Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

تسخيف العروبة!

 في ظل تسخيف مفهوم العروبة المقصود لدى أعداء الأمة تُرفع شعارات دعم "المحرومين"، ودم الحسين، أودعم أهل السنة، أو دعم الشيعة المحرمين بالعالم، أو شعارات الفينيقية والفرعونية والكنعانية المنفصلة عن الجذور العربية، وترفع كثير أطراف كالعادة علم فلسطين في ظل صراعات الاقليم، ونحن بمنأى كفلسطينيين عن تحويل الصراع المرتبط بوجودنا في ركب الامة الى صراع مذهبي او طائفي ، اوبصراع تسيطر عليه السياسة فتحمل المذهب على أكتافها لتحقن فيه جسد الامة مستبدلة الوحدة حول العروبية الى التمحور حول المذهب ما لا نقبله ولا نرتضيه أبدا.
#بكر_أبوبكر
من مقالنا:السعودية ودم الحسين وكنعان!

أتسمح لي بسؤال: هل أنت مسلم أَم مسيحي؟ -- قصة ووجهة نظر (الجزء الأول) .. كما يكتب سليم زاروبي

نشر بتاريخ: 2017-11-11

         
       هل أنت مسلم أم مسيحي
 أتسمح لي بسؤال: هل أنت مسلم أم مسيحي؟  سألني بالعبرية الرجل الذي كان جالسا بجانبي. كنت قد انتهيت للتّو من مكالمة هاتفية مع زوجتي لأخبرها بأني على وشك ركوب الطائرة التي تقلني إلى هولندا من مطار اللد. نظرت إلى هذا الرجل مندهشا، فهذا السؤال كثيرا ما يسأله ناطقوا العبريّه ولكنها المرة الأولى التي يسألني بها أحدهم قبل تبادل أي حديث. وبسرعة كبيره تحوّل اندهاشي إلى شعورٍ بالإهانة، فغضب واضح! من هذا الذي يجرؤ على سؤالي مثل هذا السؤال من غير مقدمات؟ رفعت رأسي لأرى من هو، فإذا به رجل في أوائل الأربعينات من عمره كان قد جلس بجانبي، وأنا أتحدث مع زوجتي من غير أن أنتبه.

لماذا أغضبني هذا السؤال، قد تَعْجَب؟  فالناس عادة يسأل بعضهم بعضاً مثل هذه الأسئلة، ما الضير بذلك؟ صحيح، هذا سؤال شرعي بين شخصين بينهما معرفة وحديث (ولو عابران) يأتي لإرضاء فضولهما أو تعميق معرفة أحدهما للآخر، لا أكثر. أما عندما يُسأل هذا السؤال لكي  يغذي  سائِلُه آراءه المسبقة ويضعك في حيّز معين يحدد منه كيف يتعامل معك ويتحدث إليك، فالسؤال عندها غير شرعيٍّ بل حتى كثيرا ما يكون عنصريّا. قد يكون منطلق هذا الرجل من سؤاله مختلفاً لكني في تلك اللحظة لم أرَ فيه إلّا منحاه الأسوأ. 

 لقد نلت حظي من هذا السؤال مرات كثيرة من إسرائيليين لقيتهم مصادفة، وخاصة في سفراتي  العديدة من مكان سكني خارج البلاد لزيارة أهلي وأصدقائي في الناصرة، ففي الطائرة لا تختار بجانب من تجلس. كنت في البدايه أحاول التغاضي عن هذا السؤال لأن انتمائي الطائفي لا يشكل جزءاً من هويتي. لكنه سرعان ما تحول إلى موضوع تسلية، فأحيانا يفترض الجالس بجانبي بأني مسلم وأحيانا أخرى مسيحي، وحتى أحيانا،عندما ينظر إلى ما أقرأه أو أكتبه على حاسوبي, يفترض بأني أجنبي فيعاملني وفقا لذلك، وأنا لا أصحح فرضيته.

