Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

يكذب على فراش الموت!

 حتى وهو على فراش الموت لا ينفك "بيرز" يكذب ببجاحة حين يقول أنه حول فلسطين "أرضه/وطنه الأم؟؟!" لجنة! وأرض خصبة من مالحة!؟؟ بينما اليهودي "أحاد هاعام" عام 1891 قال: "ان البلاد -المقصود فلسطين-يصعب ان تجد فيها ارضا غير قابلة للفلاحة او لم تفلح بعد-واليكم النص من كتابه بعد وفاته ووصيته:
في عام 2016 وقع شيمون بيريز على وصيته وجاء في مذكراته: «أعتقد أن السلام أمر حتمي، لاني افهم اهميته، فهو الذي مكن روادنا من  إقامة وطننا الأم، وهو الذي دفعهم الى الابتكار وتحويل الاراضي المالحة إلى أراض خصبة، والصحراء إلى ارض تنتج الفواكه..؟!

ملف حركة فتح: وعد بلفور بين عصبة الامم وصك الانتداب

نشر بتاريخ: 2017-10-30
  كما وصلنا من حركة فتح في نقطة واول السطر اليكم عن وعد بلفور دراسة احمد غنيم 

من خلاصات الدراسة الهامة  

-   نسبة اليهود في فلسطين عشية مؤتمر باريس (عام1919) -لاقتسام غنائم الحرب العالمية الاولى- لم تتجاوز 8% يعتبر معظمهم مقيمين غير شرعيين في فلسطين لأنهم دخلوا إليها بطريقة غير شرعية. و"وعد بلفور" المشؤوم ذوال100 كلمة فقط لحظة صدوره عام 1917 يعتبر "تصريح فردي" من شخص ليس ذي صلة، وليس وثيقة دولية أبدا.

- قانونيا فان رضى وقبول الشعوب الواقعة تحت الأنتداب يعتبر شرط أساس من شروط  نظام الإنتداب، بل إن اختيار دولة الانتداب حق لتلك الشعوب ما لم يحصل مع الانتداب الانجليزي على فلسطين الذي ضمّن "الوعد" في "صك الانتداب" على بلادنا.

-   السيادة بقيت كامنة في الشعب الفلسطيني الذي كان جزء من الشعب العربي الذي خضعت أقاليمه للدولة العثمانية من العام   1516  إلى تاريخ 1917 . 


- رغم التناقضات التي احتواها ميثاق عصبة الأمم (التي ورثتها هيئة الامم المتحدة) ، إلا أنه أقر مبدأ سيادة الدولة على أقاليمها وعدم جواز ضم الدول المنتصره في الحرب للاقاليم التي احتلتها، ونص  على حق الشعوب في تقرير المصير، وعليه فإن مصادقة الحكومة البريطانية على هذه المبادئ يتنافى مع اطلاقها لوعد بلفور ومع مكونات وبنود صك الانتداب ذاته.

- احتفظ الأتراك (في معاهدة سيفر1920) بحق السيادة على فلسطين للشعب الفلسطيني حصرأ ، الأمر الذي يعني إبطال القيمة القانونية لما ورد في ميثاق عصبة الأمم ومقررات مؤتمر فرساي ومعاهدة سان ريمو- سيفر بوعد بلفور وصك الانتداب . 


- إن ما تقدم يضع بريطانيا تحت طائلة المسؤولية الدولية،  وفقا  للقاعدة القانونية من مبادئ القانون الدولي العامة المعرفه بالمسئولية التقصيرية التي تلزم كل من تسبب بفعله في إحداث ضرر للغير ملزم بإصلاح هذا الضرر،  بما يعني مسؤولية بريطانيا وفقاً للقانون الدولي في العمل على تجسيد الدولة الفلسطينية والاعتراف بها،  والعمل الحثيث على تحقيق حق العودة للشعب الفلسطيني إلى أرضه التي هُجر منها نتاج لوعد بلفور وما انتجه من حروب ومآسي على الشعب الفلسطيني، تلك المسؤولية التي تشمل تعويض الشعب الفلسطيني عن كل  ضرر  سببه وعد  بلفور وما نتج عنه –انتهى الملخص-لجنة التعبئة الفكرية في حركة فتح


مقدمة
رسالة قصيرة من حوالي مئة كلمة كان لها تأثير كبير ومصيري في تاريخ المنطقة العربية بشكل عام وفلسطين بشكل خاص، أدت إلى تغيرات هائلة في الجغرافيا السياسية وفي التكوين الاجتماعي ليس في فلسطين فقط بل في العديد من الدول المحيطة، وأنتجت واحدة من أعظم مآسي القرن العشرين،  ساهمت في تشريد مئات ألاف الفلسطينين من وطنهم وألقت بهم إلى حياة الهجرة والإغتراب،  وما زال ملايين الفلسطينين يعانون البؤس والحرمان ومواجهة الموت في مخيمات اللجوء،  على خلفية استمرار الصراع الذي أنتجته تلك الرسالة  خلال ما يزيد عن عشرة حروب بين العرب وإسرائيل،  سقط فيها عشرات الآلاف من القتلى ومئات الآلاف من الجرحى والأسرى وملايين من المهجرين، وما زالت الحروب والصراعات التي أخذت أبعاد أخرى تعصف بالمنطقة، بيمنا لاذ الفاعل بفعلته  دون حساب أو عقاب . 
