Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

تسخيف العروبة!

 في ظل تسخيف مفهوم العروبة المقصود لدى أعداء الأمة تُرفع شعارات دعم "المحرومين"، ودم الحسين، أودعم أهل السنة، أو دعم الشيعة المحرمين بالعالم، أو شعارات الفينيقية والفرعونية والكنعانية المنفصلة عن الجذور العربية، وترفع كثير أطراف كالعادة علم فلسطين في ظل صراعات الاقليم، ونحن بمنأى كفلسطينيين عن تحويل الصراع المرتبط بوجودنا في ركب الامة الى صراع مذهبي او طائفي ، اوبصراع تسيطر عليه السياسة فتحمل المذهب على أكتافها لتحقن فيه جسد الامة مستبدلة الوحدة حول العروبية الى التمحور حول المذهب ما لا نقبله ولا نرتضيه أبدا.
#بكر_أبوبكر
من مقالنا:السعودية ودم الحسين وكنعان!

«وعد بلفور» ومستقبل العلاقة العربية ـ الإسرائيلية (وكتاب جوناثان شين عن اعلان بلفور) كما يكتب د. حامد الحمود

د.حامد الحمود
نشر بتاريخ: 2017-11-11
 

 
عندما تمت مناقشة موضوع إصدار خطاب يلزم الحكومة البريطانية ببذل الجهود لتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، في أكتوبر من عام 1917، كان هناك مُعارِض واحد لإصدار هذا الخطاب. والمفارقة الكبيرة أن هذا المُعارض في حكومة لويد جورج كان إدوين مونتاج ــــ اليهودي الوحيد في هذه الحكومة.

لم يعارض، لأنه معاد لأبناء ملّته، بل لأنه كان يعتقد أن إصدار مثل هذا الخطاب سيولّد موجة من المعاداة للسامية أو اليهودية في العالم أجمع. إضافة إلى ذلك، فإنه كان ينتمي إلى توجّه نخبوي يهودي يرى أن حل المشكلة اليهودية يكمن في اندماجهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، مع احترام حقوقهم الدينية. 

وعندما تحوّل توجّه الحكومة البريطانية إلى «وعد بلفور» في 2 نوفمبر 1917، وبعد أن أعلن الوعد بتاريخ 9 نوفمبر 1917، استقبله كثير من اليهود بالترحيب. لكن معارضته لم تقتصر على إدوين مونتاج ــــ الوزير اليهودي الوحيد في الحكومة البريطانية، وإنما كانت هناك نخبة من اليهود البريطانيين الذين مثلهم المثقف اليهودي الكبير لوسيان ولف (1857 ــــ 1930). في المقابل، كان حاييم وايزمان ــــ أستاذ الكيمياء في جامعة مانشستر ــــ يتزعم اليهود الصهاينة الذين لعبوا دورا رئيسيا في إقناع الحكومة البريطانية من إصدار هذا الوعد.

لكن، ما الدوافع الحقيقية للحكومة البريطانية لإصدار «وعد بلفور»؟ هل كانت الحكومة البريطانية فعلا متعاطفة مع اليهود؟ هل كانت كارهة للعرب؟ الحقيقة كما يشرحها جوناثان شين، من خلال كتابه «وعد بلفور» الصادر عام 2010

وللعلم، فإن جوناثان شين نال الدكتوراه من جامعة كولومبيا في نيويورك، ويعمل حاليا أستاذاً للتاريخ في معهد جورجيا للتقانة=للتكنولوجيا. وإن لم أتمكن من الاطلاع على كتابه حول وعد بلفور، إلا أن بحثه حول نفس الموضوع، والذي نشره في «فورين بولسي» عام 2010 يعتبر ملخصا لكتابه. وعنوان بحثه المنشور: «كيف ساعدت معاداة السامية على خلق "إسرائيل"؟» يجيب عن دوافع بريطانيا من «وعد بلفور». وللإجابة عن التساؤل حول دوافع بريطانيا الحقيقية من إصدار وعد بلفور، أقتبس التالي من جوناثان شين:

«كان الهدف الرئيسي لبريطانيا عام 1917، هو أن تنتصر في الحرب، وكل الأهداف الأخرى ثانوية. لكن في نوفمبر من ذلك العام، بدا الانتصار بعيدا. فبعد ثلاث سنوات ونصف السنة من بداية الحرب، كان حلفاء بريطانيا في وضع يرثى له. فالجيش الفرنسي يعاني من التمرد، والإيطاليون هزموا هزيمة شنيعة، والجيش الروسي على أبواب الانهيار. ومع أن الولايات المتحدة انضمت للحرب كحليفة لبريطانيا في يونيو عام 1917، إلا أن قواتها لم تصل بعد. في نفس الوقت كانت ألمانيا تعد لهجوم كبير في الجهة الغربية».

