Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

يكذب على فراش الموت!

 حتى وهو على فراش الموت لا ينفك "بيرز" يكذب ببجاحة حين يقول أنه حول فلسطين "أرضه/وطنه الأم؟؟!" لجنة! وأرض خصبة من مالحة!؟؟ بينما اليهودي "أحاد هاعام" عام 1891 قال: "ان البلاد -المقصود فلسطين-يصعب ان تجد فيها ارضا غير قابلة للفلاحة او لم تفلح بعد-واليكم النص من كتابه بعد وفاته ووصيته:
في عام 2016 وقع شيمون بيريز على وصيته وجاء في مذكراته: «أعتقد أن السلام أمر حتمي، لاني افهم اهميته، فهو الذي مكن روادنا من  إقامة وطننا الأم، وهو الذي دفعهم الى الابتكار وتحويل الاراضي المالحة إلى أراض خصبة، والصحراء إلى ارض تنتج الفواكه..؟!

الهاكطولوجيا ودورها في تفسير الهجمات الإلكترونية وتأثيرها على الممارسة الصحفية

نشر بتاريخ: 2017-11-08

تبحث الورقة تأثير الهجمات الإلكترونية في مسارات الأحداث وخلق الأزمات، وكيف أصبحت جزءًا مُكِمِّلًا لجمع المعلومات نتيجة الاستقطاب المتزايد والهائل في منقطة الشرق الأوسط، وتدرس أيضًا تأثيرها في الممارسة الصحفية. وتُقدِّم الورقة مدخلًا نظريًّا (الهاكطولوجيا) لتفسير الظاهرة وتوقع مساراتها.
ليون برخو
 (الجزيرة)
 
مقدمة 

لقد اتسع نطاق ظاهرة قرصنة المعلومات والهجمات الإلكترونية وتسريب المعلومات ونشر الأخبار الكاذبة، وأخذت تلعب دورًا مهمًّا ومؤثرًا في جمع المعلومات والتغطية الصحفية وطريقة تقديمها للمتلقي من قِبَل وسائل الإعلام، ولم يعد أثر هذه الظاهرة مقتصرًا على وسائل التواصل الاجتماعي أو مواقع شخصية مُحَدَّدة على الشبكة العنكبوتية. وأصبحت المعلومات التي يحصل عليها القراصنة أو التي يبثونها عبر مواقع إعلامية -بعد دخولها بطريقة غير مشروعة أو بث أخبار كاذبة بطريقة تبدو موثقة من حيث المحتوى والمصدر- سببًا لإثارة الأزمات وخلق الصراعات. 

ويلجأ القراصنة الإلكترونيون إلى وسائل غير مرخصة وغير قانونية لمواجهة المؤسسات وحتى الدول، ويتمثَّل هدفهم الأساسي في الحصول على المعلومات التي تحاول المؤسسة إخفاءها عن عيون الناس أو إقحام معلومات بعد قرصنة مواقع إلكترونية وبثها لغايات مُحدَّدة. ويحاول القراصنة عند نشرهم لمعلومة ما استثمار سياق الحدث، خصوصًا الشكوك التي تنتاب الناس حول الصراعات القائمة والأسرار التي تكتنفها. 

ورغم السلوك غير القانوني الذي يتَّبعه القراصنة في الحصول على المعلومة أو إقحام معلومات مُفَبْرَكَة في مواقع مُحدَّدة، فإن المحتوى الذي يتم الكشف عنه يلعب دورًا محوريًّا في الإعلام والصحافة. واليوم نرى أن المحتوى الذي تتم قرصنته أو تسريبه يُشَكِّل مصدرًا من مصادر المعلومات المهمة للقنوات الإخبارية. وبالنسبة للأكاديميين والباحثين، فإن انتشار أعمال قرصنة المعلومات وتسريبها يتطلب أدوات بحث وتحليل جديدة؛ لأن المداخل النظرية التي حاولت حتى الآن فهم الظاهرة فشلت في تفسيرها ووضع فرضيات مُحدَّدة لها والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بها.

وتسعى الورقة إلى اعتماد أدوات بحثية جديدة لدراسة القرصنة أو الهجمات الإلكترونية وتسريب المعلومات ودورها في تكوين الرأي العام وتأثيرها في الممارسة الصحفية والتغطية الخبرية للقنوات الإخبارية السائدة في الساحة الإعلامية. كما تبحث دور القرصنة وتسريب المعلومات في خلق الأزمات والصراعات ليس على مستوى الأفراد والجماعات فقط بل والدول أيضًا. إن عمليات قرصنة وتسريب المعلومات صارت واحدًا من المصادر الخبرية المهمة اليوم، لكن لا نزال نفتقر إلى الأدوات التي تُمكِّننا من تقييم وقياس هذه الظاهرة بطريقة علمية رصينة وتسمح لنا بالتكهن أو توقُّع مساراتها وتأثيرها وتبعاتها. 

في ضوء ذلك، تتناول الورقة عدَّة محاور، نستهلها بشرح ظاهرة القرصنة وتقديم تعاريف مُحدَّدة لها والمخاوف التي ترافقها. ومن ثم نقارن بين ما يقوم به القراصنة ومُسَرِّبو المعلومات وناشرو الأخبار الكاذبة وبين المؤسسات التي تحاول جهدها إبقاء المعلومة طيَّ الكتمان. بعد ذلك، تُقَدِّم الورقة موجزًا لنظرية الهاكطولوجيا وأهم طروحاتها الفكرية وفرضياتها، ثم ندرس الفرق بين المعلومة المُفَبْرَكَة والمعلومة التي لا يمكن التحقق منها وكيف أن الإعلام الرئيسي قد يقع فريسة للقراصنة ومُسَرِّبي المعلومات، ثم نتناول نموذجًا تطبيقيًّا لنظرية الهاكطولوجيا لتفسير ظاهرة تفشي القرصنة والأخبار الكاذبة ونظرية المؤامرة في الشرق الأوسط.

القرصنة وجمع الأخبار

هناك فروقات بين الطرائق التي تحاول من خلالها الوسائل الإعلامية الخبرية الوصول إلى المعلومات، والوسائل التي يستخدمها القراصنة في الوصول إليها؛ حيث يعمل الصحافيون ما بوسعهم من أجل الالتزام بمعايير مهنية وأخلاقية إضافة إلى وضع القوانين السائدة في عين الاعتبار عند جمعهم للمعلومات. أما القراصنة فإنهم يَنْدَسُّون ويتسلَّلون خلسة وبطريقة غير قانونية وغير مشروعة تفتقر إلى القيم الاعتبارية والأخلاقية السائدة في الممارسة الصحفية.

ولهذا، فإن قيام أي صحفي بقرصنة المعلومات سيترتَّب عليها عواقب؛ لأن انتهاك أخلاقيات وقوعد العمل الصحفي يُعَدُّ جنحة. ولا يزال صدى فضيحة القرصنة والتنصت غير المشروع من قبل الصحيفة البريطانية "نيوز أوف ذي وورلد" (News of the world) في عام 2011 يتردَّد حتى يومنا هذا. وقد أدت هذه الفضيحة إلى تشكيل لجنة تقصي برئاسة اللورد ليفيسون (Leveson Inquiry) التي تُشَكِّل أول لجنة حكومية من نوعها بهذا المستوى في العالم لتقصِّي عملية قرصنة من قِبَل الصحافة والإعلام. وكان لتوصيات اللجنة أثر بالغ على الصحافة في بريطانيا بصورة خاصة والعالم الغربي أيضًا؛ حيث وضعت معايير مُحدَّدة لتجنُّب سلوكيات غير أخلاقية وغير قانونية من قِبَل وسائل الإعلام الرئيسية.  

ويعتبر تحقيق ليفيسون دليلًا على ما قد يتعرض له الصحفيون وممارسو مهنة الصحافة من تبعات عند اتباعهم طرقًا غير أخلاقية وغير قانونية لجمع المعلومات. وقد كان التحقيق ذاته ونتائجه فرصة كي تراجع الوسائل الإعلامية الرئيسية وغيرها في بريطانيا جميع الطرائق والوسائل التي تعتمدها في جمع المعلومات وكتابة الأخبار وإجراء المقابلات.  

