم، فكأنّ الإسلام في أعينهم ولد يتيم ساقط لا يعيش إلاّ إذا جعل تحت رعاية رجل ذي جاه ونفوذ..." نظريّة الإسلام السياسيّة، ط1، بيروت، دار الفكر، 1967، ص ص ص 5، 6

[12] http://congres10.ennahdha.tn/ar

[13] المرجع نفسه.


ماذا بعد تنظيم جماعة "الإخوان المسلمين"؟

بقلم عبد العزيز راجل

 وقع بين يدي كتاب بعنوان: "تحولات الإخوان المسلمين"ـ تفكك الإيديولوجيا ونهاية التنظيم- في طبعته الثانية المنقحة والصادرة عن مكتبة مدبولي2010، لمؤلفه حسام تمام -رحمة الله عليه- وهو كاتب وصحفي مصري متخصص في حركات الإسلام السياسي، ومؤسس أول مرصد متخصص لدراسة الحركات الإسلامية (توفي يوم الاربعاء 26 أكتوبر2011 ). ورغم مرور ثلاث سنوات على صدور الكتاب في طبعته الأولى، فإن مضامينه ما تزال تحتفظ براهنيتها، وإذا كانت الطبعة الأولى قد صدرت على عجل ـ كما ذكر المؤلف- نظرا لتزامنها مع انتخابات برلمانية في عهد الرئيس المصري المخلوع؛ فإن الطبعة الثانية تضمنت مقدمة إضافية ترسم ملامح التحولات التي عاشها الإخوان المسلمون، وهي تفيد كثيرا في جمع الأفكار التي احتواها الكتاب (خمس وعشرون مقالة)- بحسب تعبير الكاتب- ولنا وقفة مع مقدمة هذا الكتاب، وكذا بعض المقالات التي ألمحت بشكل أعمق إلى الثغرات والقصور المهول في الجوانب الفكرية والسياسية لتنظيم الإخوان.


وقفة مع عنوان الكتاب

ما بين مقولة الأستاذ حسام تمام في العنوان الفرعي للكتاب: تفكك الإيديولوجية ونهاية التنظيم (سنة 2009)، وعبارة المهندس هيثم أبو خليل القيادي الإخواني السابق: "مصر مقبرة تنظيم الإخوان" - التي كتبها على حائطه الفايسبوكي (2013) - وهو صاحب كتاب "إخوان إصلاحيون" الصادر عن دار دون، الطبعة 1و2عام 2012، والطبعة 3 عام 2013- هذا إذا أضفنا آراء نقدية لمنشقين أو منسحبين آخرين ومواقفهم حول الجماعة، من أمثال: القيادي ثروت الخرباوي، ومختار نوح، والهلباوي وغيرهم، سنلاحظ أن حركة النقد من الداخل لتنظيم الإخوان ارتفعت وتيرتها مع ولوجها ملعب السياسة، كما تراوحت بين النقد الجذري ، والمراجعة السريعة تحت حرج اللحظة. لقد قال حسام تمام بنهاية التنظيم والجماعة في المعارضة، وقال الثاني بالنهاية التراجيدية للتنظيم والجماعة في السلطة، إنها توقعات من الداخل؛ أي ممن يعرفون جيدا خبايا التنظيم ومنعرجاته وأسراره، ولو قدر للأستاذ حسام الحياة حتى هذه اللحظة التي يتربع فيها الإخوان على عرش السلطة، وما صدر عنهم من سلوك سياسي ملتبس، لوقف بالملموس على تشظي الإيديولوجية الإخوانية وتآكلها، وما كان يوجهه من سهام النقد للتنظيم ـ وهم في موقع المعارض المتلهف على السلطة ـ ينكشف اليوم بشكل جلي. ولم يكن الكاتب قاسيا على الإخوان، حينما أدرج في العنوان كلمة " تحولات"، ولم يقل "أزمة"؛ لأن الأزمة يمكن تخطيها بعد فترة زمنية معينة. ولم يقل "انحراف"؛ لأن محتوى الكتاب لا يدعو إلى رجوع الإخوان إلى النسخة الأولى؛ أي النقاء الإيديولوجي، وإنما عبر عن التحولات التي تشير إلى الانتقال إلى مرحلة أخرى من تاريخ التنظيم، أو تبلور نسخة أخرى في الأفق للتنظيم بهوية جديدة. والنهاية التي يذكرها الكاتب هي نهاية الفكرة والمشروع والإيديولوجيا، ولا أظن أنه يقصد نهاية التنظيم كهيكل؛ لأن الهيكل والإطار التنظيمي قد يستمر ويصمد، لكن من دون جدوى ولا معنى. وبعبارة أدق، فإن فكرة نهاية تنظيم الإخوان تنطبق على كل تنظيم إسلامي انتهى بعد ممارسة السياسة إلى مشروع سياسي يتناسب مع مشروع الدولة الوطنية الحديثة.

