Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

تسخيف العروبة!

 في ظل تسخيف مفهوم العروبة المقصود لدى أعداء الأمة تُرفع شعارات دعم "المحرومين"، ودم الحسين، أودعم أهل السنة، أو دعم الشيعة المحرمين بالعالم، أو شعارات الفينيقية والفرعونية والكنعانية المنفصلة عن الجذور العربية، وترفع كثير أطراف كالعادة علم فلسطين في ظل صراعات الاقليم، ونحن بمنأى كفلسطينيين عن تحويل الصراع المرتبط بوجودنا في ركب الامة الى صراع مذهبي او طائفي ، اوبصراع تسيطر عليه السياسة فتحمل المذهب على أكتافها لتحقن فيه جسد الامة مستبدلة الوحدة حول العروبية الى التمحور حول المذهب ما لا نقبله ولا نرتضيه أبدا.
#بكر_أبوبكر
من مقالنا:السعودية ودم الحسين وكنعان!

أتسمح لي بسؤال: هل أنت مسلم أَم مسيحي؟ قصة ووجهة نظر (الجزء الثاني) .. كما يكتب سليم زاروبي

نشر بتاريخ: 2017-11-11
     

              وجهة النظر: بصدد الطائفية
في الجزء الأول من هذا المقال رويت قصة حدثت معي حثّتني على الكتابة عن موضوع الطائفية، وهو موضوع يقلقني منذ نعومة أظفاري وبداية وعيي للحياة في السبعينات من القرن الماضي. لقد كانت أحداث تلك الفترة، وعلى رأسها يوم الأرض، هي الأساسية في تكوين شخصيتي السياسية والفكرية  ; مثل باقي أبناء جيلي من فلسطينيي الداخل. تشرّبت من خلالها مُثُل الإخاء والحرية وكرامة الإنسان والديمقراطية ومحبة الناس وتحدي الظلم وقدرة النضال، الذي يوحد الناس، على كسر شوكة أعتى الأنظمة.

 ملأتني هذه التجارب، وما زالت، بالأفكار التي ترى في الإنسان، كل إنسان، وحقه في العيش بحرية ورغد وسعادة وكرامة، قيمة عليا ما بعدها قيمة. تعلمت الكثير في تلك الفترة، ودخل قاموسي الفكري والسياسي أفكار ومصطلحات عديدة. لكن لعل ما لا يقل أهمية عن ذلك، هي الأفكار والمصطلحات التي علّمتني أن أرفضها وأستثنيها من مجمل تصوري ورؤيتي للعالم، وعلى رأسها مفهوم الطائفية. فقد كان الخطاب الطائفي الذي دار في خضمّ الحرب الأهلية في لبنان في حينه، مثلاً، غريبا تماما عني. رفضته، كأغلب الناس آنذاك، بكل جوارحي، ورأيت فيه ظاهرة غريبة استغلها الاستعمار ونمّاها (وإسرائيل كجزء لا يتجزأ منه) على مدى التاريخ وحتى الآن. في حينه لم أكن أتخيل، حتى في أحلك أحلامي، أن الخطاب الطائفي والديني سيصبح سيد الموقف في غضون عقد أو عقدين.

أذكر هذا في مقدمة هذا الجزء من مقالي لهدفين، أولهما لأجزم برفضي القاطع والتام للخطاب الطائفي الذي أصبحت أراه أكثر غوغائيةً وخطراً مما كنت أراه في الماضي بكثير. والثاني هو لأعترف بأن فهمي السابق للطائفية كظاهرة دخيلة يغذيها الاستعمار فقط، هو فهم منقوص لا يفي الظاهرة حقها، فيهمل عواملها الذاتية العميقة. علي أن أنوّه هنا بأن هذا الموضوع ليس موضوع خبرتي، فأنا لست مؤرخا ولا عالماً سياسياً، وعليه، فاجتهادي هذا هو من باب مشاركتي للناس بما أفكر لعلّي أساهم، ولو بصورة متواضعة، بتطوير نقاش جدّي حول هذا الموضوع الهامّ والخطير. 