  لم يتوقف الجدل على المستوى الفكري والسياسي والقانوني حول الرسالة التي أرسلها اللورد آرثر جيمس بلفور وزير الخارجية البريطانية سنة 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد،  التي تضمنت وعد حكومة بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ومنذ بدأ سعي بريطانيا إلى إقرار الرسالة رسمياً من قبل مؤسسات الدولة في بريطانيا داخل البرلمان والحكومة، لقيت معارضة شديدة من اليهود البريطانين أنفسهم ومن قياداتهم في الحكومة البريطانية نفسها،  فقد تصدى لها قيادات التيار الاندماجي ومنهم  دورين صموئيل مونتاجو وزير شؤون الهند في وزارة جورج لويد التي أقرت وعد بلفور، غير أن الرسالة قد تكون العامل الأهم الذي حسم النقاش داخل الحركة الصهيونية حول فكرة الوطن القومي وموقعه الجغرافي بين تيار الصهيونية السياسية والصهيونية العملية. 
بين هذا وذاك رفضت الدولة العثمانية الموافقة على منح اليهود وطن في فلسطين ومنعت هجرة اليهود اليها، ورفض الفلسطينيون بشكل خاص والعرب بشكل عام وعد بلفور وقاوموا هجرة اليهود إلى فلسطين، لكن بريطانيا بالقوة والنفوذ اللتان تمتعت بهما في المنطقة خاصة بعد احتلالها لفلسطين ولعدد من دول المنطقة وبعد حصولها على صفة الدولة المنتدبة لفلسطين من قبل عصبة الأمم ، أنتجت واقعا سياسياً وديمغرافياً جديداً صعباً ومعقداً  في فلسطين، غيّر بشكل دراماتيكي البنية الاجتماعية والسياسية ليس لفلسطين وحدها بل لعدد من الدول المحيطة، ومع ذلك ظل وعد بلفور موضوع للجدل القانوني والسياسي من حيث قيمته الدولية والقانونية،  رغم آثاره التاريحية والسياسية التي قد تكون مستعصية على التغير . 
تختص هذه الورقة في تقيم إمكانية إعتبار رسالة بلفور التي تضمنت الوعد المذكور وثيقه دولية وقيمتها القانونية في القانون الدولي وأثرها في حق الشعب الفلسطيني في السيادة على أرضه،  وسوف تتضمن الورقة مراجعة حول فكرة الانتداب وأهلية عصبة الأمم في اعتمادهها والمصادقة على صك الانتداب البريطاني في فلسطين .  وصلة صاحب الوعد أي مكانته القانونية " آرثر بلفور والحكومة البريطانية من  موضوع الوعد  " منح وطن قومي لليهود "  وصلته بمكان الوعد " فلسطين " كما الصلة أو المكانة القانونية للجهة الممنوح لها الوعد والتي أعطتها رسالة بلفور صفة  "الشعب اليهودي "  واضفاء صفة اعتبارية وقانونية على موصوف تنتفي عنه علة الوجود القانوني واقعاً وتوصيفا وفقاً للقانون الدولي لحظة صدور الوعد، وتنتفي علة تعريفه بتلك الصفة عملياً وعلمياً ونظرياً وفقاً لكافة التعريفات النظرية السوسيولوجية والسياسية .   
نص رسالة آرثر بلقور إلى ليونيل روتشلد
وزارة الخارجية  / في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917 
عزيزي اللورد روتشيلد
يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي : الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته، إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقصمن الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أوالوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى،   وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيونى علماً بهذا التصريح. 
المخلص
آرثر بلفور

وعد بلفور بين اليهودية  والصهيونية  
تعرض اليهود مثل غيرهم من الأقليات للاضطهاد الديني في فترات مختلفه، ومع ظهور الحركة الصهيونية،  ظهر اصطلاح جديد في العالم السياسي هو المسألة اليهودية، تزامن ظهوره ليس صدفة مع اصطلاح أخر هو المسألة الشرقية، استغلت الحركة الصهيونية معاناة اليهود في بعض الدول الأوروبية وبدأت تنشر أفكار سياسية تحاول أن تنقل اليهودية من كونها دين، تدين به فئات من شعوب وقوميات متعددة، استخدمت نصوص من التوراة لاستقطاب يهود العالم لفكرة تكوين شعب واحد من اليهود في العالم، في تجاهل تام للمكونات الحقيقية العرقية والاجتماعية المتعددة لليهود. 