 

وفي السنين التي تلت تحقيق ليفيسون، وولوجنا من أوسع الأبواب ثورة المعلومات والثورة الرَّقمية، صرنا وجهًا لوجه أمام ممارسات وعمليات قرصنة وهجمات إلكترونية في شكل مختلف؛ بات لها تأثير كبير على الإعلام والصحافة كممارسة ومهنة. فهناك اليوم منظمات، مثل ويكيليكس، صارت جسرًا لنشر المعلومات التي يصل إليها القراصنة؛ إذ يتكئ الإعلام بصورة عامة، والصحافة الرئيسية بصوة خاصة، على خدمات ويكيليكس، ومواقع ذات وظائف مشابهة، لنشر المعلومات التي اخترقها وجمعها القراصنة في نشراتهم الإخبارية وضمن المحتوى الإخباري للصحف والمجلات. وفي الغالب لا تنشر الصحافة الرصينة أي مادة يصل إليها القراصنة إلا بعد التحقق منها. ولدينا اليوم وسائل صحفية مختلفة غايتها التَّحَقُّق من مصداقية المعلومة ولكننا سنتجاوزها؛ لأنها خارج سياق بحثنا هذا.

مخاوف كبيرة

في بداية عام 2017، وكنتيجة لما رافق الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016، من حوادث ذات علاقة بالقرصنة ونشر الأخبار المُفَبْرَكَة، اتخذ مسار القرصنة وتسريب المعلومات منحىً خطيرًا ومؤثرًا على وسائل الإعلام الرئيسية. ولهذا أصبح من اللازم على العلماء والباحثين في شؤون الإعلام استقصاء ودراسة الممارسات التي ترافق القرصنة، ومن ثم وصول المعلومات التي يحصل عليها القراصنة إلى وسائل الإعلام، وكيف باتت أحيانًا مصدرًا من مصادر الصحافة التي تُحْدِث بلبلة وتُؤثِّر في التغطية الخبرية والقرارات التي تتخذها هيئات التحرير.    

وتُسخِّر الأحزاب السياسية والحكومات موارد كبيرة لإخفاء المعلومات أو "الحقائق" عن الناس؛ لأن كشف هذه المعلومات، حسب رأيهم، يَضُرُّ الأمن القومي. وتُمِيط المؤسسات بصورة عامة اللثام عن المعلومات أو "الحقائق" التي لا تُلحِق ضررًا بمواقفها، وترى في حفظ الأسرار التي تقع في خانة "الأمن الوطني" أمرًا حسنًا وحميدًا. أما القراصنة والمنابر التي تنقل المحتوى الذي يحصلون عليه نتيجة اقتحامهم لمواقع إلكترونية مُحدَّدة لجعله متاحًا للكل، فيُقدِّمون رؤية مختلفة؛ إذ تُخفي الحكومات والمؤسسات، في نظرهم، المعلومات عمدًا كي يبقى الناس في ظلام وجهل بما تقترفه من ممارسات ضارة.

بين هذا وذاك، فإن السؤال المطروح هنا: أين دورنا كباحثين وعلماء في حقل الإعلام والصحافة للتعامل مع هذه الظاهرة وتفسير ميكانيزماتها ودينامياتها؟ الجواب هو أننا كباحثين وعلماء آن الأوان أو ربما صار لزامًا علينا استنباط نظرية جديدة لتفسير ظاهرة القرصنة وتأثيرها على أجهزة الإعلام الخبرية مع أطر بحثية لرصد المشاهدات والواقع الاجتماعي الذي يرتبط بها. اليوم لدينا من الأدلة ما يُبَرْهِن على أن القرصنة صارت تقريبًا ظاهرة عامة في العالم الرَّقمي، كما لدينا أيضًا أدلة تثبت أن القرصنة صار لها تأثير على الصحافة المكتوبة والإلكترونية. إن تغطية ما يحصل عليه القراصنة من معلومات أو ما يُقحمونه من معلومات كاذبة ومحتوى مُفَبْرَك على الشبكة العنكبوتية أو على وسائل إعلامية مُحدَّدة صار ظاهرة لا يمكن التهرب منها. بيد أننا كباحثين وأساتذة الصحافة والإعلام نفتقر إلى الأدوات والأساليب اللازمة لدراستها وتفسيرها وقياسها بطريقة علمية رصينة ومنهجية تُمكِّننا من التنبؤ بمساراتها وتأثيراتها وكذلك تساعدنا في الوصول إلى استنتاجات للتخفيف من تبعاتها -إن وُجدت- وتقييم وقياس أثرها على مهنة الصحافة والإعلام.  

القراصنة والـمُسَرِّبون والمؤسسات

يعتمد القراصنة في الغالب على مهاراتهم للوصول بطريقة غير قانونية وغير مرخص بها إلى معلومات تختزنها ذاكرة الحاسوب، وحالما يحصلون عليها، يسعون إلى تسريبها لمنابر أخرى بغية جعلها متاحة للناس وخصوصًا الصحفيين ووسائلهم الإخبارية. ويُشْبِه دورهم إلى حدٍّ ما دور المبلِّغين (whistleblowers) الذين يحاولون الانتفاع من المعلومات السرية التي في حوزتهم أو في إمكانهم الوصول إليها لتسريبها؛ لأنهم يعتقدون أن بقاء هذه المعلومات طي الكتمان جزء من الفساد المؤسساتي وهو في رأيهم أيضًا أمر غير مشروع(1). ويقول الصحفي ماثيو وول (Matthew Wall) من هيئة الإذاعة البريطانية: إن القراصنة ومُسَرِّبو المعلومات السرية، سواء كانوا أفرادًا مستقلين أو أشخاصًا أو مجموعات تتبنَّاها المؤسسات أو الحكومات، "صارت لهم اليد العليا" كمصادر أساسية لكتابة الأخبار الصحفية بغضِّ النظر إِنْ كانت المعلومة التي يُقَدِّمونها موثوقًا بها أم لا(2).  

ولا يخفى أن تسريب المعلومات وقرصنتها، لاسيما مع وصول دونالد ترامب إلى إدارة البيت الأبيض، صار جزءًا مُتَمِّمًا للإعلام الخبري ومصدرًا مهمًّا للأخبار؛ تحاول الحكومات والمؤسسات جهدها أن تبقيه خارج متناول الناس. وإذا نظرنا إلى رئاسة دونالد ترامب من حيث كمية وعدد التسريبات، لوجدنا أنفسنا أمام وضع خطير. إن حجم وعدد التسريبات مدهش حقًّا؛ إذ بلغت في الأشهر الثلاثة الأولى من حكمه ثلاثة أضعاف عددها في السنين الثلاث الأخيرة لإدارة الرئيس السابق باراك أوباما. ولئن كانت القرصنة، التي يقال: إن مصدرها روسيا، قد زجَّت بإدارة ترامب في فوضى، فإن التسريبات، التي وضعتها في موقف مربك لا يُحسَد عليه، تُعَدُّ مؤشرًا على ضعف الإدارة والإخلال في الوظيفة(3). وهذا ما حدا بإدارة ترامب إلى اتخاذ إجراء بصدد كيفية التعامل مع القرصنة وتسريب المعلومات التي كان لها -ولا يزال- تأثير بالغ على الممارسة الصحفية أيضًا. وقد أربكت التسريبات المتكررة إدارة ترامب مما أجبر وزير العدل الأميركي، جيف سيشنز، على التدخل وتقديم لائحة اتهام بحق أربعة أشخاص؛ ومن ثم القول: إن وزارته تُفكِّر مليًّا في إصدار مذكرات استدعاء لأي وسيلة إعلامية يثبت أن لها ضلعًا في ذلك(4).

لقد طلع علينا عصر تسريب المعلومات وقرصنتها ويبدو أن جزءًا من الإعلام الرئيسي، أو في أقل تقدير ممارسي الصحافة، يستمتعون بالجلوس أمام شمسه التي أخذت في الشروق. ويوجد بين وسائل الإعلام والصحفيين من يعتقد أن هناك مادة أكثر دسمًا يمكن استخلاصها من القراصنة والمُسَرِّبين من تلك التي تأتيهم بصورة مشروعة من الحكومات والمؤتمرات الصحافية مثلًا.