    سأبدأ بالإشارة إلى حقيقة أساسية، قد يهملها الكثيرون عندما ينظرون إلى منطقتنا، وهي التعدّدية الدينية والطائفية (والإثنية) المذهلة في الشرق الأوسط. إذ هناك السنّة والشيعة، والعلويون، والإسماعيليون، والأحمديون، والدروز، والبهائيون، والسامريون، واليهود (قبل الحركة الصهيونية)، والطوائف المسيحية بأنواعها (خمس عشرة على الأقل بعضهم، كالسريانية، الكلدانية، القبطية والمارونية مثلا، لا توجد إلا في الشرق الأوسط)، والعديد العديد من الطوائف والمجموعات الدينية الصغيرة. لكل من هذه الطوائف قصتها وتاريخها الخاص المتفاعل مع تاريخ المنطقة وأحداثها.

ما يميز هذه التعددية الرائعة أنها وليدة المكان، نشأت عبر تاريخنا العريق الممتدّ آلاف السنين، وتعايشت وتفاعلت  بعضها مع بعض بنجاح نسبي. بعكس التعددية الطائفية في الغرب التي هي ظاهرة حديثة، أتت مع قدوم المهاجرين، "الاقتصاديين" بمعظمهم، الى دول الهجرة مثل أمريكا وكندا وأستراليا، على مدار قرن ونيّف. أمّا أوروبا التي مزقتها الحروب الدينية على مدار قرون عديدة، فلم تسمح تقريبا بأي وجود آخر إلّا  لثلاث طوائف مسيحية (الأورثوذوكسية في الشرق والكاثوليكية والبروتستانتية في الغرب) وأقلية ضئيلة من اليهود. والهجرة إليها من شتّى أقطار العالم هي في الغالب ابنة العقود الأخيرة.

إذاً، كيف نفهم الحفاظ على هذه التعددية المثيرة للإعجاب في الشرق الأوسط على مدى التاريخ؟

سوف أخضع تحليلي لهذا الموضوع لحكم الاستنباط المنطقي، من غير أن أدخل في التاريخ العيني لكل طائفة وفئة (الذي ليس مجال خبرتي بأية حال). مجرد حقيقة وجود هذه الطوائف وبقائها كل هذه العصور يوصلنا للاستنتاج المنطقي بأن لهذه التعددية طرفين.

 الأول هو الطائفة أو الفئة نفسها، حيث رأى أبناؤها أنها جزءٌ مهم من هويتهم وكيانهم ومحور حياتهم الدينية والاجتماعية، وفي كثير من الأحيان الاقتصادية والسياسية. هذا عدا أنّه غالبا ما تماثلت الهويات الطائفية مع القبلية والإثنية. في الوقت نفسه تَقَبّل أبناء هذه الطوائف حكم الدولة العربية الإسلامية، بل ورأوا أنفسهم جزءاً منها كحضارة وثقافة ولغة، ومنذ أواسط القرن التاسع عشر، كقومية.

الطرف الثاني هو الحضارة العربية الإسلامية  التي تعاملت منذ بداياتها، مع الأقليات الدينية الإسلامية وغير الإسلامية  بتسامح وتقبّل، ورأت بها جزءاً عضويّا منها، ما مكّن هذه المجموعات من الحفاظ على هويتها الطائفية. بغض النظر عن أسباب هذا التسامح العديدة، فقد كان تسامحاً حقيقياً. على سبيل المثال يذكر ألبير حوراني في كتابه الشهير "تاريخ الشعوب العربية"، دراسة عن هويّة سكان الدولة الأموية الدينية إبان سقوطها، أي بعد حوالي 125 عاماً من الحكم الإسلامي.

 تقدّر هذه الدراسة بأن  من سكان سوريا، العراق، إيران، مصر وغيرها (باستثناء شبه الجزيرة العربية)، كانوا ما زالوا من غير المسلمين. وهي حقيقة مذهلة تشهد على هذا التسامح الرائع! هذا لا يعني أنه لم تكن ملاحقات وضغوطات على هذه الطوائف في فترات تاريخية معينة ومن قبل حكام مختلفين، فأنا لا أريد أن أُجَمِّل التاريخ، ولكنها كانت نسبيّاً معتدلة. أي نستطيع أن نقول من دون مبالغة، وعلى الرغم من الصعوبات التي لا بدّ منها، بأن الطوائف الدينية المتعددة في الشرق والحضارة السائدة قد تبَنّت بعضها بعضاً. فنحن جميعا، بغضّ النظر عن طوائفنا، أبناء الحضارة العربية الإسلامية. 