واجهت فكرة الحركة الصهيونية تحديين،  الأول التيار الاندماجي من اليهود أنفسهم، الذي رأي أن أزمة التكوين الاجتماعي لليهود، تتمثل في تفضيل السكن في أحياء خاصة بهم "الغيتو "،  الأمر الذي أعاق اندماجهم في مجتمعاتهم تاريخياً، والجيتو كما أرى قديم مرتبط بالفكر وليس في الجغرافيا كما يعتقد البعض، رغم أن معظم الدراسات تشير إلى أنه ظهر لأول مرة في ايطاليا في القرن السابع عشر لأسباب اجتماعية واقتصادية،  يقول حاييم وايزمن في شهادته على دوره في صدور وعد بلفور، "المشكلة اليهودية نشأت أصلا من عزلة اليهود وخوفهم الإندماج في مجتمعاتهم، كنا نعاني من الإضطهاد نحن اليهود الروس في ظل حكم القياصرة،  لذلك  تحركنا بنشاط لتوجيه اليهود الى فلسطين ، ناقشت لينين وبلكنوف وكثيير من الثوار الروس الذين قالوا لي إن هروب اليهود إلى أرض شعب أخر لن يحل مشكلة اليهود بل سيخلق مشكلة أخرى،  الاضطهاد لا يشمل اليهود وحدهم، المسلمون الروس اضطهدوا أيضا "
 رفض معظم اليهود الهجرة إلى فلسطين وفكرة الوطن القومي، واختلف  الصهاينة أنفسهم عليها، فقد وافق هرتزل على اقتراح تشمبرلن وزير المستعمرات البريطاني، إقامة دولة لليهود في أوغندا، بينما رفضه وايزمن وأخرين، علماً أن عدد الصهاينة في العالم في ذلك الحين كان  حوالي 8000 شخص بين مئات ألاف اليهود من شعوب مختلفه ، أما التحدي الثاني الذي واجهته الحركة الصهيونية فكان رفض الشعب الفلسطيني الهجرة اليهودية لفلسطين ورفضه وعد بلفور وفكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين، وعبر عن رفضه من خلال ممثيله في  المؤتمرات السبعة التي انطلقت عقب وعد بلفور والهجرة اليهودية لفلسطين ابتداء من المؤتمر الاول في القدس 1918 ومن ثم بالثورات المتتابعة والمقاومة التي لم تتوقف ليومنا هذا .
وعد بلفور أسباب وخلفيات التاريخية
سعت بريطانيا ولأسباب متعلقة بأزمتها أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، إلى إستصدار ذلك الوعد لمواجهة المسألتين،  "المسألة الشرقية" و"المسألة اليهودية " عبَّرت الأولى عن مظاهر ضعف وإنهيار الدولة العثمانية وبروز أطماع دولية من الدول الاستعمارية الاوروبية في تركة الرجل المريض،  وتفاقم الصراع الدولي في حينه وأدى إلى الحرب العالمية الأولى، التي وجدت بريطانيا نفسها عشيتها وأثناءها مهددة بخسارة نفوذها في العديد من مستعمراتها،  ليس فقط لصالح أعدائها بل لصالح حلفائها أيضاً، كفرنسا التي كان لها أطماع واضحة متعلقة بمصر والشام وفلسطين، خاصة منابع المياه وقناة السويس، ما دفع بريطانيا إلى توقيع اتفاقية سرية مع فرنسا هي اتفاقية سايكس بيكو،  كشفتها الثورة البلشيفية بعد انتصاها على حكم القيصر،  وكانت روسيا طرفاً في تلك الاتفاقية، المسألة الثانية هي المسألة اليهودية وتمثلت بأفواج المهاجرين اليهود الهاربين من اضطهاد الدولة الروسية إلى أوروبا، والذين شكلوا تهديد إجتماعي وسياسي بسبب نمط الحياة الغريب الذي اتبعوه في حصر أنفسهم في مجتمعات مغلقة سميت الغيتو،  صعّبت اندماجهم في الدول التي هاجروا إليها، وكانت بريطانيا نفسها قد  أصدرت مجموعة من القوانين ضد الهجرة اليهودية من روسيا إلى أوروبا، بمبادرة من آرثر بلفور نفسه عندما كان رئيس للوزراء ما بين سنوات 1903 – 1905، ولم تكن أي من الأسباب التي ادعاها بلفور بعد ذلك كتبرير لوعده لليهود بفلسطين والمتعلقة بالتعاطف الديني والنزوع لتأييد المطالبة بحقوق تاريخية لليهود في فلسطين يشغل بال بريطانيا أو بلفور، الأمر الذي  رفضه غالبية يهود بريطانيا بما فيهم وزراء في حكومة جون ويلد التي أقرت الوعد، بل تمكن  إدوين مونتاجو وزير شؤون الهند من اسقاط مصادقة البرلمان  البريطاني على رسالة بلفور في المرة الأولى حين عرضت على البرلمان، مستغلا تغيب بفلور وجون ويلد عن الجلسة،  كما ولم تكن الأسباب التي ادعاها حاييم وايزمان المتعلقة باكتشافاته العلمية عن فعالية الآسيتون في الصناعات العسكرية لها أي وزن حقيقي في استصدار الوعد المشؤوم،  فقد كان اللقاء الأول الذي جمع وايزمن ببلفور هو فاتحة التقاط بلفور لفكرة إنشاء جسم غريب حاجز ومانع يخدم أطماع أعداء بريطانيا وحلفائها في فلسطين والشام بشكل خاص وفي المنطقة العربية بشكل عام.  