 كشفت لي هذه التجارب مدى تأصّل التفكير المسبق والعنصري في ذهن الإسرائيلي المتوسط. مهما كانت فرضيته، ففي أحسن الأحوال (أي عندما يكون الشخص "يساريا") يُظهر جهله التام لواقعك، كأنه يعيش في واقع موازٍ لا يلتقي مع واقعك كفلسطيني بالرغم من أن الحديث معه قد يكون ممتعاً. وفي أسوأ الأحوال تطفح عنصريته السافرة من كل جملة يقول، أو لا يقول.

ولكن وبعد أكثر من عشرين عاما على مثل هذه التجارب، أصبحت في الفترة الأخيرة أرفض الإجابة عن هذا السؤال، جملة وتفصيلا. فقد تعبت من خطاب الهوية الدينية لدرجة أني لم أعد أتمتع حتى بالسخرية منه. عندها اكتشفت أنّ هذا هو أفضل خيار. 

فهو يبلبل سائلي حتى الصميم، لأن من يصنف البشر كقطيع طوائف ومذاهب، لا يوجد حيّز في عالمه لمن يرفض هذا التصنيف! الشخص الذي لا يرى منك إلا جانبك الطائفي هو في الحقيقة ليس ذا تفكير مشوه وحسب، بل هو أيضا مسكين، لأنه رهين أرائه المسبقة وفكره الطائفي، يصنف الناس هكذا لأنه هو نفسه يفكر كفرد من قطيع، لا كشخص حرّ يقيّم نفسه كإنسان. وهو يرمي الناس بدائه، غالبا، من غير أن يدرك ذلك.  

أستطرد هنا بقصة  تحضرني حدثت معي ومع عائلتي عندما انتقلنا من مدينة ميونيخ في ألمانيا، بعد أن عشنا بها خمس سنوات إلى مدينة خروننغن في هولندا. أذكرها هنا كمثال لتصرف مغاير. توقفنا في إحدى المدن في وسط ألمانيا لنقضي ليلتنا في فندق صغير كنت قد حجزت به غرفة عبر الإنترنت. استقبلتنا موظفة الفندق التي تحدثنا معها بطبيعة الحال بالإنجليزية، وهي لغة مهنتي، أستعملها أكثر حتى من اللغة العربية، وإضافة إلى ذلك فقد سمعتنا نتحدث أنا وزوجتي باللغة العربية. ثم طلبت منا جوازات سفرنا فأعطيناها، لدهشتها، جوازاتنا الإسرائيلية، فنحن أبناء من بقي من الفلسطينيين  في أرضه بعد النكبة.

  ثم طلبت مني أن أكتب عنواني، فأعطيتها عنوان بيتنا الذي كنا قد استأجرناه قبل بضعة أسابيع في هولندا، فازدادت حيرة. وفي النهاية طلبت منها فتح باب موقف السيارات لأضع سيارتي فيه، فرأيت فمها يفتح من الدهشة عندما رأت سيارتي التي تحمل لوحة ترخيص ألمانية تبدأ بالحرف M أي من مدينة  ميونيخ. بالرغم من كل علامات البلبلة والحيرة البادية على وجه هذه المرأة فهي لم تسأل سؤالا واحدا عنا، بل احترمت خصوصيتنا وعاملتنا بالاحترام والرسمية التي تعامل بها كل زبائن الفندق. 

علي أن أنوّه أننا أيضا أنا وزوجتي تنبهنا عندها فقط بأن واقعنا يحمل كل هذا التعقيد. بعكس سائلي الإسرائيلي، لم تسألنا هذه المرأة عن أصلنا وفصلنا ولا عن ديننا أو طائفتنا، بل احترمتنا كبشر. هذا لا يعني أنها لم تكن تود أن تسأل ولكنها، أو هكذا أتخيل، لم ترد أن تمس بمشاعرنا أو أن تشعرنا بأنها تتطفل على خصوصياتنا إذا ما سألتنا. بالطبع أُسأل كثيرا عن أصلي في الغرب، ولكن دائما يأتي هذا في سياق حديث وبشكل طبيعي غير مبتذل أو مغرض، فلا أشعر بحرج أو غضب منه.