ويذهب الكاتب في صحيفة نيويورك تايمز، جون فارل (John Farrell)، إلى درجة حثِّ الإعلام والصحافة والعاملين فيهما على العزوف عن محاولة الحصول على المعلومات من المؤسسات والاعتماد بصورة أساسية على ما يصلهم من خلال المُسَرِّبين والقراصنة(5). وإلى حدٍّ ما، فإن ما قاله فارل قد يبدو صحيحًا رغم أنه كان يشير إلى المتحدث السابق باسم البيت الأبيض، شون سبايسر. ويقترب فارل من الحقيقة؛ لأننا تقريبًا على حافة الوصول إلى عالم بدون أسرار، لاسيما أن أهمية قراصنة المعلومات ومُسَرِّبيها بلغت اليوم درجة تقترب من الأهمية التي يمنحها الصحفيون إلى المعلومات التي يحصلون عليها من الإيجاز الذي تُقدِّمه الحكومات والناطقون الرسميون ضمن مقابلات خاصة أو مؤتمرات صحفية.

نظرية الهاكطولوجيا

بعد أن أصبحت قرصنة الأخبار وتسريبها ظاهرة إعلامية لا يمكن تجاهلها وكذلك إغفال التأثير البالغ الذي أحدثته في الممارسة الصحفية وفي تشكيل الرأي العام والممارسات الديمقراطية، صار البحث عن نظرية جديدة لها مجموعة من المبادئ تُمكِّننا من تفسير واختبار ومن ثم توقُّع المسارات التي تتخذها هذه الظاهرة أمرًا ضروريًّا. والنظرية التي نطلق عليها "الهاكطولوجيا" (haktology) تدرس الأساليب المتبعة للحصول بطريقة غير قانونية على المعلومات أو نشر معلومات مُفَبْرَكَة عن طريق القرصنة وجعلها في متناول الصحفيين والناشطين وعامة الناس، وبالتالي تحويلها إلى أخبار وتقارير صحفية. وتدرس النظرية أيضًا الأثر الذي تتركه التقارير والأخبار الصحفية على الممارسة الصحفية ذاتها ومن ثم على الرأي العام.

وتُعرَّف الهاكطولوجيا بأنها "النظرية التي تدرس أي محاولة مقصودة ومُتَعَمَّدة للحصول وجمع وبث معلومات غير متاحة ضمن الفضاء العام وسياقه دون الحصول على موافقة المصدر ومن ثم نشرها من خلال الإعلام(6). ويستمد مصطلح الهاكطولوجيا جذوره من مفردة (Hakken) التي كانت متداولة في اللغة الإنجليزية في القرون الوسطى، وكذلك من اشتقاقها الحديث (Hack) الذي يشير في لغة بَرْمَجَة الحاسوب إلى محاولات الدخول غير المشروع والسري على الحواسيب، إضافة إلى مفردة (Ontology) الإغريقية "الأنطولوجيا"، وهو الحقل المعرفي الذي يعنى بطبيعة الوجود أو الكينونة.

وتدرس نظرية الهاكطولوجيا كل الجوانب والأساليب المتعلقة بالهجمات الإلكترونية، وقرصنة وتسريب المعلومات ونشر الأخبار المفبركة، إضافة إلى تأثير هذه العملية على سياق الصحافة كممارسة وقواعد وسلوك. ويلعب اليوم القراصنة ومُسَرِّبو المعلومات ومُفَبْرِكُو الأخبار دورًا مهيمنًا على عالم الإعلام. وبإطلالة دونالد ترامب على المشهد السياسي، مرشحًا رئاسيًّا ومن ثم رئيسًا للولايات المتحدة، استحوذ موضوع القرصنة وتسريب المعلومات، إلى جانب تغريداته في تويتر، على اهتمام الصحافة وممارسيها وكذلك على مساحات كبيرة من التغطية الصحفية والخبرية في أميركا وخارجها.

وتنطلق نظرية الهاكطولوجيا من فرضيات أو مقدمات منطقية تضم عددًا من المسارات التي تميز هذه الظاهرة في عالم الإعلام والصحافة. وتشمل هذه المسارات(7) ما يلي:

في الغالب تغضُّ وسائل الإعلام، لاسيما الخبرية، الطرف عن عملية القرصنة أو تسريب المعلومات أو إقحام أو نشر أخبار كاذبة ومرتكبيها، وترُكِّز على آثارها أو تبعاتها.

في أحيان أخرى، قد يتحوَّل اهتمام وسائل الإعلام إلى عملية القرصنة وتسريب المعلومات أو نشر الأخبار المزيفة لعلاقتها المباشرة بسياق الأحداث بدلًا من المحتوى الذي جرت قرصنته أو تسريبه أو فَبْرَكَتُه.

الذين تستهدفهم القرصنة أو تسريب المعلومات يؤكدون على حقيقة أن عملية القرصنة أو تسريب المعلومات غير قانونية.

وسائل الإعلام، وعلى الخصوص الخبرية، من النادر أن تُثير أسئلة حول ما إذا كانت المؤسسات والحكومات على حق في حرمان مواطنيها من الوصول إلى المعلومات التي تتكتم عنها أو مناقشة ما إذا كانت الأسباب التي تذكرها عن سريتها معقولة ومرضية.  

عادة ما ترافق عمليات القرصنة وتسريب المعلومات تغطية صحفية صاخبة يتحوَّل فيها تركيز الإعلام والصحافة بصورة مطَّردة إلى عملية كشف المعلومات ذاتها وما إن كانت صحيحة وقانونية أم لا بدلًا من المحتوى الذي أُميط اللثام عنه.

وتطبيقًا لمبدأ التوازن في التغطية الإخبارية، يُلاحَظ أحيانًا أن وسائل الإعلام تُمضي وقتًا أطول في التحدث عن الذين يحفظون الأسرار بدلًا من التركيز على تأثير وتبعات حفظ ومن ثم كشف هذه الأسرار.

 والهاكطولوجيا كنظرية جديدة عليها استكشاف الطريقة التي تضيف بها المؤسسات ذات السُّلطة جهلًا إلى جهلنا عبر إخفاء المعلومات عنَّا، واستعراض كيف ولماذا يحاول أو يريد الناس الوصول إلى معلومات سرية. وعلى النظرية أيضًا تحليل كيف ولماذا يحرص الذين تقع هذه المعلومات في حوزتهم على إعلانها للناس والعمل على نشرها من قِبَل وسائل الإعلام لاسيما الرئيسية منها. وعلى المنظِّرين والباحثين الذين يتبنَّونها دراسة الطريقة التي تستخدم أو تستثمر فيها الصحافة المعلومات التي يحصل عليها القراصنة بصورة سرية.

إن نظرية الهاكطولوجيا مهمة بالنسبة للأكاديميين والباحثين الذين يدرسون عالم الصحافة وممارسي المهنة. وإذا كانت المؤسسات تعمل بجدية على تشويه الحقائق، فإن الدارسين والأكاديميين يعملون على تقديم إجابات وتفسيرات عن: لماذا وكيف يتم إخفاء أو التستر على الحقائق؟ وعند الإفصاح عنها يدرسون: لماذا وكيف يقوم الإعلام بتغطيتها؟ إن الصحافة تقوم بتغطية أي كشف للأسرار حال ما تتأكد من مصداقيتها، وعندما تخفق في عملية التأكيد والتَّحقُّق من المعلومة عليها عدم النشر أو في أقل تقدير تقديم المادة ترافقها أنماط خطابية تُحذِّر المتلقي من أن الوسيلة لم تستطع أو لم تتمكن من التحقق من مصداقية المعلومة. 

كما على الباحثين والأكاديميين الذي يتبنون هذ النظرية دراسة وتقييم الأثر الذي يُخلِّفه المحتوى الذي لا يمكن التأكد من مصداقيته والمتوافر على الشبكة العنكبوتية أو يتم إقحامه في مواقع خاصة من قِبَل القراصنة على الصحافة كممارسة. إن الباحثين مدعوون للنظر بدقة وتأنٍّ لتقديم إجابات شافية عن: كيف ولماذا تجد الادعاءات غير القابلة للإثبات والتحقق طريقها إلى الصحافة؟ والأكثر أهمية هو دراسة الأطر الخطابية التي يلجأ إليها الصحافيون عند نشر مثل هذا المحتوى.