  وجدت بريطانيا والدول الاستعمارية منذ حملة نابليون على الشرق وقبلها أن المنطقة العربية تمتع بعوامل كثيرة تؤلها لتصبح واحدة من القوى الدولية الكبرى في حال توحدها وسيطرتها على اقليمها الواسع ومقدراتها، لذا فقد كانت استراتيجية الغرب الاستعماري تهدف إلى تفتيت قوى المنطقة جغرافيا وسياسيا،  وهذا ما وجه سياسة بريطانيا حفاظا على مصالحها وتأميناً لاستمرار نفوذها الدولي وسيطرتها على مستعمراتها وفتح أفاق التوسع لامبراطوريتها،  فاتبعت سياسة الوعود المتناقضة مع الدول المنافسة والوعود الوهمية مع الأطراف الدولية الضعيفة، كما في مراسلات مكمهون والحسين بن علي، سعت بريطانيا إلى دفع العرب للثورة ضد الدولة العثمانية لتسريع هزيمتها، وأعطت ثلاث عهود متناقضة لأطراف متتعددة في أقل من ثلاث سنوات، فكان وعد بلفور لليهود والحركة الصهيونية، واتفاقية ساكس بيكو لحلفائها فرنسا وروسيا،   ومراسلات مكمهون مع شريف مكة وعد بدولة عربية، لذا انهارت اتفاقية سيكس بيكو في بعدها الدولي مع بقاء نتائجها على الأرض بالجزء الأكبر من الحدود السياسية لدول الإنتداب الفرنسي والبريطاني والإيطالي، ورفضت بريطانيا تنفيذ وعدها الوهمي للحسين بن علي، الذي صدقه الرجل ولم تكن بريطانيا تنوي تنفيذ أي جزء منه، في ضوء تجربة أوروبا مع محمد علي وجمال باشا في مصر، التي دفعت أوروبا في مواجهتها دماء وأموال كثيرة،  فلم تشأ بريطانيا أن  ترى أي نفوذ لدولة عربية قوية في المنطقة العربية.
كان قلق بريطانيا من حلفائها المنافسين لها في مستعمراتها يوازي قلقها من أعادئها، يقول  آرثر مكمهون في شهادته عن مراسلاته مع الحسين بن علي، وعن وعود بريطانيا المتناقضة  " كانت الامبراطورية البريطانية في خطر، كنا مستعدين لإعطاء وعود متناقضة حتى لا نخسر أرضاً كسبناها بالقتال، ولولا أننا  فعلنا ما فعلناه لقضي علينا من حلفاءنا الفرنسيون، إذا لم يهزمنا أعداءنا الاتراك والألمان"
وعد بلفور ومصالح  أطراف الصراع الدولي  
لم يتوقع أحد أن يكون للحركة الصهيونية الوزن والتأثير الذي تمتعت به بسبب من تقاطع مصالحها مع مصالح بعض اطراف الصراع الدولي خلال الحرب العالمية الأولى،   فبينما سخر البعض من غرور قادة الحركة الصهيونية   " حين انفجرت الحرب على العالم بدا مؤكداً أن البناء الصهيوني الصغير سيتحطم وتذروه الرياح "  افتخر زملاء هرتسل وتلامذته بإنجازاته وأهمها، جعل الصهيونية عاملاً سياسياً تقر به دول العالم الكبرى    وتبجح ماكس نوردو زميل هرتسل الأقرب في خطابه أمام المؤتمر الصهيوني السادس في بال- 24 آب/ أغسطس 1903، "  بأن أربع دول هي أعظمها وتسيطر على الكرة الأرضية أعربت عن عطفها إن لم يكن على الشعب اليهودي فعلى الأقل على الحركة الصهيونية، الإمراطورية الألمانية أعربت عن عطفها، بريطانيا قرنت عطفها بالاستعداد العملي لتساعد الصهيونية،  الحكومة الروسية القيصرية  أعلنت خططها لمساعدتنا،  والولايات المتحدة اتخذت خطوات دبلوماسية توحي بالأمل بأنها ستكون عطوفة حين يحين الوقت"، غير أن المواقف المتعاطفة مع الحركة الصهيونية لم تكن سوى تعبير عن مصالح مؤقته لأطراف الصراع عشية وأثناء الحرب العالمية الأولى، لذا خضعت تلك المواقف لتغيرات وتبدلات وفقاً لتطورات الصراع الدولي ومصالح أطراف الصراع ،  ولم يكن موقف اليهود في دول الصراع أفضل من ذلك، فقد شابها الكثير من التناقضات خاصة بين يهود بريطانيا وألمانيا. حيث انقسم الصهيونيين جوهرياً بين هذين المعسكرين، فالصهاينة الألمان ناصروا إمبراطوريتهم الامبريالية، والصهاينة البريطانيون ناصروا إمبراطوريتهم الاستعمارية ،   " " الصهيونية في إنجلترا تكتسب نكهة تميل إلى أن تتحول إلى وطنية بريطانية دنيا، وطنية بريطانية قائمة على التصاق وهمي لقطر خيالي لم يره أحد ولم يعرفه أحد"  ؟
انقسم قادة الحركة الصهيونية بشكل واضح بين معسكري الصراع في الحرب العالمية. فقد عمل قادتها في المانيا من مقر المنظمة الصهيونية عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى في برلين ، على توظيفها في خدمة السياسة الالمانية، وعلى الرغم من  نقل مقرها الرئيس إلى  كوبنهاغن المحايدة،  لكنهم ظلوا على صلة مع ألمانيا أكثر مما كان مع الحلفاء،   والثابت أن جناح الصهيونيين الموالين لدول المركز كان قوياً،  ومن مؤيدي التعاون مع تركيا كان دافيد بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل السابق، وبن زفي،  اللذان كانا يؤيدان دمج يهود فلسطين في الإمبراطورية التركية، وعارضا سياسة وايزمن وجابوتنسكي القائمة على التحالف مع الحلفاء باعتبار أنها تضر بيهود فلسطين. 