بين يدي الكتاب

1- استهل حسام. رحمة الله عليه - كتابه بمقالة بعنوان "في مشهد التحولات: تفكك الإيديولوجيا ونهاية التنظيم" مبرزا أن تنظيم الإخوان يشهد تغيرات كبرى، تتسم بكونها تغيرات غير واعية أو مخطط لها مسبقا، بقدر ما هي أقرب إلى التغير الذاتي الذي يجري وفق منطق الصيرورة الاجتماعية، وهذه الحالة ـ بنظرنا - تصدق على كافة حركات الإسلام السياسي الحزبي، وهو منطق فيه الفعل على التنظير، الذي يتأخر؛ أي إن التنظير لا يؤسس في هذه الحالة للفعل والحركة، وإنما يبرره ويدعمه ويكمله. وللوقوف على هذه الظاهرة ينبغي طلبها والكشف عنها في غير المكتوب، وليس من خلال أدبياتها ونصوصها على حد تعبير حسام. من أمثلة انفصال الفعل عن الخطاب لدى الإخوان، الموقف من الدولة؛ فهي تمارس - جماعة الإخوان- فعلا سياسيا ينتمي إلى لحظة الدولة الوطنية الحديثة، فيما ما زالت أطرها الفكرية والتربوية عاكفة على تداول أفكار ونظريات سياسية عتيقة تنتمي إلى ما قبل ظهور الدولة القومية. حتى إن اضطرت الجماعة لمراجعة خطابها، فإنها تقوم بذلك تحت حرج اللحظة وضغط الخصم، وليس ناتجا عن قناعة ذاتية؛ فمثلا قضية الأقباط ودفع الجزية التي أثيرت في حوار شهير للمرشد الراحل الأستاذ مصطفى مشهور 1996، فقد أعلن المرشد وقتها أن الأقباط أهل ذمة، يجب أن يدفعوا الجزية مقابل الإعفاء من الخدمة العسكرية. هذا التصريح أثار موجة استياء، لم تجد إلا بعض أبناء الجماعة من تيار العمل العام (السياسي) الذين دخلوا التنظيم من بوابة السياسية، فدفعوا بالجماعة لتبني اجتهاد جديد انتهى إليه المفكر الإسلامي المستقل طارق البشري الذي يؤسس لفكرة المواطنة على أرضية إسلامية. ومن التحولات على مستوى الخطاب والشعارات: عدول الإخوان عن الحديث عن الخلافة، وإقامة الدولة الإسلامية العالمية، والانخراط في مشروع الدولة الوطنية القطرية. وللخروج من حرج اللحظة وتناقض خطابهم السياسي؛ وجدوا تخريجات مناسبة من قبيل "دولة المسلمين"، و"دولة ديمقراطية بمرجعية إسلامية" التي يطرحها "جيل الوسط" داخل الجماعة، وكذلك "الدولة الآذنة بالإسلام".

2- إن التراجع عن دولة الخلافة قد أنهى بشكل أوتوماتيكي فكرة التنظيم الدولي للإخوان؛ الذي تشكل نهاية السبعينيات، ولم تعد له أية سلطة على التنظيمات القطرية. وقد انتقلت جماعة الإخوان المسلمين من صورة الجماعة المفتوحة الشمولية التي تقدم نفسها ممثلا وحيدا للإيديولوجية الإسلامية إلى بروز صورة جديدة تحمل نوعا من الخصوصية الإخوانية، ولعل السبب – يستأنف حسام القول- يرجع إلى الدخول البراجماتي للإخوان في السياسية، وتخليهم عن الرواية الكبرى" الدولة الإسلامية"، والالتزام بطرح برنامج لا يبعد كثيرا عن برامج الأحزاب الوطنية الأخرى. وخلاصة هذه الفقرة، مفادها ولوج الإخوان لملعب السياسة، جعلهم يخففون من المرجعية الدينية في العمل السياسي، وفق مسلكية تتأسس على منطق براجماتي.