المعلومة الـمُفَبْرَكَة والمعلومة التي لا يمكن التحقق منها

إن سيطرة الإنترنت على نشر وتوزيع وقراءة المعلومة جعل أمر فرز "الصدق من الدعاية والأخطاء" أو "الحقيقة من الخيال" من الصعوبة بمكان. وحتى الخط الفاصل بين المعلومة المُفَبْرَكَة والمعلومة التي لا يمكن التَّحقُّق منها صار وهميًّا وضبابيًّا. وظهرت على إثر هذا العديد من التعابير الجديدة على الساحة الإعلامية. نحن اليوم بحاجة إلى نماذج وأطر بحثية جديدة لدراسة مصطلحات وعبارات مثل "الأخبار المُفَبْرَكَة"، و"الأخبار التي لا يمكن التحقق منها"، و"الحقائق البديلة" و"أحيانًا لا نتفق مع الحقيقة"(8).

لقد صار للخدع والأحابيل أو الأخبار الكاذبة تبعات خطيرة على الناس والإعلام الرئيسي. وفي بعض الأحيان يكون نشر أخبار كاذبة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، كما كانت الحال مع القصص الخبرية المُفَبْرَكَة حول الانتخابات الأميركية على موقع فيسبوك، أو الخدعة حول موت ملكة بريطانيا(9). والخدع والأحابيل لم تعد مقتصرة على الأفراد، بل حتى المؤسسات والحكومات قد تتدخل لإقحام أخبار كاذبة من خلال قرصنة مواقع رسمية لبث أخبار مُفَبْرَكَة يكون لها أحيانًا وقع الصاعقة وتؤدي إلى البلبلة والأزمات كما حدث عندما تمكَّن القراصنة من اختراق وكالة الأنباء القطرية وبث خطاب منسوب إلى أمير البلاد(10)، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، (كما سنُبِيِّن لاحقًا بالاستناد إلى نظرية الهاكطولوجيا).   

وقد جعل الانتشار الواسع والمؤثِّر للأخبار المُفَبْرَكَة والتي لا يمكن التَّحقُّق منها كبار المراسلين والكتَّاب في الصحافة الرئيسية يتساءلون إن كان بإمكاننا التحدث عن "الحقائق" بعد الآن في عصرنا هذا، عصر ما بعد الحقيقة(11). وربما لم يعد بمقدورنا غضُّ النظر عن المعلومة المُفَبْرَكَة والمعلومة التي لا يمكن التَّحقُّق منها. وفي عالم تسيطر عليه وسائل التواصل الاجتماعي، التي يستقي من خلالها أغلب الناس معلوماتهم، صار بإمكان الأخبار الكاذبة والأخبار غير الموثقة ليس فقط التأثير في الرأي العام بل في الوسائل الصحافية الرئيسية أيضًا(12). 

وهنا يأتي أيضًا دور نظرية الهاكطولوجيا التي عليها دراسة المخاوف التي ترافق نشر معلومات قبل التأكد منها بصورة قطعية؛ إذ إن هناك خطرًا مُحْدِقًا بالصحافة الرصينة والمهنية عندما يصبح نشر الأخبار المُفَبْرَكَة جزءًا من الممارسة الصحفية. لقد كان ثمة ما يُشبه الاعتماد الكلي على النشطاء والهواة في تغطية المعركة في شرق حلب؛ حيث لم يكن هناك في الميدان مراسل مستقل مهني واحد لنقل أخبار موثَّقة ودقيقة يمكن التَّحقُّق منها. واستثار هذا الوضع حمية الصحفي المخضرم بصحيفة الإندبندنت، روبرت فيسك، الذي هاجم الإعلام متهمًا إياه بـ"تسليم الصحافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي"(13).  

القراصنة ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي

يُقدِّم القراصنة والمُسَرِّبون والمنظمات أو المؤسسات أو المواقع، التي تسعى إلى ترويج ما تحصل عليه من محتوى، ذلك المحتوى إلى الصحف والقنوات الإخبارية كما هو وفي الغالب مجانًا، وهذا لا يعني أن القراصنة لا يحصلون على أي دعم مادي. فقد يحدث أن يكون القراصنة مدعومين من طرف ثالث، وأن يتم اختلاق المحتوى ربما من قبل طرف ثالث أيضًا لقاء ثمن وبعدها جرى تسليمه للقراصنة من أجل إقحامه في أحد المواقع كي يصبح متاحًا للتغطية الإعلامية أو لمستخدمي ورواد شبكات التواصل الاجتماعي.

إن هناك فرقًا بين القراصنة والنشطاء على شبكات التواصل؛ فالنشطاء ينشرون المحتوى أو يقومون بتغطية الأحداث كما يرونها وحسب وجهة نظرهم. فعندما تستند الصحافة إلى شبكات التواصل والنشطاء العاملين في هذا الفضاء وليس إلى صحافييها المحترفين، فإن ما نقرأه أو نسمعه أو نشاهده كمتلقِّين لا يُقدِّم لنا إلا وجهة نظر الناشطين وعندها نُجبَر على قبول القصة كما يرويها طرف من أطرافها وحسب.

وفي عصرنا هذا الذي تلعب فيه شبكات التواصل الاجتماعي دورًا بارزًا، نلحظ بزوغ نجم القراصنة والهجمات الإلكترونية والأخبار الكاذبة. وبات هذا الواقع، كما يقول باتريك كوكبرن (Patrick Cockburn)، يُمَثِّل خطرًا على المتلقين "الذين أصبحوا عرضة إلى مزيد من الدعاية بدلًا من الأخبار"(14) الموضوعية. ويقول مات تايبي (Matt Taibbi): إن ما نلاحظه حاليًّا من ترويج ونشر محتوى دون تحقُّق يبدو وكأنه نعمة حلَّت على الصحافة من حيث توافر المعلومات(15). ويحدث كل هذا، كما ترى مارغريت سوليفان (Margaret Sullivan) بينما الثقة في الإعلام والصحافة "هي في الحضيض"، وتُحذِّر من أن الاستمرار في نشر معلومات لا يمكن التَّحقُّق منها يضع الصحافة على "مسار أخلاقي خطير قد لا يكون هناك خلاص منه"(16).

ويبدو أن القرصنة ونشر الادعاءات التي لم يتم التحقق منها بدأت تُشكِّل تهديدًا للصحافة الرصينة. وفي هذا السياق يقول جين مارتنسون (Jane Martinson): إن الصحافة المهنية يجب أن تحذر من التعامل مع "أي ادِّعاء مهما كانت القيمة والأهمية الإخبارية التي يحملها؛ لأن مثل هذه المواقف قد تؤدي بالصحافة إلى التهلكة"(17)، ويظهر أن دور الصحافة، أو على أقل تقدير لنقل: بعض الصحافة، أمسى اليوم يلتقط أي معلومة أو رسالة والعمل على نشرها وترك مهمة التَّحقُّق والتوثيق والتأكد من المصداقية إلى المتلقي. ودخل الإعلام الخبري في عصرنا في حرب المعلومات التي بات من العسير معرفة ما الذي باستطاعتنا الوثوق به وماذا يجب علينا قبوله وكأنه موثَّق. إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة الحقيقة أصبحت على المحك.  

والهاكطولوجيا كنظرية تدرس الحقبة الجديدة التي تمر بها الصحافة والتي فيها أخذ دورها كحارس يغربل المعلومات والمزاعم قبل نشرها كإجراء مهم لتحقيق المصداقية والدقة بالتراجع. وهناك اليوم من يرى أن عملية غربلة المعلومات والادعاءات لم تعد من الأهمية بمكان؛ لأن الوسط الذي تعيش فيه الصحافة لم يعد موائمًا لتطبيق مبادئ مثل النزاهة والموضوعية. ويقول رئيس تحرير موقع بزفيد (BuzzFeed)، بن سميث (Ben Smith): إن الإعلام الخبري "له الحق المطلق في نشر معلومة لم يتم التَّحقُّق منها" في عالم يستحوذ عليه الاتصال الرَّقمي، فـ"نحن اليوم نعيش في بيئة تفرض عليك التعامل مع بيانات وأقوال كاذبة ومفبركة"(18). وقد أثنى سميث على ما قام به موقعه بشأن نشر معلومات غير موثَّقة حول امتلاك روسيا ملفًّا عن دونالد ترامب خلال وجوده في فنادق موسكو.