وقد رأى كثير من السياسيين البريطانيين أن «اليهودية العالمية» ممثلة بالنخبة الرأسمالية منهم في العالم، كان يمكن أن تساعد بريطانيا على الانتصار. كما أنها كذلك كانت بحاجة لدعم من النخبة اليهودية المميزة في علمها مثل حاييم وايزمان، الذي اكتشف طريقة جديدة لتصنيع الإسيتون الذي تحتاجه بريطانيا لصناعة المتفجرات. وقد كان المصرفي وولتر روتشيلد والكيميائي وايزمان من المتحمّسين لتحقيق أهداف المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بازل بسويسرا عام 1897. فالعداء العميق لليهودية في المجتمعات المسيحية الأوروبية خاصة في شرقها ووسطها، شكّل وعيا يهوديا وجد ملاذه في تأسيس وطن لليهود في فلسطين. فالمذابح التي ارتكبت في حق اليهود في روسيا على مدى القرن التاسع عشر، خاصة في عام 1881، جعلت من المثقف اليهودي الروسي حاييم وايزمان أن يكرس حياته لتحقيق الهروب من أوروبا المسيحية إلى فلسطين. فالبيئة السياسية والقومية للأوربيين في ذلك الوقت كانت طاردة لفكرة اندماج اليهود بالإيطاليين والألمان والفرنسيين والإنكليز. لذا، كان من الطبيعي أن تنحسر وتضعف دعوات وأفكار اليهود المثقفين مثل لوسيان ولف وإدروين مونتاج الداعية لاندماج اليهود في مجتمعاتهم الأوروبية.


هذا، وأجد نفسي متسائلا عن كيفية تشكّل الوعي لدى شخصيتين يهوديتين متشابهتين من ناحية، ومختلفتين من ناحية أخرى.
تانك الشخصيتان هما: لوسيان ولف وحاييم وايزمان. فكلاهما بريطانيان من أصول أوروبية ــــ شرقية، وكلاهما نشطان في القضية السياسية اليهودية، والاثنان ساهما في تشكيل وعيهما المذابح التي تعرّض لها اليهود الروس عام 1881. لكن لوسيان وجد أن خلاص اليهود يكمن في مجتمعات ليبرالية متفتّحة تحترم جميع الديانات، بينما وجد الثاني أن خلاص اليهود يكمن في تحويل اليهودية إلى قومية من خلال الصهيونية. هذا وعلى الرغم من تأسيس "إسرائيل" كدولة، فلا يمكن أن نعتبر أن خيار وازيمان كان الأفضل لليهود. فما زال في بريطانيا حوالي 300 ألف يهودي لم تغرهم "إسرائيل.

 
بالرغم من «وعد بلفور» فإن العامل الأساسي لتأسيس دولة "إسرائيل" – من وجهة نظر مؤسسيها – كان اضطهاد اليهود في أوروبا الوسطى والشرقية. والنخبة التي أسست "إسرائيل" لم تكن مماثلة لشخصية وايزمان وروتشيلد بالرغم من أن الأول تولى رئاسة "إسرائيل". من أسس "إسرائيل" كانت «الفرقة الناجية» من التدمير الذي حل باليهود في بولندا ورومانيا وألمانيا وروسيا. من هذه الدول جاء بن غوريون وشامير وبيريس وألون وشارون وايهود باراك. وأغلبهم هاجر "لإسرائيل" من بولندا التي انحدر عدد اليهود فيها من ثلاثة ملايين عام 1938، أي قبل الحرب بسنة، إلى 20 ألفا في الوقت الحالي.

وعد بلفور لم يصنع "إسرائيل"، كان خطابا يحتمل التحقيق ويحتمل النقض، ويحتمل النسيان. من دون أن نعرف الأسباب الحقيقية وراء تأسيس "إسرائيل" لن نعرف كيف نتفاوض معهم. العنصرية الأوروبية واضطهاد اليهود في أوروبا خاصة في الفترة الممتدة من بداية القرن التاسع عشر، مرورا بالهولوكوست، هي التي صنعت "إسرائيل". 