   الصراع بين الدول الأوروبية على تركة الرجل المريض الإمبراطورية العثمانية- التركية لم يكن جديداً . فقد احتدم في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين واستطاعت بعض هذه الدول أن تقضم هذا الجزء أو ذاك لكن التركة كانت أصعب من أن تتفق على توزيعها الدول الاستعمارية المتصارعة قبل الحرب العالمية الأولى فقد أزال نشوب الحرب وضع التوازن الذي حال دون تداعي الإمبراطورية العثمانية،  وأصبحت تركة الرجل المريض بين الأسباب التي يدور حولها القتال بين الكتلتين المتحاربتين. كما ظل التنافس عليها بين دول التحالف فقد كان معروفاً قبل الحرب العالمية الأولى أن لكل من الدول الحليفة،  روسيا القيصرية وبريطانيا وفرنسا مطامع في هذه التركة تصطدم بعضها ببعض،  ولذلك لم يكن من الممكن أن تؤدي وحدة المصالح في محاربة دول المركز،  الإمبراطوريات في ألمانيا والنمسا- المجر وتركيا،  إلى إلغاء تصادم المطامع، بل إلى محاولة تسويتها بشكل من الأشكال وبطريقة لا تمزق الحلف بينها. ولذا عملوا من خلال مفاوضات سرية  في لندن وباريس وبتروغراد الوصول إلى اتفاق بين الدول الاساسية  الثلاث على تقسيم التركة العثمانية بينهم   
فكانت  اتفاقية سيكس بيكو في نيسان  أبريل وأيار/ مايو 1916 بتبادل وثائق بين وزارات خارجية الدول الثلاث تلك الاتفاقية التي فضحها الثوار البلاشفة بعد انتصارهم .
وبموجبه تحددت حصة روسيا بالقسطنطينية (استنبول) مع عدد من الأميال إلى الداخل على ضفتي البوسفور،  وجزء كبير من شرق الأناضول ضم تقريباً كامل الولايات الأربع المجاورة للحدود الروسية التركية في حين منحت فرنسا لنفسها القسم الأكبر من سوريا الطبيعية مع جزء كبير من جنوب الأناضول ومنطقة الموصل في العراق. وتألفت حصة بريطانيا من منطقة امتدت من طرف سوريا الجنوبية حتى العراق حيث تتوسع بشكل مروحة لتضم بغداد والبصرة وجميع البلاد الواقعة بين خليج فارس (الخليج العربي) والمنطقة الفرنسية. وتقرر أن تقع المنطقة التي اقتطعت فيما بعد من جنوب سوريا وعرفت بفلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق على ملامحها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية. ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا في هذه المنطقة مينائي حيفا وعكا على أن يكون ميناء حيفا ميناءً حراً تستخدمه فرنسا التي منحت بريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الإسكندرونا، الذي كان سيقع في حوزتها، ميناءً حراً.
أظهرت اتفاقية سايكس بيكو أن نوايا الدول الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا اتجاه فلسطين سابقة لوعد بلفور وهي أكبر من أن تحصر بالتعاطف مع حقوق مزعومة لليهود في فلسطين  " إن نوايا الدول الحليفة بشأن فلسطين حتى عام 1916 جسدها اتفاق سايكس- بيكو  بموجبه ، كانت البلاد ستشوه وتمزق إلى أقسام لا تبقى هناك فلسطين ".