وسميث ليس وحيدًا في موقفه هذا؛ فقد أتاه مديح من الصحفي الأميركي، غلين غرينولد (Glenn Greenwald)، معتبرًا أن سميث "قدَّم خدمة جليلة للصحافة" بقراره نشر مادة لم يبذل أي جهد للتَّحقُّق منها. ومن الذين دافعوا عن موقف سميث كان بول وود (Paul Wood) من هيئة الإذاعة البريطانية؛ الذي قال: إن الزمن الذي كانت فيه الصحافة تؤدي دور الرقيب والحارس الذي يمنع نشر أي مادة لم يتم غربلتها من حيث الدقة والمصداقية والتوثيق قد أصبحت وراء ظهرنا. ويضيف وود: "كان هناك زمن يجب عليك أن تقوم بدور الحارس والرقيب على المعلومة وتقول لمتلقيك: اعتمد علينا وليكن لديك ثقة بنا، نحن نحفظ ولا ننشر أي شيء يصلنا، ولدينا الكثير من الأسرار لن نبلغك بها ومع ذلك عليك الوثوق بنا. بإمكانك القول: إن تلك الحقبة كانت حقبة جيدة أو حقبة سيئة، بيد أنها لم تعد توائم العصر الذي نعيشه اليوم"(19).

الهاكطولوجيا والأزمات بمنطقة الشرق الأوسط   

سأحاول في هذا القسم من الورقة مناقشة نظرية الهاكطولوجيا من منظور الأزمات في الشرق الأوسط وما يحدث في هذه المنطقة من هجمات إلكترونية وقرصنة. وسأشير إلى أهم الفرضيات والمقدمات المنطقية للنظرية التي جرى تقديمها أعلاه تحت عنوان "نظرية الهاكطولوجيا".  

لن نغالي إذا قلنا: إن الأخبار الكاذبة والقرصنة والتسريب في الشرق الأوسط قد وضع المنطقة على ما يشبه "برميل بارود". وليس في الأمر غرابة أن يكون الشرق الأوسط مرتعًا للهجمات والقرصنة الإلكترونية والأخبار الكاذبة ونظريات المؤامرة. وتكمن الخطورة حاليًّا في الطرق المُعقَّدة والمتطورة التي يلجأ إليها الناس للقرصنة ونشر الأخبار الكاذبة وما يتبعها من آثار مدمِّرة على المنطقة ودولها وشعوبها(20).  

فما هي نظريات المؤامرة يا ترى؟ نظريات المؤامرة شكل من أشكال الأخبار الكاذبة ولن نجافي الحقيقة إذا قلنا: إنها ظاهرة مألوفة في الشرق الأوسط. لقد ترعرعت الكثير من الحكومات في هذه المنطقة ومعها مؤسسات حيوية مع حملات التضليل والحروب الدعائية. وكانت المنطقة هذه ولا تزال تُرْبِك وتُذْهِل أعداءها قبل أصدقائها لبزوغ وانتشار هذه الظاهرة وتضع مواطنيها في حالة من الالتباس والغموض(21).

ومن الصعوبة بمكان في عالم تستحوذ عليه الثورة الرَّقمية، معرفة أسماء ونوايا الذين يقودون الهجمات الإلكترونية والقائمين على المواقع التي تبث الأخبار الكاذبة وتُشيع نظريات المؤامرة. وهكذا رأينا كيف أن الأخبار الكاذبة التي يُرجعها البعض إلى مواقع ومصادر في روسيا انتشرت بشكل سريع ومؤثِّر على شبكات التواصل الاجتماعي لاسيما تويتر، ورأينا كيف أن مجموعات المعلِّقين المعبَّئين وأحيانًا مدفوعي الأجر لعبوا دورًا في تقرير نتيجة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة لعام 2016(22).

ويبدو أنه ليس بمقدور أي باحث أو محلِّل تخمين مقدار الأثر الذي سيتركه تنامي وازدهار البيئة التي تترعرع فيها الهجمات الإلكترونية ونظريات المؤامرة والأخبار الكاذبة في منطقة مثل الشرق الأوسط. والسبب واضح؛ ففي الشرق الأوسط هناك شهية كبيرة للتعامل مع أنصاف الحقائق. وحين تكون في متناول الذين يبثون التضليل، ويروجون أنصاف الحقائق ونظريات المؤامرة، أجهزة رقمية فائقة التطور تسمح لهم بالدخول غير الشرعي إلى منصات إعلامية رسمية، عندها ربما بإمكاننا تخمين مقدار الأذى السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الثقافي الذي قد يقع.

وأمام هذا الواقع لا يجوز الركون إلى أنه ستكون هناك نهاية سريعة أو حلٌّ مقبول للقرصنة والهجمات الإلكترونية ونشر الأخبار الكاذبة والدخول غير المشروع على مواقع رسمية أو غيرها في سبيل الحصول على المعلومة غير المتاحة أو إقحام معلومات كاذبة ونشرها وتوزيعها وكأنها صادرة من الموقع ذاته وليست دخيلة. وعليه، هناك إمكانية كبيرة لحصول تعويق أو تعطيل لموقع رسمي في سبيل بث أخبار كاذبة، لاسيما إذا أخذنا الاستقطاب المتزايد والهائل الذي يميز منطقة الشرق الأوسط الآن.

وتُظهر التجربة والدراسات التي استندت إلى نظرية الهاكطولوجيا أن إمكانية القرصنة والهجمات الإلكترونية ونشر الأخبار الكاذبة في تفجير الأوضاع لا تزال كبيرة وتأخذ أبعادًا خطيرة في المجتمعات الضعيفة وغير المستقرة التي تتقاذفها أمواج النزاعات القبلية والمناطقية والمذهبية كما هي الحال في الشرق الأوسط. وتكتسب الهجمات الإلكترونية وحملات نشر الأخبار الكاذبة أهمية بالغة في تعبئة الناس لاسيما عندما تركز في تغطيتها على مواضيع تتعلق بالهوية. ففي لبنان مثلًا ينتاب الناس قلق كبير نتيجة الوضع الخطير في سوريا وقرع الطبول لجولة قتال أخرى بين حزب الله وإسرائيل. وفي لبنان، كما في الأقطار الأخرى بمنطقة الشرق الأوسط، أخذ الناس يستقون المعلومات والأخبار من خلال رسائل نصية على الأجهزة الذكية والرَّقمية الحديثة التي يمتلكونها. وقد أصبحاليوم بإمكان أي شخص أن يُشكِّل مجموعة كبيرة يشترك معها في تبادل الرسائل النصية التي في كثير من الأحيان تحتوي روابط أو اقتباسات من قصص خبرية غير موثقة ولا يمكن الاعتداد بها، بمعنى آخر أنها تقع في خانة الأخبار الكاذبة(23).  

لنأخذ قصة خبرية مُزَيَّفة جرى تناقلها على نطاق واسع وأثارت الكثير من الشكوك والدهشة:

ورد خبر عاجل على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي زعم مُرَوِّجوه أنه نقلًا عن وكالة رويترز. وقد بدأ الخبر العاجل بفقرة أو جملة رأسية على الشكل التالي: "حزب الله يخطف ضباط نخبة كبارًا يعملون في الموساد الإسرائيلي"، وكانت هناك ترجمة عربية للخبر العاجل والمزور في نفس الوقت؛ حيث نقل الخبر عن ضباط في الاستخبارات الإسرائيلية رفضوا الكشف عن هويتهم قولهم: "إن إسرائيل ستشنُّ حربًا على حزب الله جرَّاء خطفه لزملائهم". وجاء في الخبر نقلًا عن ضباط الاستخبارات الإسرائيلية: "إننا لن نتحمل المسؤولية عن النتائج؛ لأن الشعب اللبناني يحتضن حزب الله الإرهابي". إن محتوى مثل هذا الخبر رغم زيفه لابد وأن يُثير القلق. ورغم أن صياغة الخبر العاجل تفتقر إلى الأسس الصحافية المطلوبة لكتابة خبر صحفي عاجل، فإن تناقل معلومات خطيرة كهذه في منطقة يحتضن كل برميل من نفطها برميلًا من الكبريت قد يكون له نتائج وخيمة لو أُسيء تفسيره(24).  