إذاً فالشعور بالانتماء إلى طائفة هو ليس بالضرورة أمراً سلبيّاً. وهو، إلى حدّ كبير، مرآة تعكس تعددية مجتمعنا. هذا لا يعني  أن شعور الانتماء الطائفي كان دائماً إيجابياً. فهو أحياناً يطغى على جوانب الهوية الأخرى المتنوعة، ما أدى في عدد من الحالات إلى احتراب وقمع طائفيَّين. تعرّضت، على مدى التاريخ، العلاقات بين الطوائف المختلفة إلى امتحانات وفترات عصيبة، كما حدث مثلا، في عصر الانحطاط في الدولة العباسية، أو في فترة الصليبيين وردود الفعل عليها (كما في فترة الظاهر بيبرس)، أو مذبحتَيِ الأرمن والسريان على يد العثمانيين، أو في فترة التدخل الغربي وغيرها. ولكنها في فترات أخرى كادت أن تختفي من جوانب الهوية الجماعية، كما حدث مع نشوء الحركة القومية التي شددت على الانتماء القومي كمحور الانتماء الوحيد لشعوب ومجتمعات المنطقة.

علينا أن لا نخلط بين الطائفية والدين السياسي، فهما ظاهرتان مختلفتان، بالرغم مما يظهر بينهما من ارتباط شديد أحياناً. على سبيل المثال، كان للحرب الأهلية في لبنان أبعاد طائفية واضحة في سنوات السبعين، لكنها لم تكن تمتّ بصلة إلى الدين السياسي. ومن ناحية أخرى مثلا، صعود الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر لا يمتّ بأية صلة إلى الطائفية، إذ إن نسبة الأقليات الطائفية هناك صغيرة جدا. الانتماء الطائفي هو جزء من هوية معظم الناس بغض النظر عن مواقفهم وميولهم السياسية. أما الدين السياسي، بالرغم من مرجعيته الدينية، فهو في الأساس رؤية سياسية ترى، بشكل عام، بأن حل مشاكل المجتمع جميعها تأتي من خلال التأويل السياسي والقانوني للدين.

كان أول مظهر واضح لصعود الدين السياسي الحديث هو الثورة الإيرانية في نهاية السبعينات، وتلاه حضور جَلِيّ وقويّ في كل بلدان الشرق الأوسط. بغضّ النظر عن أسباب هذا الصعود وهي كثيرة، فقد أدى بالضرورة إلى استقطاب طائفي شديد، لأنه بطبيعته يستثني أبناء الطوائف الأخرى، حتى ولو كانوا من مذاهب الدين نفسه، من الحق في ممارسة دورهم الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، وفي حالات متطرفة حتى من الحق في الوجود. هذا التفاعل الهدّام أدى أيضاً إلى ارتفاع حادّ في مظاهر الطائفية العمياء والتديّن المتزمّت. 

الانتماء الطائفي (والديني) أعمق بكثير من الدين السياسي. لأن الأحزاب السياسية، مهما كانت طبيعتها، تخضع لامتحان أرض الواقع. فإذا فشل الدين السياسي في تحقيق العيش الرغيد وحل مشاكل المجتمع السياسية والاقتصادية يكون مصيره الفشل والانحسار، ولو استغرقه بعض الوقت. هذا  برأيي هو مصير الدين السياسي أينما كان، فهو لا يملك الأدوات للنهوض بالمجتمع ومواجهة التحديات التي تواجهه (السودان هو المثال الأوضح لذلك). فما بالك إذا كان طرحه يتلخص برفضه الحداثة جملة، وتفصيلاً، وبدعوته للرجوع إلى الوراء لعدة قرون. أمّا الانتماء الطائفي فهو، حتى وإن كان هامشيّاً أحياناً، جزء أساسي من هوية أغلب الناس. 

الاستقطاب الذي ذكرته، أدّى إلى صعود الطائفية المعاصرة التي هي شكل متطرِّف للانتماء الطائفي. وهي بجوهرها تلغي، أو على الأقل تهمش، أي جانب آخر من هويتنا. لأنك تكون إما سنياًً، أو شيعياً، أو درزياً  أو مسيحياً ... لا غير! بحسبها ليس لديك أي انتماء أو مركب آخر في كيانك، فكل انتماءاتك الأخرى (الثقافية، الحضارية، الاجتماعية، وغيرها) هي إمّا مجرد امتداد لانتمائك الطائفي أو، في أحسن الأحوال، مستقلة عنه لكنها هامشية. فطائفتك هي كل ما هناك. باختصار، هي تجرّدك من وجودك كإنسان لتختزلك إلى "ابن طائفة". فالطائفية، بهذا المفهوم، هي كالتي تقف أمام لوحة غنية التفاصيل والألوان، متوقدة بالحياة، شكلتها ضربات فرشاة متفاعلة، تتعاون وتكمّل بعضها بعضا، فتصفها بأنها حمراء لا غير، لمجرد وجود اللون الأحمر من بين مئات الألوان والأطياف المستعملة بها. هذا هو جوهر العمى الطائفي.