3-تحت عنوان فرعي: "من النقاء الإيديولوجي إلى العادية"، يشير حسام إلى تبدد الصورة النمطية للإخواني نتيجة الانغماس في العمل السياسي، ولم تعد مقولات سيد قطب حاضرة على سبيل المثال: "جيل قرآني فريد" "المفاصلة و النقاوة"... وعوضتها قولة "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها، فهو أحق الناس بها"(...). يقول حسام في هذا الصدد: انفتاح كادر الإخوان ودخوله في تفصيلات الحياة (... ) جعله أقرب إلى العادية، (...)، ثم جاءت تطورات في حقل التدين لتنهي أي حديث عن النقاوة الإيديولوجية في القاعدة الإخوانية؛ فمع تراجع دور المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية، صار تأثير الخارج ثقافيا وفكريا في الداخل الإخواني أكبر بكثير، وذلك عبر ظاهرة الدعاة الجدد، وقبلها المفكرون الاسلاميون المستقلون.

4- تحت عنوان: "من تغيير العالم إلى التمتع به" كتب حسام ما يلي: في حقبة الحلم كانت الكوادر الإخوانية تستغرقها روح زهد وتقشف وانصراف عن زينة الدنيا ومتاعها (...)، أما التحول الذي طرأ حيث أصبح الكادر الإخواني يبني ذاته، ويتعلم إداراتها ليستعد لمواجهة متطلبات الحياة أكثر، مما يستعد لسؤال الآخرة(...)، فأصبحت الروح الإخوانية الجديدة هي روح التعايش والتكيف مع الواقع كما هو دون السعي إلى تغييره، فقط إعطاؤه مسحة أخلاقية تحت لافتة الأسلمة" ويختم حسام – رحمه الله - إننا إزاء حالة تحول عامة تطاول المشهد الإخواني برمته، نتيجة الانخراط المكثف في العمل السياسي .

ظاهرة ترييف الإخوان:

وقد انتقل حسام إلى الحديث عن موضوع في غاية الأهمية، ويتعلق الأمر بظاهرة "ترييف الإخوان"، وهو مصطلح من نحت المرحوم حسام إلى جانب " تسلف الإخوان"، وقد ألمح إلى هذه الظاهرة؛ حيث ذكر أن المنظومة الإخوانية تحولت من الإطار الصوفي الذي يعطي الأولوية للجانب الروحي إلى الإطار السلفي الوهابي الذي يغلب الاهتمام بالنقاء العقائدي، وما يفرض ذلك من صدام مع التيارات المجتمعية التي لا يراها تتفق مع الكتاب والسنة (مقالة : الإخوان والصوفية ماض غير مستعاد). ويتساءل حسام عن كيفية تحول جماعة الإخوان من جماعة مدنية إلى جماعة ريفية، والمقصود عنده بترييف الجماعة؛ أي مجموعة المظاهر القيمية والسلوكية التي تبدو أقرب إلى انتشار ثقافة ريفية داخلها؛ وبتعبير آخر؛ هي نمط علاقات جديدة تنتمي لما قبل المؤسسية، وتستحضر الولاءات الأولية، ومن ملامح هذا الترييف : افتقاد الثقافة والتقاليد القانونية الواضحة والمرعية، كما يعطي مثالا على اكتساح الثقافة الريفية لمكتب الإرشاد: ومن بينهم محمود حسن من أسيوط ، وصبري عرفة الكومي من الدقهلية، ومحمد مرسي من الشرقية، يستأنف حسام كلامه بقوله: "لقد تراجع "أفندية" حسن البنا الذين تولوا إدارة الجماعة تاريخيا مثل حسن الهضيبي وعمر التلمساني وحسن عشماوي ومنير دلة وعبد القادر حلمي وفريد عبد الخالق....تواروا لمصلحة الريفيين الذين تقدموا لاحتلال الصفوف الأولى حتى داخل القاهرة مثل محمد مرسي وسعد الكتاتني... كما ضم الكتاب مجموعة من المقالات التي تتمحور حول تنظيم الإخوان من الداخل، وعلاقته بالآخر المختلف دينيا أو سياسيا (القبطي- العلماني- النظام)، وصنف آخر من المقالات يتعلق بعلاقة الإخوان مع الخارج (الغربي) وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية، (والعربي) المملكة العربية السعودية. لكنه ركز حديثه عن البيت الداخلي للإخوان، خصوصا التيار الإصلاحي وجيل الوسط، ومآل التنظيم الدولي، وتاريخ الإخوان غير المكتوب، والحركات الاحتجاجية الجديدة، والمسألة الاجتماعية وقضية العولمة وموقف الإخوان منها، وثنائية الحزب والجماعة ومستقبل الاخوان في ظلها... ويعتبر هذا الكتاب وثيقة تاريخية مهمة للحركات الإسلامية في ربوع الوطن العربي، ولا تهم الإخوان فحسب، نظرا لتأثر كافة التنظيمات الإسلامية بأدبيات الجماعة، وماتزال الآثار الاخوانية قائمة إلى الآن. ومن هذا المنطلق تكمن أهمية الكتاب كمرجع لحركة النقد التي عرفها المشهد الإخواني داخليا من ناحية، وحالة الجمود والركود والتراجعات، ومظاهر الارتجال التي يعرفها تنظيم الجماعة على كافة الأصعدة. لقد رصد المؤلف أهم التحولات التي مست الجماعة في السنوات الأخيرة على مستوى المشروع والرؤية والأفكار والتكوين والقواعد، ويرى الكاتب أن التحولات الجارية والمتسارعة طبيعية، لكن المشكلة لديه أنها تتم بغير وعي وبشكل عشوائي.