وعندما أذكر القيادات الإسرائيلية، يأتي إلى ذاكرتي دائما يغال ألون الذي كان قائدا لقوات البالماخ التي كانت تهاجم القرى العربية إبان حرب 1948 وقبلها. وكان نائبا لغولدا مائير – رئيسة الوزراء – عندما شكلت الوزارة بعد وفاة ليفي أشكول عام 1969. إضافة لمنصب رئيس الوزراء، كان وزيرا للتربية والثقافة. فقد استمعت إلى محاضرة قدمها في جامعة ميشغان عام 1977، وقاطعت خطابه عندما وجدت نفسي على بعد حوالي ستة أمتار منه، ودفعت ثمنا غاليا على سلوكي هذا. لكني لم أعرف آنذاك أنه لم يكن عسكريا فقط، وإنما درس الفلسفة كذلك في جامعة أوكسفورد.

هذا ومع الحماس الذي كنت أحمله في معاداة الصهيونية، كنت بالتوازي مغرما بالمغنين اليهود: بوب ديلان وبول سايمون. فأغلبنا نحن العرب غير مطلع على الإرث الثقافي في العلوم والأدب والموسيقى لليهود. هذا التفوق لليهود ليس جينيا، وإنما لأنهم كانوا دائما يعيشون في محيط معاد لهم. وأرى أن الصهيونية كانت واهمة بطرحها بحل المشكلة اليهودية بتأسيس وطن قومي لهم في فلسطين.

ونحن العرب بحاجة إلى حوار دائم مع النخبة اليهودية المثقفة. ولن يحصل لنا أن نقابلهم شخصيا، إنما الفرصة للقراءة لهم دائما موجودة. بالنسبة لي كانت قراءاتي لليهودي إيريك فروم الذي ينتمي إلى «مدرسة فرانكفورت للعلوم الاجتماعية»، التي هاجر معظم أفرادها إلى الولايات المتحدة بعد وصول هتلر للسلطة نقلة نوعية في التعرف على الإرث الثقافي لليهود. بدأت بآخر كتاب نشره، لكن في النهاية قرأت أهم كتابين له، وهما: «فن الحب» و«الهروب من الحرية». إيريك فروم لم يتأثر بهرتزل ولا بالصهيونية، وإنما تأثر بماركس وبفرويد وبجلال الدين الرومي.

وتأثرت كثيرا كذلك بالمرحوم عبد الوهاب المسيري، الذي نشر «الموسوعة الصهيونية». وقابلته مرتين: الأولى في آن آربر عام 1976، بعد أن نشر مقاله الشهير في النيويورك تايمز «الصهيونية عنصرية» والثانية في الكويت. وما زال بذاكرتي ذلك اليوم عندما نسخت عشرات النسخ من مقال المسيري، وقضيت معظم ذلك اليوم أوزعه في الجامعة. وأذكر ذلك اليوم الذي دخلت فيه على مكتب أستاذ في الاقتصاد لأسلمه نسخة، وتسلمها بطريقة وكأنه يقول لي: «ياريتك تهتم بدروسك!».

بعد مئة عام من وعد بلفور، أصبحت أؤمن بالحوار مع اليهود، وحتى مع المؤمنين بالفكرة الصهيونية منهم. لكن ليس مع أمثال نتانياهو وجماعته. هؤلاء كارهون للعرب ومتغطرسون. نتانياهو نسخة مطورة من مناحيم بيغن المتهم بالإرهاب من قبل البريطانيين، والحاصل على جائزة نوبل للسلام! لا أؤمن بأن علاقتنا مع "إسرائيل" يحددها حزب الله وإيران، فهؤلاء توجههم لخدمة مصالح قومية فارسية. لكن الخيار يجب ألا يكون إما بشار الأسد وإيران وحزب الله من جهة أو نتانياهو من جهة أخرى. كلا الخيارين سيئ ومن يسوق لهما واهم.
نحن بأمس الحاجة الى أن ندخل في حوار مع الإيرانيين واليهود والأكراد والأتراك. وألا يقتصر هذا الحوار على لقاءات بين السياسيين. فالفن والثقافة وتكوين رؤية مستمدة من فهم جديد للتاريخ أصبحت ضرورة، لكي يتمكن أطفال هذه المنطقة من استنشاق الهواء.
Developed by