  لنعد إلى سائلي! أجبته بهدوء، ولكن بصوت صارم ولهجة جافة وملامح امتعاضي واستيائي بادية على محياي قائلا:  أنا لا أجيب عن مثل هذا السؤال!  فصمت مندهشا لا يعرف ما يقول. واسترسلت مضيفا: "بأي حق تسأل مثل هذا السؤال وأنت لا تعرفني ولا أعرفك؟ هل تقبل أن أسألك هل أنت يهودي شرقي أم غربي، هل أنت يمني أم بولندي، قبل أن أتبادل معك أي كلمة؟" وعند كل جملة أقولها يزداد إحساسي بالاستياء منه، وسلطة صاحب الحق جليّة في نبرة صوتي، ودهشته من ردة فعلي آخذة بالازدياد. أكملت حملتي على سؤاله والمنطق من ورائه، "ثم ماذا يفيدك أن تعرف ديني؟

 هل سيحدد هذا كيف تتعامل معي؟ أم سيغذي جوابي آراءك المسبقة؟ هل ستقرر عندها بأني عربي جيد أم سيّئ؟"، والرجل لا يعرف ما يقول غير أن يتمتم معتذرا. ولكني لم أحجم عن الاستمرار في هجومي بالرغم من اعتذاراته المتكررة قائلاً "أنتم لا تتوقفون فقط عند العرب بهذه التصنيفات المريضة، بل تستعملونها لتصنّفوا بعضكم بعضاً! هذه التصنيفات هي مشكلتكم، وأرفض أن أتبناها كمشكلتي! وإذا لم تكن تعرف أن تتوجه إلي كإنسان فالأفضل أن تبقى صامتاً".

من الواضح أن حدّة إجابتي لم تكن فقط للرد على هذا الرجل، فقد أدركت بعد هذا الحدث، أني كنت من خلال هذا أتألم لتاريخنا. فغضبي سببه الإجحاف، الإهانة، وفوق كل شيء التشويه الذي فرض علي وعلى شعبي. كنت أصرخ، من غير أن أدري، في وجه العنصرية، الطائفية، والاستعلاء الأعمى الذي نعاني منه أينما نكون.  كنت أعلن تمردي على من يريد أن يصنّفني كفرد من قطيع، وعلى من يريد أن يجرّدني من غِنى هويتي وشخصيتي ليرى مَنْحًى واحدا منها، وعلى من يتجاهل زخم حضارتي وثقافتي ويفتّت تاريخي إلى شذرات تافهة ليس لها أهمية، وعلى من يتعامى عن طيف ألواني  ليختزلني إلى لون واحد. قد يكون هذا الرجل الذي سألني  بريئاً من كل هذا، ونواياه أفضل مما تخيلت بكثير، لكن "الطريق إلى جهنم مرصوف بالنوايا الحسنة".

بعد أن صببت جام تمرّدي على رأس سائلي المسكين، حدث ما لم أتوقعه! فبدل أن يتمتم اعتذارات أخرى ويتركني، لا بل يتجنّبني، خلال السفرة حتى يذهب كل منا في طريقه، فعل هذا الرجل عكس ذلك! فبعد أن إعتذر، سكت برهة،  ثم توجّه إليّ بصوت واضح وصريح قائلا: "معك حقّ، أنا لم أفكر في هذا من قبل، ولكنك على حق!"، فخفّ شعوري بالغضب، ولكن بقي شعور الإهانة بالرغم من محاولته التي بدت صادقة بالاعتذار. في الطائرة كان مقعدي قريباً من مقعده، وتبادلنا خلال الرحلة بعض الحديث، فسألني عن مهنتي وحدّثني عن مهنته (بيولوجي يعمل في حقل تطوير أدوية للسرطان).