ونعود إلى نظرية الهاكطولوجيا ودورها في تقديم وتفسير ظواهر مثل هذه من خلال منطلقات نظرية وفرضيات تُمكِّننا من استيعابها وشرحها وتفسيرها والتكهن بمسارها. لو تفحصنا الخبر وحلَّلناه لمعرفة مدى تأثيره ووقْعه، يجب علينا إلقاء بعض الضوء على المتلقين الذين استهدفهم: من هم؟ كم عددهم؟ ما وظائفهم؟ ما مواقعهم في اتخاذ قرارات حاسمة؟ في أي منطقة جغرافية يعيشون حتى ضمن نطاق دول صغيرة المساحة مثل لبنان وإسرائيل؟ إضافة إلى القيام بمحاولة جادة ونزيهة لكشف المصدر أو المكان الذي انطلق منه الخبر.

تساعدنا نظرية الهاكطولوجيا في تحليل الخبر لمعرفة إن كان من قام بكتابته أو نشره قرصانًا من قراصنة الإنترنت أو شخصًا مخادعًا استطاع الوصول إلى قائمة بريد إلكتروني تحتوي عناوين طويلة ومهمة. لكن تبقى مسألة البحث عن المتلقين الذين يستهدفهم القراصنة، أو ناشرو الأخبار الزائفة، واحدةً من أهم المسائل التي على نظرية الهاكطولوجيا مساعدة الباحثين فيها؛ لأننا إذا لم نعرف شيئًا عن الذين يستهدفهم مُرَوِّجو الأخبار الكاذبة والقراصنة، يصبح أمر اكتشافهم عسيرًا.

وإذا عدنا إلى المثال أعلاه، فلا أظن أن الخبر سينطلي على هيئات الاستخبارات الإسرائيلية التي تملك من الوسائل والخبرة ما يُمَكِّنها من كشف زيفه. ولكن هناك أمثلة (سنأتي عليها لاحقًا) جرى اتخاذ قرارات حاسمة استنادًا إلى القرصنة أو الهجوم الإلكتروني الذي يهدف إلى نشر وترويج معلومات رغم علم أصحاب هذه القرارات بأنها كاذبة وزائفة. والسياسة اليوم تقودها الفلسفة الذرائعية التي قد تتخذ مثل هذا الخبر ذريعة للقيام بإجراء ما. أما لو أخذنا الجانب الآخر، وهو حزب الله، فلا أظن أن هذه المنظمة متمرِّسة في علم ومهنة الاستخبارات مثل الموساد الإسرائيلي أو تمتلك ذات المصادر والموارد والتقنية لغربلة المصادر وفرز الزُّؤَان عن الحنطة؛ لأن الأسلوب الذي صيغ به الخبر يُلَبِّي متطلبات كتابة الخبر رغم أن التحليل يُظهر أنه يقترب من الأسلوب الدعائي في تفاصيله أكثر منه إلى خبر صحافي محكم ورصين. حاليًّا، ليس هناك أي دافع لحزب الله وإسرائيل للشروع بحرب؛ فالجانبان منشغلان الآن بمسار الحرب في سوريا. بيد أن شرارة انطلاق الحرب قد لا تتطلب إلا إشارة أو أمرًا من قائد وحدة عسكرية على الحدود الذي يستلم نصًّا مثل هذا ويصدِّقه ويصدر أمرًا بإطلاق النار وسرعان ما تفتح الجحيم أبوابها.

مهما يكن من أمر، فإن الخبر المزيف الذي نحن بصدده يرسو على أرضية واقعية وصلبة، ولهذا، هناك احتمال كبير كي يُصدِّقه الناس المعنيون. والسبب يكمن في السياق، وهو مبدأ تُعِير له نظرية الهاكطولوجيا أهمية بالغة. فالسياق الذي كان سببًا لإشعال شرارة حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله له علاقة بمحاولات الخطف المتكررة والفاشلة التي قام بها الحزب في عام 2005. لذا، فإن القرصنة والهجمات الإلكترونية ومُروِّجي الأخبار الكاذبة، حسب بن نيمو (Ben Nimmo)، يبحثون عن سياق ذي صلة بالمعلومة التي في نيتهم بثها؛ إذ كلما زاد قُرْبُ المعلومة من السياق، زاد وقعها وعدد متلقيها ولا يضيرهم بُعدها عن الواقع والحقيقة. إنها آلية تقترب كثيرًا من آلية الكذب؛ حيث إن أكثر أنواع الكذب تأثيرًا هي التي تبني فرضيتها على أمر واقعي وحقيقي(25).

ويقول نيمو: إن تفشي أخبار كاذبة مثل هذه يُشبه استخدام التقنية المتطورة في إلقاء المناشير على المسرح الذي يعمل فيه العدو في ساحة المعركة. ويستشهد الباحث بما يحدث في أوكرانيا؛ حيث يتم من حين إلى آخر إرسال رسائل نصية إلى الهواتف الشخصية والنقَّالة لأفراد القوات المسلحة الأوكرانية أملًا في تخويفهم وإنزال الرعب في قلوبهم كي يتركوا مواقعهم. في هذه الحالة، يقول الباحث، ليس هناك أدنى شك في أن المصدر هو روسيا، لكن ليس هناك دليل على ذلك؛ لأن الرسائل النصية هذه لا يمكن تتبعها؛ لأن مصدرها بطاقات هواتف لا تشي بصاحبها ومكانه؛ فهي تنتحل صفة كونها هواتف نقالة محلية تستند في بثها إلى سوارٍ تبث إشارات من داخل أوكرانيا.

والشرق الأوسط تتقاذفه صراعات حامية الوطيس أطرافها شتى وميولها متشعبة. بيد أن ما نلاحظه الآن من أحداث تظهر لنا تجلي تكتيكات جديدة وغريبة الأطوار في آن واحد للقرصنة وشنِّ هجمات إلكترونية وبث الأخبار الكاذبة. واتخذت مؤخرًا هذه الأنماط منحى يُراد به بذر بذور الشقاق والإرباك والبلبلة والريبة في شعوب المنطقة وقد وصل تأثيرها السلبي إلى مستوى الدول والحكومات.

ولنأخذ مثالًا آخر للقرصنة وشن الهجمات الإلكترونية في الشرق الأوسط:

يتعلق الأمر بالأزمة الخليجية بين المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة، ودولة قطر من جهة أخرى. ويندرج السبب الذي أطلق شرارة هذه الأزمة في سياق موضوعنا، وُيشكِّل مادة خصبة ودسمة للمهتمين بنظرية الهاكطولوجيا. فالأزمة التي مضى على اندلاعها، حتى اليوم، خمسة أشهر جاءت نتيجة نشر تقرير أو خبر كاذب غرزه قراصنة في وكالة الأنباء القطرية بعد أن تمكنوا من قرصنة موقعها على الشبكة العنكبوتية ضمن هجمة إلكترونية محكمة.

وكان لنشر التقرير المزيف من قِبَل وكالة أخبار محلية وقْع الصاعقة على القطريين الذي تحسَّسوا أن وراء الأكمة ما وراءها. وأثارت التغطية الإخبارية الفورية والشاملة والواسعة والمستمرة له -لاسيما من قِبَل إعلام الدول التي كانت على علم بالتقرير المُفَبْرَك ووراء بثه بعد محاولة قرصنة إلكترونية ناجحة- الشكوك ليس لدى القطريين بل المحللين المهتمين بأحداث المنطقة. ويبدو أن التقرير المزيف كان مُعدًّا له سابقًا ويقع ضمن سياق الأحداث في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث باستطاعة المتلقي ربط السياق العام للأحداث بالمواضيع التي تطرَّق إليها ولغته وأسلوبه.