مع ذلك فلم يغب العامل الصهيوني في الاستراتيجية الاستعمارية البريطانية في المنافسة بين بريطانيا وفرنسا، سواء المتعلق باستخدام مسألة الوطن القومي في حماية مصالح  بريطانيا في المنطقة  كما يتضح من كلام وايزمن   " " في حالة وقوع فلسطين في دائرة النفوذ البريطاني وفي حالة تشجيع بريطانيا استيطان اليهود هناك،  فسوف نستطيع خلال عشرين أو ثلاثين سنة من نقل مليون يهودي أو أكثر إليها فيطورون البلاد ويشكلون حارساً فعالاً يحمي قناة السويس"   أو في مسألة التنافس مع فرنسا  وفقا لما كتبه رئيس وزراء بريطانيا لاحقاً  " الغريب في الأمر أن يكون نصير المشروع الوحيد الآخر في الوزارة ، لويد جورج ولا حاجة بي للقول انه لا يهتم بالمرة باليهود، لا بماهيتهم ولا بمستقبلهم ولكنه يعتقد أنه من انتهاك الحرمة السماح بانتقال الأماكن المقدسة في فلسطين  إلى حوزة أو حماية  "فرنسا اللا إدارية الملحدة" .  فغالباً ما قام المستعمر بتغليف أطماعه بالنزعة الدينيه 
  كانت الاتفاقات تتغير بسرعة، خلال الحرب ولم تكن وعود بريطانيا أو غيرها من الدول الاستعمارية  سوى حركات في اللعبة الدبلوماسية،  فكل قطر كان منهمكا بمناورات معقدة من وراء ظهر القطر الآخر،  في محاولة لضمان مصالحه السياسية والاقتصادية.  وسط هذه المؤامرات والمفاوضات أعلنت بريطانيا تأييدها للصهيونية وتحول فجأة الحلم الصهيوني إلى حقيقة ، بعدما أدركت بريطانيا في لحظة حاسمة من تاريخ الصراع قبيل الحرب العالمية أن مطامح الحركة الصهيونية في فلسطين سوف تخدم استراتيجيتها في المنطقة  سواء في مواجهة حلفائها وأعداءها أو مواجهة الصعود لحركة التحرر القومي العربية التي كانت قد بدأت تتبلور بوضوح وتتحول إلى حركة ذات جذور بين الجماهير العربية في سوريا الطبيعية والعراق وغيرها .  ووكانت بريطانيا على قناعة أن منحها وعداً  لليهود  في  فلسطين،  سوف يخدم مصالحها على نطاق دولي أوسع في الحصول على تأييد الرأي العام الامريكي من خلال قيادات صهيونية مؤثرة في محيط الرئيس الأامريكي ويلسون،  قد يساهم في انضمام امريكا إلى الحرب إلى جانب الحلفاء، لذا حرصت بريطانيا على  تقديم نص وعد بلفور إلى الرئيس الأمريكي وودرو ولسون الذي وافق عليه قبل إعلانه، ففي 16/10/1917 أرسل  الكولونيل هاوس الدبلوماسي الأمريكي برقية إلى وزارة الحرب البريطانية يعلمها فيها موافقة الرئيس الأمريكي والحكومة الأمريكية على نص التصريح  وعلى إصداره باسم بريطانيا، ثم تبع ذلك الكونغرس الأمريكي أصدر قرار في العام 1922  أيد اقامة وطن قومي لليهود  في فلسطي ، وسبق أن اعلنت فرنسا في 14/2/1918،  تأييدها للتصريح  وفي 9/5/1918 أعلنت إيطاليا تأييدها له .
ولم تكن بريطانيا لتتجاهل أهمية منحها ذلك الوعد  لليهود لتستبق  وعداً المانيا بنفس الاتجاه، كما  صلارح  لويد جورج   " إن قيادة أركان الجيش الألمانية في 1916 ألحت على الأتراك أن يلبوا مطالب الصهيونيين بشأن فلسطين " ،   "  وأن الحكومة الألمانية كانت في أيلول/ سبتمبر 1917 تبذل مساعي جدية للاستيلاء على الحركة الصهيونية " .  ولا شك أن بريطانيا كانت تدرك أن منحها وعداً لليهود في فلسطين سوف يبعد اليهود الروس عن الحزب البلشيفي،  ويضمن أن تبقى الثورة حليفاً محارباً إلى جانب بريطانيا وفرنسا ، وخير دليل على هذا  القاء ألوف نسخ الوعد بالطائرات على يهود روسيا القيصرية وبولونيا وألمانيا والنمسا- المجر بما يوحي بأن أصحاب الوعد اعتقدوا أنهم بذلك يكسبون تأييد اليهود في روسيا ضد البلاشفة وفي دول المركز ضد حكوماتهم.
 لا شك أن المصلحة العليا البريطانية كانت العامل الحاسم في اعلان وعد بلفو بدون اهتمام بمقترحات الصهيونيين أو أضدادهم .