 وفي نهاية الرحلة سألني عن اسمي فأعطيته اسمي الأول. وافترقنا وما زال استيائي الشرعي يلازمني، بالرغم من تبادل الحديث. بعد عدة أيام إذا به يرسل إلي رسالة اعتذار بعد أن فتش عني بالإنترنت. ما أعجبني أن هذا الرجل حاول أن يتعلم من هذا الحدث ويستخلص عِبرا، فقد دفعه احتجاجي على سؤاله إلى التفكير وإعادة النظر في فرضياته، وهذا نادراً ما يحدث. فقليل منا يجرؤ أن ينظر في المرآة ليواجه عوراته.  

 بعد برهة من إقلاع الطائرة خلدت لأفكاري، فراودني في البداية شعور بالاكتفاء، ولم لا، ألم أوقف هذا الرجل عند حدّه؟ ألم أفحمه بالحجّة القاطعة؟ ألم أضطرّه إلى أن يعيد التفكير في منطلقاته؟  ولكن بدأت غيوم التشاؤم تجول في ذهني، ما يدريني إذا وصل إلى الاستنتاجات العميقة المتحتمة عليه، أو أن ما تَعَلَّمه من هذه التجربة هو أن يكون حذرا أكثر في ما يقول من غير أن يغير تفكيره! وحتى إذا غيرّ تفكيره  فهو شخص واحد فقط، الأغلبية الساحقة ستبقى كما هي، سائرة قدما بثقة إلى براثن الفاشية التي ستحرقنا وإياهم! 

ثم عبرت بأفكاري غيمة أخرى أشدُّ سواداً من سابقتها. كيف أحاسب هذا الرجل على سؤاله عندما يكون هذا هو السؤال الأول الذي يسأله أبناء مجتمعي. ألم نعد نرى أنفسنا إلا كمسلمين ومسيحيين؟ كسنّة وشيعة؟ ألم نسمح لأدياننا بأن تجردنا من إنسانيتنا؟ ألم يحرق يسارنا علمانيته على مذبحة الفوائد الآنيّة وضيق الأفق؟ ألم تخنق قبليّتنا فرديّتنا؟ ألم يَئِد وهمُ الشرف خير نسائنا؟ بأي حق أهاجم هذا الرجل؟ أغرقتني هذه الأفكار لبرهة في بحر من التشاؤم والإحباط، وأدركت حينها بأن هذا هوالسبب الأعمق لحدة إجابتي، لأني كنت أحتجّ على قبول أبناء شعبي لهذا المنطق والتماهي مع منطلقاته.

بعد لحظة، تبسمت ساخرا من تفكيري الذي أوقعني في مطبّ التعميم القبليّ الذي كنت قد اعترضت عليه أمام سائلي الإسرائيلي. أنا لست الوحيد من أبناء مجتمعي الذي يرفض فرضيات الطائفية ولا يتقبل لغتها، فمثلي كثيرون، ألاقيهم في كل مكان. منهم من يعي خطرها ويفهم أبعادها بعمق، ومنهم من رفضها بفطرته وبحسن بديهته. هناك أيضا الكثيرون الذين وقعوا في براثنها نتيجة الضغط الاجتماعي السائد، أكثرهم كانوا حتما سينبذونها إذا ما فكروا بمخاطرها. لكن هذا لن يحدث إذا تقاعسنا عن مواجهتهم بوضوح وصراحة، إذا لم نضع نصب أعينهم مرآة نفضح بها عورة الطائفية وأخطارها. فحتما سيجد مجتمعنا وحضارتنا مخرجا من براثن الطائفية والتعصب من خلال هذه المواجهة،  كما فعل مرات عديدة في الماضي. هذا لن يكون سهلا، بالذات في هذه المرحلة السوداء، فنحن نسبح ضد التيار. ولكني على يقين بأنّا، إذا واجهناه، فسيغيّر التيار اتجاهه لا محالة.

الحوار المتمدن 
                العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
سيتبع بالجزء الثاني.
بروفسور سليم زاروبي، 
حزيران 2016، خروننجن هولندا. 

Developed by