قلنا أعلاه: إن قراصنة المعلومات ومُسَرِّبيها والقائمين على الهجمات الإلكترونية يقولون إن غايتهم الأساسية هي الحصول على البيانات التي تضعها السلطات طي الكتمان. ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن هدف القراصنة هو الحصول على المعلومات السرية ومن ثم البوح بها علانية خدمة للمصلحة العامة. في الآونة الأخيرة نلاحظ تغييرًا في وجهة القرصنة والهجمة الإلكترونية صوب "التجسس لقاء ثمن"(26). وتُقدِّم قرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية بغرض نشر محتوى صادم ومن ثم نسبته لأمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، دليلًا إضافيًّا على أهمية نظرية الهاكطولوجيا. ففي التقرير "المُفَبْرَك"، الذي جرى إقحامه في موقع وكالة الأخبار القطرية، نُقِل عن الأمير تضامنه مع إيران، ووصفه لحركة حماس بالممثل الشرعي للفلسطينيين، مشيرًا إلى توقعاته -حسب التقرير- بشأن عزل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب(27).

ورغم نفي قطر للتقرير وما نُسب للأمير، الشيخ تميم، والبرهنة من قِبَل وكالات استخبارات مستقلة على أن التقرير مُفَبْرَك(28)، فإن القرصنة أشعلت شرارة أزمة دبلوماسية أدت إلى قيام أربع دول عربية بسحب سفرائها من قطر وفرض عقوبات عليها في مرحلة بدا أن المنطقة على وشك الانفجار. والأدهى، أن الدول الأربع بَنَتْ أغلب مواقفها على المحتوى المُفَبْرَك الذي تم بثه من خلال عملية قرصنة ناجحة. ليس هذا فحسب، بل دخلت معظم وسائل الإعلام الرئيسية على خطِّ مواقف هذه الدول ونقلت فقرات مطولة من المحتوى المُفَبْرَك. وقد نسأل: لماذا كل هذا التهافت على أخبار كاذبة ومحتوى مُفَبْرَك جرى بثُّه من خلال عملية قرصنة فائقة التطور؟ نظرية الهاكطولوجيا تُقدِّم تفسيرًا لهذه الظاهرة من خلال اتكاء إحدى فرضياتها المهمة على السياق. إن الذين كتبوا المادة أشاروا لأحداث وأقاويل ذات علاقة مباشرة بسياق الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في المنطقة.  

ودعَّمَت تقارير الاستخبارات الأميركية، التي تم الكشف عنها، موقفَ قطر بشأن التقرير المُفَبْرَك الذي تم نشره بعد قرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية من قِبَل منافسيها في الخليج. واستنادًا إلى هذه التقارير، يبدو أن حكومة دولة الإمارات ناقشت خطة لقرصنة وكالة الأنباء القطرية، في 23 مايو/أيار 2017، أي يومًا واحدًا قبل وقوع الهجوم الإلكتروني. وتقول التقارير: إن القرصنة ربما قام بها الإماراتيون أنفسهم أو استندوا في تنفيذها على طرف ثالث. وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كشف في تحقيق له أن القرصنة كانت من عمل القراصنة الروس. بيد أن المسألة، حسب نظرية الهاكطولوجيا، لا تختلف كثيرًا إن كان القراصنة من روسيا أو تابعين لحكومات معينة أو أشخاصًا مستقلين جرى تجنيدهم من قبل طرف ثالث(29). ما يهمنا هو تقديم تفسير علمي رصين لها ضمن إطار ظاهرة قرصنة وتسريب المعلومات لمعرفة دوافعها والجهات التي كانت وراءها وسياقها. 

وما يخصنا في هذا البحث هو أن الأزمة في الخليج لا تزال قائمة وربما لن نسبر أغوار نتائجها الجيوبوليتيكية الهائلة على المنطقة. ومن ثَمَّ، فإن هذه الأزمة تؤكد إحدى الفرضيات المهمة التي تستند إليها نظرية الهاكطولوجيا من أن الإعلام والحكومات تركز على الحدث أو الواقعة التي سبَّبتها القرصنة وتنسى أو تغضُّ النظر في الغالب عن عدم قانونية عملية القرصنة هذه والبحث عن آليات لمعاقبة مرتكبيها لما سببوه من أذى.

وإن صدَّقنا تقارير الاستخبارات الأميركية، فإننا نكون وجهًا لوجه أمام خبر كاذب غايته التأثير في مسيرة الأحداث في الشرق الأوسط، وأيضًا خلق حقائق أو وقائع بديلة، ومعنى ذلك أن هناك حقيقة مقابلة ومعارضة لكل حقيقة نمتلكها حتى وإن كانت لها أدلتها التي لا يمكن دحضها. وتسعى نظرية الهاكطولوجيا إلى تفسير ظواهر مثل هذه بغية استيعابها وتقديم فرضيات أو مقدمات منطقية تضم عددًا من الخصائص التي تميزها ومن ثم التنبؤ بمساراتها وتبعاتها. وأخيرًا ودراسة الأثر الذي تخلفه على الممارسة الصحفية.



استنتاجات

لقد صار جليًّا أن نظرية الهاكطولوجيا تساعدنا في تفسير ظاهرة القرصنة الإلكترونية وما يتبعها من تسريب للمعلومات. وكذلك تمنحنا الفرصة لتقدير السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي للأثر الذي تخلفه القرصنة وبث الأخبار الكاذبة. وإذا أخذنا سياق منطقة الشرق الأوسط في عين الاعتبار استنادًا إلى التحليل أعلاه، لرأينا أن قرصنة وتسريب المعلومات ونشر الأخبار الكاذبة سيظل جزءًا مُكَمِّلًا لجمع المعلومات نتيجة للاستقطاب المتزايد والهائل الذي تشهده المنطقة. ويُظهر التحليل أن القرصنة تأخذ أبعادًا خطيرة في المجتمعات الضعيفة وغير المستقرة التي تتقاذفها أمواج النزاعات القبلية والمناطقية والمذهبية وتفتقر إلى نظم مؤسساتية ديمقراطية شفافة.  

وتُبيِّن الدراسة أيضًا أن التحليل الهاكطولوجي وطروحاته النظرية وفرضياته تُمكِّننا من استيعاب وشرح وتفسير وكذلك توقُّع مسار ظواهر ونماذج كالتي تطرقنا إليها في هذه الورقة. وأية محاولة جادة لتطبيق النظرية تحتاج إلى معرفة إثنوغرافية عن المتلقين: من هم؟ كم عددهم؟ ما وظائفهم؟ ما مواقعهم في اتخاذ قرارات حاسمة؟ في أية منطقة جغرافية يعيشون حتى ضمن نطاق دول صغيرة المساحة مثل لبنان أو إسرائيل أو قطر أو البحرين؟

ويكشف التحليل الهاكطولوجي أن الخبر أو المعلومة يزداد وقعها، رغم عدم مصداقيتها، إذا استندت إلى أرضية واقعية وصلبة قريبة من سياق الحدث وسياق الأشخاص الذين تستهدفهم. كلما زاد قرب المعلومة من السياق، زاد وقعها وعدد متلقيها ولا يضيرهم بُعدها عن الواقع والحقيقة. ويُبيِّن التحليل أن للقرصنة الإلكترونية وتسريب المعلومات ونشر الأخبار الكاذبة وقعًا هائلًا في منطقة الشرق الأوسط إلى درجة أن الظاهرة بدأت تأخذ منحى خطيرًا يُراد به تحقيق مآرب سياسية وجيوبوليتيكية وخلق الإرباك والبلبلة والريبة لدى الشعوب والحكومات.

ويؤكد التحليل إحدى الفرضيات المهمة التي تستند إليها نظرية الهاكطولوجيا من أن الإعلام والحكومات تركز على الحدث أو الواقعة التي سبَّبتها القرصنة وتنسى أو تغضُّ النظر في الغالب عن عدم قانونية عملية القرصنة والبحث عن آليات لمعاقبة مرتكبيها لما سبَّبوه من أذى.