   وعد بلفورلحظة صدوره "  تصريح فردي من شخص ليس ذي صلة" 
 وعد بلفور الذي ما زالت آثاره ونتائجه تؤثر بشعوب ودول عدة إلى يومنا هذا، لم يكن له أي قيمة قانونية  لحظة صدوره، من حيث كونه رسالة فردية من آرثر بلفور إلى ليونيل وولتر دي روتشيلد، فهوتصريح فردي كما نصت الرسالة نفسها في سطرها الأول،  موجه إلى شخص عاديا لا يتمتع بصفة التعاقد الدولي  "تكون الوثيقة بين أطراف ذات مكانه اعتبارية دولية "شخص دولي اعتباري ، دولة أو هيئة أو منظمة دولية.  فلم تمتلك الرسالة المذكورة القيمة اللازمة لتصبح وثيقة دولية حتى لو أخذنا بالاعتبار أنها جاءت بالنيابة عن الحكومة البريطانية، لأن أحد  أطرافها لا يتمتع بصفة التعاقد الدولي. فوفقأ للقانون الدولي وتعريف المعاهدات الدولية  أُخرجت التصريحات الوحيدة الطرف unilateral declaration ، من كونها وثيقة دولية أو معاهدة ،   " ويخرج عن الوثائق أوالاتفاقيات الدولية، المذكرة memorandum ، الاقتراح proposal، الكتاب الشفوي note verbal،  المحضر process verbal، التسوية المؤقتة modus vivendi، تبادل المذكرات exchange of notes، التصريحات الوحيدة الطرف unilateral declaration ، وهي بيانات تصدرها دولة من جانبها توضح فيها موقفاً معيناً من مسألة ما، " لا يمكن أن تكتسب صفة المعاهدة الجارية ، ومن الواضح أن رسالة بلفور كانت تفتقدلأي من المصوغات التي تمنحها القيمة القانونية الدولية سواء بالمعايير الدولية المتبعة لنفاذ المعاهدة الدولية منذ معاهدة وستفاليا 1648 التي أرست مبدأ سيادة الدولة كأول اتفاق دبلوماسي في العصور الحديثة  أرسى نظاما للعلاقات الدولية أو في مرحلة  عصبة الأمم، كما نصت  المادة 18 من ميثاق العصبة في إجراءات  المصادقة والتسجيل" أن كل معاهدة أو إرتباط دولي تعقده دولة عضو في عصبة الأمم من الأن فصاعدا يجب تسجيله لدى الأمانة العامة ونشره في أقرب وقت ممكن ولن تكون أية معاهدة كما لن يكون أي إرتباد دولي ملزم ما لم يسجل"أو وفقا لميثاق الأمم المتحدة كم نصت   المادة  102من ميثاق الأمم المتحدة  " كل معاهدة وكل اتفاق دولي يعقده أي عضو من أعضاء الأمم المتحدة بعد العمل بهدا الاتفاق، يجب أن يسجل في أمانة الهيئة وان يقوم بنشره بأسرع ما يمكن ، ليس لاي طرف في المعاهدة أو اتفاق دولي لم يسجل وفقا للفقرة الأولى من هذه المادة أن يتمسك بتلك المعاهدة أو ذلك الاتفاق أمام أي فرع من فروع الأمم المتحدة ." ،  كذلك وفقاً للتطور اللاحق في نظام الوثائق والمعاهدات الدولية لمعاهدتي فيينا لقانون المعاهداتعامي 1969- 1986 . "  تعرف المعاهدة الدولية على أنها اتفاق مكتوب يتم بين أشخاص القانون الدولي بقصد ترتيب أثار قانونية معينة وفقا لقواعد القانون الدولي العام"وتتطلب إجراءات محددة للمصادقة والتسجيل والإنضمام ، كما وتتطلب رضى الأطراف ذات العلاقة ، حيث تبطل المعاهدة التي يشوبها الاكراه أو التهديد  أو التدليس والخداع . من المتفق عليه في النظم القانونية  الداخلية أن العقد قوامه الإرادة التي يفصح عنها الأطراف من كامن النفس إلى العالم الخارجي والتي جاءت نتيجة لإحداث أثر قانوني معين والإرادة المقصودة هي الإرادة الحرة السليمة البريئة ، ومع هذا فان الرضا تشوبه عيوب تعرف بعيوب الرضا والمتمثلة في الغلط،، التدليس، الإكراه ، إفساد ذمة ممثل دولة ،المحل " . لم  تحصل رسالة  بلفور على موافقة أو رضا الشعب الفلسطيني صاحب العلاقة الأساس ولا على موافقة الدولة  العثمانية صاحبة الولاية .
يتضح مما تقدم في هذا الجانب أن وعد بلفور لم يتخطى حدود التصريح الفردي  لحظة صدوره ، فقد عبَّر عن موقف الجهة التي صدر عنها من موضوعة محددة،  ولم يكن لتلك الجهة " بلفور نفسه ولا الحكومة البريطانية " أي صلة  قانونية  بالمكان الذي تحدث عنه الوعد " فلسطين " ولا الجهة الممنوح لها  "  اليهود " ولا بموضوع الوعد "الوطن القومي لليهود " ، فلحظة صدور الوعد المذكور لم يكن لبريطانيا أو حكومتها أو وزير خارجيتها أي صفة قانونية بفلسطين، فبريطانيا لم تكن دولة إنتداب ولا دولة إحتلال ولا دولة إتحاد في فلسطين،  ولم يكن لها أي صفة تمثيلية للمكون الاعتباري المتعلق بالمكان  وهو " الشعب الفلسطيني " ليست ممثلة له،  ولم تحصل الجهة التي أصدرت الوعد على رضى الشعب الفلسطيني صاحب السيادة  " فالسيادة كامنة في الشعب ولا تنزع عنه "  ولم تحصل بريطانيا على أي موافقة أو قبول من صاحب الولاية على فلسطين في ذلك الوقت وهو الدولة العثمانية، حيث كانت فلسطين حتى تاريخ الرسالة قانونياً جزء من ولاية بيروت طرابلس  في الدولة العثمانية، ولم تمنح الدولة العثمانية أي موافقة على ذلك الوعد أو الرسالة ، بل  رفضته في مؤتمر الصلحمن خلال اصرارها على تعديل معاهدة سيفر 1920 التي نصت على الاعتراف بالوطن القومي لليهود في فلسطين وتم حذف البند 92 و94، 95، التي أجحفت بحقوق تركيا بما فيها البند المتعلق  بوعد بلفور، في معاهدة سفر واستبداله بالبند 16 في  معاهدة لوزان 1923 ، وفقا لنص المادة الذي سيرد في مكان أخر من المقال، هذا إضافة إلى أن بريطانيا لم يكن لها أي علاقة تمثيلية بالمكون الإعتباري المختلق الذي نصت عليه الرسالة   " الشعب اليهودي ، والصهيونية ، لتنوب عن مصالحه في عصبة الامم.