ثم تذهب الطائفية أبعد من ذلك بكثير، وهنا خطرها الأساسي.  فهي لا تكتفي بأن تهمل كل أوجه هويتنا الأخرى، بل إنها تعطي لنفسها وزناً قِيمِيّاً أسمى من غيرها من الطوائف والفِرَق. الطائفي منا هو من يعتقد بأنه وأبناء طائفته ودينه أرقى وأفضل من غيرهم. وهو لا يرى في الطوائف الأخرى سوى انحطاطها القيميّ، ما يخوّل له الاستعلاء عليها. فهو بهذا يرفض تفهّم واحترام الآخر لأنه كابن دين أو طائفة أخرى ذو موقع منحطّ، ولا يملك الحق في أن يُفهم ويُحترم.

بل إن الأمر أخطر من ذلك! إذا برّرتَ تفوق ديانتك أو طائفتك على الطوائف الأخرى، فما الذي يمنع إذاً أبناء الأديان والطوائف الأخرى من أن يعتقدوا بأنهم يتفوقون عليك، لمجرد أنهم أبناء طائفة أخرى؟ مثلاً، ماذا يمنع اليهودي من الاستعلاء على المسيحي إذا كان المسيحي يرى مناسبا أن يستعلي على المسلم؟ علينا إدراك هزال، ضحالة وخطورة هذه الرؤية. من يقبلها يصبح عبدها ورهين قيودها. بقبول حكمها نخسر قيمتنا الأخلاقية ونصبح أحطّّ من الآخر الذي نرفضه ونستعلي عليه! باختصار، ومن غير مبالغة، الطائفيّ منا (بمعنى الطائفية الذي ذكرته) هو من تجرّد من إنسانيته!

هذا ما علينا أن نحاربه بكل ما أوتينا من قوة. أولاً أن نرفض اختزال وجودنا إلى مجرد وجود طائفي وديني. ثانياً والأهم، أن نتمرد على تجريد الآخر، ابن الطائفة أو الدين المختلف، من قيمته كإنسان لمجرد أنه ولد لواقع ديني مختلف، إذ لم يختر أيّ منّا لأيّ دين أو طائفة وُلِد. لأنه عندما نجرّد الآخر من إنسانيته نجرد بالتالي أنفسنا منها أيضاً.

 نستطيع أن نجزم، عند قراءة تاريخنا، بأن فترات النهضة والتطور والتفاؤل، ارتبطت بمزاج وجوّ من التسامح والترابط بين جميع أبناء حضارتنا وانحسار الهوية الطائفية. أما فترات التراجع والانحسار الحضاري والثقافي فقد تزامنت مع أجواء التعصب الطائفي والديني وقِلّة التسامح وعدم الانفتاح. فالتسامح والانفتاح هما دلائل القوة والثقة بالنفس والطموح إلى اعتلاء القمم الفكرية والإنسانية. أمّا التعصّب والانغلاق، فهما شِيَم الضعف والوهن والانحسار الحضاري وتعظيم الممنوع وإضاعة البوصلة وقمع الآمال.

لقد اختطف حضارتنا دعاة الظلام وغربان الخوف، واستولى علينا جنون الطائفية والتديّن الأعمى. وهم يهوُون بنا إلى غياهب الجهل وسراديب القنوط ومستنقعات الكراهية. واجبنا جميعاً تحدّيهم وإيقافهم. لا بِأن نتقوقع كلٌّ حسب طائفته، بل بأن نعمل سويّة لنستعيد حقّنا في حضارتنا ووجهها النيِّر المتسامح والمنفتح. من أجل تاريخنا، من أجل إنسانيتنا، من أجل الحفاظ على تعدديتنا الرائعة... والأهم من هذا كله، من أجل مستقبلنا.  فاليوم لا مكان للحياد، فإمّا الأمل والحياة وإمّا اليأس والاندثار.

الحوار المتمدن
 العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
                        
Developed by