ويلاحظ أن الكاتب أغفل الحديث عن العنصر النسوي داخل التنظيم "المرأة الإخوانية" من حيث الأدوار والمشاركة والمواقف، ولا أظن أنه لا يمتلك معطيات حول الموضوع، لاسيما وأنه المتابع الدقيق لشؤون الجماعة (حديثه عن آل البنا، وكذا حديثه عن جماعة المشروع على سبيل التمثيل)، كما يلاحظ أيضا تركيزه الشديد على التيار التجديدي داخل الإخوان خصوصا تيار الدكتور عبد المنعم أبو الفتو ح - قبل انسحابه من الجماعة -، وكذا تيار الوسط في شخص أبو العلا ماضي (مقالة: الإخوان الديمقراطيون..الأفكار، خريطة الانتشار، والعقبات) متحيزا للعناصر المجددة داخل الجماعة، خصوصا تيار العمل العام (العمل السياسي) الذي يبدي تفاعلا سريعا مع المستجدات ومتطلبات العصر، وقد أبدى تذمره من تضييع الجماعة لعقولها الاستراتيجية؛ أي الكفاءات الإخوانية (مقالة: ماذا جرى لعقل الإخوان الاستراتيجي؟) وقمعها للشباب خاصة حركة المدونين منهم؛ الذين خرجوا عن الخطوط الحمر للتنظيم (مقالة: المدونون الإخوان .. حركة احتجاج أم تيار للنقد الذاتي). وعلى عكس المهندس هيثم أبو خليل الذي يبدو نقده للجماعة يتسم بالشراسة والوضوح وتحديد موطن الخلل والجهة المسؤولة عنه:(مثلا يعتبر – هيثم - القيادي الإخواني خيرت الشاطر الأكثر تأثيرا على مكتب الإرشاد والجماعة، وصاحب الأفكار المضادة للإصلاح من الداخل)، فإن الأستاذ حسام تمام- رحمة الله عليه- بحكم مهنته كصحفي وكاتب متخصص في حركة الإسلام السياسي الحزبي، كان يحاول أن يظهر بمظهر الباحث الموضوعي، يقول في ختام مقالته الموسومة بـ "الإخوان والأمريكان.. تساؤلات حول مواقف ملتبسة": ليس همي نقد الإخوان أو الإساءة إليهم، بل أؤكد أن ما أكتبه هو حرص عليها "يقصد الجماعة"، وعلى المشروع الإسلامي ومحاولة لوضع الإخوان أمام مسؤولياتهم التاريخية وأمام الأمة والتاريخ. إن هذه القراءة المجملة والمقتضبة للكتاب لا تغني عن قراءته بأكمله؛ حيث يحتوي على تفاصيل وحقائق في غاية الأهمية، تساعد الباحث في فهم الذهنية الإخوانية، وتطوراتها الفكرية، ومواقفها السياسية، وقد عرضها الأستاذ حسام بأسلوب سهل، مدعوم بأمثلة وملاحظات مباشرة لسلوك الإخوان، تشير إلى تأثره واستخدامه للمقاربة السوسيولوجية، فضلا عن تأثره بأطروحات نقدية حديثة للظاهرة الإسلامية . وقد أقر ـ في مقام آخر ـ بتأثره بأطروحة الباحث الفرنسي أوليفييه روا: "ما بعد الإسلام السياسي"، واستفاد منها في دراسته المشار إليها أعلاه.

لأمر كله بيد الله، فإذا هرب الإنسان من معركة، قد يجد موتاً في بيته، وقد يموت بحادث، أحدهم له مكان على الخط الأول في مواجهة العدو، بذل وسائط مخيفة، إلى أن انتقل إلى الأعماق، مات هناك في الأعماق في اليوم التالي..

من لم يمت بالسيف مات بغيره  تنوَّعت الأسباب والموت واحد


انتهى الملف

لجنة التعبئة الفكرية

مفوضية الاعلام والثقافة والتعبئة الفكرية


2017

 

Developed by