Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

وصابروا

 اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
صدق الله العظيم

الاتحول الاسرائيللي كما يكتب د. إبراهيم البحراوي

نشر بتاريخ: 2017-11-17

 
عندما أنظر إلى لوحة الفكر السياسي الإسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية نظرة شاملة من الأعالي على مساحة زمنية واسعة تقارب ربع قرن منذ نوفمبر 1995 وحتى نوفمبر 2017 فإني أرى لحظة تكون صدعا أو شرخا فاصلا بين نوعين من التفكير الغالب أدت إلى التحول الذي نشاهده اليوم من فكر تقاسم الأرض مع الفلسطينيين إلى فكر إسرائيل الكبرى.

حتى مساء الرابع من نوفمبر 1995 كانت هناك حكومة إسرائيلية تتمتع بالشعبية بين الإسرائيليين وتحظى بالدعم من قطاع مؤثر من النخبة الأكاديمية والثقافية وكانت تمتلك الرؤية السياسية والإرادة لتسوية الصراع مع الفلسطينيين على أساس فكرة وطن لشعبين. كان الجو العام مشحونا بطاقة إيجابية متجهة للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في العيش بكرامة في كيانه السياسي المستقل في الضفة وغزة.




كانت الحكومة آنذاك حكومة حزب العمل يساندها حزب ميرتس اليساري الذي يعتبر الاستيطان خطرا يهدد أمن إسرائيل وحقوق الفلسطينيين، ويرى أن حل الصراع يجب أن يكون على أساس إقامة دولتين متجاورتين تعيشان في سلام. كان نجوم السياسة والمجتمع والسهرات السياسية شبان من معسكر الحمائم في حزب العمل، وكنت عندما أشاهدهم يتحدثون على الشاشات أشعر أن صحوة ضمير قد حدثت عندهم وأن لديهم نزعة أخلاقية تسمح لهم بنوع من التفكير غير الأناني الذي يضع حقوق الشعب الفلسطيني في الاستقلال وتقرير مصيره موضع الاعتبار. ما زلت أتذكر منهم الوزير حاييم رامون ومعه أستاذ القانون يوسي ساريد زعيم حزب ميرتس المشارك في الحكومة التي يرأسها جنرال إسرائيلي صاحب تاريخ عسكري عنيف تجاه العرب، هو الجنرال إسحق رابين الذي كان القائد الفعلي للجيش الإسرائيلي في يونيو 1967 كرئيس للأركان والذي قرر بعد خبرة طويلة أن العنف والقوة وحدهما لا يجلبان السلام والأمن والاستقرار وأنه يتعين التصالح مع الشعب الفلسطيني.
على الناحية الأخرى كان معسكر اليمين منهكا وضعيفا من الناحية السياسية والبرلمانية ويجلس في مقاعد المعارضة معزولا عن غالبية الجماهير المتفائلة بتوجهات المصالحة التاريخية التي تقودها حكومة رابين وكان زعيم المعارضة اليمينية آنذاك ورئيس حزب ليكود هو بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الحالي. كان نتنياهو يحدث صخبا كلاميا شديدا في البرلمان ويخطب في أوساط اليمين وهو يهاجم سياسة رابين في التصالح مع الفلسطينيين ويبدي سخطه الشديد على اتفاقية أوسلو وما نتج عنها من السماح لمنظمة التحرير الفلسطينية وكوادرها القيادية وزعيمها ياسر عرفات بالدخول إلى غزة والضفة وإقامة سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني. كان غضب نتنياهو المعلن مركزا على تسليم رابين لجزء من الضفة، لكن غضبه غير المعلن كان يتعلق بالمستقبل. كان يخشى أن تؤدي مفاوضات الحل النهائي بين رابين وعرفات إلى إقامة دولة فلسطينية مما يمثل طبقا لمعتقداته الأيديولوجية كزعيم لليكود جريمة لا تغتفر حيث كان الشعار المسيطر على ليكود هو شعار «بين النهر والبحر لا مكان إلا لدولة واحدة هي إسرائيل». لقد بذل نتنياهو جهودا كبيرة لوقف سياسات رابين في البرلمان، لكنه فشل حيث كان رابين يتمتع بأغلبية برلمانية تسمح له بتمرير سياساته فتحول خلال عام 1995 إلى المؤتمرات الشعبية حيث كانت تحتشد جماهير اليمين الرافضة لتوجهات رابين في صخب يعبر عن المرارة السياسية من عجز معسكر اليمين عن وقف عملية المصالحة الفلسطينية الإسرائيلية. في الاحتشاد الأكبر لجماهير اليمين قبل يوم الرابع من نوفمبر بأيام وقف نتنياهو يخطب في ميدان عام يشحن جماهيره ضد رابين، وهي المشحونة أصلا بحكم معتقداتها الأيديولوجية، وقال لهم: لم أعد قادرا على وقف هذه الرجل -أي رابين- بالطرق السياسية فأوقفوه أنتم. كان هذا إعلانا بخروج الخلاف بين الحكومة اليسارية والمعارضة اليمينية من ساحات البرلمان إلى الساحات العامة، فقبل رابين هذا التحدي وقرر أن يبين لنتنياهو مدى شعبية سياساته فأعلن عن مؤتمر في أكبر الميادين مساء الرابع من نوفمبر 1995. رابين عندما قرر قبول لعبة الخروج من البرلمان إلى المؤتمرات الجماهيرية كان يتصور أن الخلاف السياسي بين اليمين وبين حكومته سيظل دائرا في إطار الوسائل السلمية والسياسية سواء داخل قاعات البرلمان أو في الميادين العامة، فخرج في مساء الرابع من نوفمبر وخطب في حشود ضخمة من الجماهير الإسرائيلية، وكان المشهد رداً على مؤتمر اليمين وكاشفا للشعبية الجارفة التي يتمتع بها رابين.

هنا خرجت اللعبة عن قواعد الخلاف السياسي السلمي الديمقراطي واتشحت بالسواد واكتست بلون الدم عندما ظهر خلف رابين وعلى مسافة أمتار قليلة منه شاب يدعى يجآل عامير من المعسكر اليميني مسلحا بفتوى دينية تحل سفك دم الرجل وتمكن من اختراق كل سياجات الأمن بسهولة ليصل إلى ظهر رابين ويطلق عليه عدة رصاصات قاتلة في القلب مباشرة. في تلك اللحظة تكون الصدع الفاصل بين فكرة المصالحة القائمة على تقاسم الأرض وبين فكر أرض إسرائيل الكبرى وحدث التحول التدريجي ناحية اليمين حتى اليوم.
Developed by