وتُبرهن الدراسة، وعلى الخصوص التحليل الخاص بمنطقة الشرق الأوسط، على أن غاية القراصنة وناشري المحتوى المُفَبْرَك هي التأثير في مسارات الأحداث من خلال ربط المعلومة المقرصنة أو الكاذبة مع مجال وفضاء وبيئة وسياق المتلقي، وأيضًا خلق حقائق أو وقائع بديلة، ومعنى ذلك أن هناك حقيقة مقابِلة ومعارِضة لكل حقيقة نمتلكها حتى وإن كانت لها أدلتها التي لا يمكن دحضها. وتسعى نظرية الهاكطولوجيا لتفسير مثل هذه الظواهر بهدف استيعابها وتقديم فرضيات أو مقدمات منطقية تضم عددًا من الخصائص التي تميزها ومن ثم التنبؤ بمساراتها وتبعاتها ودراسة الأثر الذي تخلِّفه على الممارسة الصحافية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د.ليون برخو، أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة قطر.

مراجع

(1)  Flynn, Kathryn, “The practice and politics of leaking, Social Alternatives”, Vol. 30, No. 1, 2011, p. 24-28,  (Visited on 15 September 2017): http://www.bmartin.cc/pubs/11sa/Flynn.html

(2) Wall, Matthew, “2,017 tech trends: “A major bank will fail”, bbc.com, 6 January 2017, (Visited on 22 September 2017): http://www.bbc.com/news/business-38517517

(3)  Kinery, Emma, “As Jeff Sessions announces leak crackdown, here are 12 major leaks of the Trump era”, usatoday.com, 4 August 2017,  (Visited on 28 September 2017):https://www.usatoday.com/story/news/politics/onpolitics/2017/08/04/here-12-major-leaks-donald-trump-era/539674001/.

(4)  Savage, Charlie  and Sullivan, Eileen, “Leak Investigations Triple Under Trump, Sessions Says”, nytimes.com, 4 August 2017, (Visited on 2 September 2017):https://www.nytimes.com/2017/08/04/us/politics/jeff-sessions-trump-leaks-attorney-general.html.

(5)  Farrell, John A, “The Press Should Skip the White House Briefings”, nytimes.com, 24 January 2017, (Visited on 28 September 2017):https://goo.gl/vvvaA5

(6)  Barkho, Leon, “Towards a theory of haktology’’, Journal of Applied Journalism & Media Studies, 6 (1), p. 3-10, 2017.

(7)  Ibid.

(8) Wootson  Jr., Cleve R., “The perfect meme for the ‘alternative facts’ era: #seanspicersays”, washingtonpost.com, 22 January 2017, (Visited on 27 September 2017): https://goo.gl/tRoo51

(9)Perrot, Kathryn, “Fake news on social media influenced US election voters, experts say”, abc.net, 14 November 2016, (Visited on 26 December 2016):http://www.abc.net.au/news/2016-11-14/fake-news-would-have-influenced-us-election-experts-say/8024660.

(10)Jones, Marc, “Hacking, bots and information wars in the Qatar spat”, washingtonpost.com, 7 June 2017, (Visited on 26 September 2017):https://goo.gl/Y24Mpk

(11) Cockburn, Patrick, “There is more propaganda than news coming out of Aleppo this week”, The Independent, 16 December 2016, (Visited on 29 September 2016): http://www.independent.co.uk/voices/aleppo-crisis-syrian-war-bashar-al-assad-isis-more-propaganda-than-news-a7479901.html.

(12) Balleza, Maureen and Zernike, Kate, “THE 2004 CAMPAIGN: NATIONAL GUARD; Memos on Bush Are Fake But Accurate, Typist Says”, nytimes.com, 15 September 2004, (Visited on 25 September 2017): http://www.nytimes.com/2004/09/15/us/the-2004-campaign-national-guard-memos-on-bush-are-fake-but-accurate.html.

(13) Fisk, Robert, “We are not living in a 'post-truth' world, we are living the lies of others”, Independent, 29 December 2016, (Visited on 25 September 2017): http://www.independent.co.uk/voices/donald-trump-post-truth-world-living-the-lies-of-others-a7500136.html.

(14) Cockburn, “There is more propaganda than news coming out of Aleppo this week”, op. cit.

(15) Taibbi, Matt, “Something About This Russian story Stinks, Rolling Stone”, rollingstone.com, 30 December 2016, (Visited on 20 September 2017): http://www.rollingstone.com/politics/features/something-about-this-russia-story-stinks-w458439.

(16) Sullivan, Margaret, “How BuzzFeed crossed the line in publishing salacious ‘dossier’ on Trump”, washingtonpost.com, 11 January 2017, (Visited on 29 September 2017): https://goo.gl/RHqY41

(17)  Martinson, Jane, “BuzzFeed was wrong to publish the Trump rumours. Here’s why”, theguardian.com, 12 January 2017, (Visited on 25 September 2017):https://www.theguardian.com/commentisfree/2017/jan/12/buzzfeed-was-wrong-to-publish-the-trump-rumours-heres-why.

(18)  Booth, Robert, “BuzzFeed editor defends decision to publish Trump dossier”, theguardian.com, 12 January 2017, (Visited on 19 January 2017):https://www.theguardian.com/media/2017/jan/12/buzzfeed-editor-ben-smith-defends-decision-to-publish-trump-dossier.

(19)  Ibid.

(20)  McKernan, Bethan, “How fake news in the Middle East is a powder keg waiting to blow”, Independent, 10 September 2017, (Visited on 20 September 2017):http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/middle-east-fake-news-consequences-israel-saudi-arabia-syria-lebanon-hezbollah-mossad-qatar-uae-a7936621.html.

(21)  Hanna, Michael Wahid and Benaimaug, Daniel, “How Do Trump’s Conspiracy Theories Go Over in the Middle East? Dangerously”, nytimes.com, 17 August 2016, (Visited on 21 September 2017):https://www.nytimes.com/2016/08/17/opinion/how-do-trumps-conspiracy-theories-go-over-in-the-middle-east-dangerously.html?_r=0.

(22)  Allcott, Hunt and Gentzkow Matthew, “Social Media and Fake news in the 2016 Election”, Journal of Economic Perspective, Vol. 31, No. 2, p. 211-236, (Visited on 18 September 2017):https://web.stanford.edu/~gentzkow/research/fakenews.pdf.  McKernan, “How fake news in the Middle East is a powder keg waiting to blow”, op. cit.

(23)  Ibid.

(24)  Rickli, Jean-Marc, “Misinformation Could Potentially lead to New Conflict in the Middle East’, Geneva Center for Security Study, 13 September 2017, (Visited on 25 September 2017):http://www.gcsp.ch/News-Knowledge/Global-insight/Misinformation-Could-Potentially-Lead-to-New-Conflict-in-the-Middle-East  

(25)  Nimmo, Ben, “Vilify and Amplify: How the Kremlin’s Disinformation Machine is Attacking the MH17 Probe”, atlanticcouncil.org, 27 September 2016, (Visited on 26 September 2017):http://www.atlanticcouncil.org/blogs/new-atlanticist/vilify-and-amplify-how-the-kremlin-s-disinformation-machine-is-attacking-the-mh17-probe.

(26)  Jones, Marc, "Hacking, bots and information wars in the Qatar spat", washingtonpost.com, 7 June 2017, (Visited on 26 September 2017):https://www.washingtonpost.com/news/monkey-cage/wp/2017/06/07/hacking-bots-and-information-wars-in-the-qatar-spat/?utm_term=.1334c6f03fc4.

(27)  . حسن، أحمد، "الخط الزمني لليلة الهجوم الإعلامي على قطر"، عربي21، 25 مايو/أيار 2017، (تاريخ الدخول:  (2017) يونيو/حزيران  8  https://goo.gl/B948lT

(28)   DeYoung, Karen and Nakashima, Ellen, “UAE orchestrated hacking of Qatari government sites, sparking regional upheaval, according to U.S. intelligence officials”, washingtonpost.com, 16 July 2017, (Visited on 24 September 2017): https://www.washingtonpost.com/world/national-security/uae-hacked-qatari-government-sites-sparking-regional-upheaval-according-to-us-intelligence-officials/2017/07/16/00c46e54-698f-11e7-8eb5-cbccc2e7bfbf_story.html?utm_term=.afe26d8a049a.

(29)  Ibid. 
Developed by