 لذا فلا يمكن إعتبار تلك الرسالة لحظة صدورها وثيقة دولية، ولا يترتب عليها أي نتائج قانونية ملزمة لأي طرف دولي،   كما ولا يعتبر وعد بلفور في حينه معاهدة ولا اتفاق ولا وثيقة دولية وفقاً القانون الدولي،  فلم يكن له أي قيمة قانونية،  لأن بلفور وحكومة بريطانيا لم يتمتعا بأي أهلية قانونية تؤهلهما إصدار ذلك الوعد، والأهم من ذلك كله،  أن الوعد من حيث المضمون ، جاء مخالفاُ للقواعد الآمرة في القانون الدولي  " مشروعية المحل " وقصد بها أن لا يكون هناك  تعارض بين موضوع المعاهدة والغرض منها وبين أي من قواعد القانون الدولي الآمرة العامة المقبولة والمعترف بها في الجماعة الدولية كقواعد لا يجوز الإخلال بها ولا يمكن تغييرها الا بقواعد جديدة من قواعد القانون الدولي العام التي لها نفس الصفة،  فكل معاهدة تتعارض مع هذه القواعد تعتبر باطلة ولا يعتد بها Jus cogens. ومن أهم تلك  القواعد عدم جواز  الاعتداء على حقوق الاخرين دول وشعوب وعدم جواز احتلال أرضي الغير  بالقوة ثم حق الشعوب في تقرير مصيرها . وقد نصت المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 ولاحقتها عام 1986 على ذلك « تعتبر المعاهدة لاغيه إذا كانت وقت عقدها تتعارض مع قاعدة قطعية من قواعد القانون الدولي العام" وقد مس وعد بلفور بحق الشعب الفلسطيني وشكل أساس لعدوان وضرر مستمر على الشعب الفلسطيني  وهذه مخالفات فادحة للقواعد الأمرة في القانون الدولي التي تمنع العدوان والاضرار والمس بحقوق الشعوب وبناء على ما تقدم فإن تلك رسالة بلفور لحظة صدورها جاءت فاقده للمعايير والشروط والإجراءات واجبة الاتباع للإعتماد كوثيقة دولية.
  تحول وعد بلفور إلى وثيقة دولية  
في 8/2/1918 أرسل بلفور  برقية إلى الحسين بن علي باسم الحكومة البريطانية ودول الحلفاء جاء فيها "حكومة صاحب الجلالة البريطانية تؤكد مرة أخرى وعودها السابقة بتأييد استقلال العرب ومساعدة البلاد العربية التي لم تنل استقلالها بعد الحصول عليه بعد الحرب".ألا يعتبر هذا وعد من بلفور بمساعدة البلاد العربية الحصول على الاستقلال،  فما الذي أعطى وزناً وقيمة لوعد بلفور الذي قدمه لروتشيلد وهو شخص ليس ذي صلة، ولم يعطي أي قيمة قانونية لهذه الرسالة أو الوعد الذي منحه للعرب رغم صدوره عن نفس الشخص ممثلاً لنفس الجهة الرسمية، علماً أن الرسالة المشار لها هنا قُدمت لهيئات دولية ذات صلة، لكنها لقيت مصير وعود مكمهون للحسين بن علي. 
 بقيت وعود بريطانيا المتناقضة بلا أي قيمة قانونية، واعتبرت من سياسات التكتيك الاستعماري لخداع الشعوب والدول الحليفة، إلا ما صدر منها ضمن رؤية استراتيجية استهدفت خدمة المصالح البريطانية، تلك التي ميّزتها بريطانيا عن غيرها من الوعود،  وعملت بعد  إصدارها ومنحها الوزن والقيمة القانونية والدولية اللازمة، مستغلة المناخ والظروف الدولية التي رافقت الحرب العالمية الاولى ، فكانت تلك الوعود تعبير عن  تطلعها لتثبت غنائمها في الحرب،  قبل أن تستقر الأمور لغيرها من الدول المتنفذة، فعملت على توثيق العهود التي خدمت استراتيجيتها في الحفاظ على مصالحها ونالت لها المصادقة من الهيئات والمؤتمرات الدولية،  التي نصت على إنهاء الحرب العالمية الأولى،  وفي مقدمة تلك الوعود كان وعد بلفور بوطن قومي لليهود  في فلسطين، الذي جعلته جزء من مقررات مؤتمر الصلح في باريس " مؤتمر فرساي" عام 1919، كما جزء من وثيقة تأسيس عصبة الأمم وميثاقها، ثم في مقررات سان ريمو ومعاهدة  سيفر وصك الانتداب الذي  أقره ميثاق عصبة الأمم.
جاء في مقدمة قرار مجلس عصبة الأمم الذي أقر صك الانتداب ما يلي  "  لما كانت دول الحلفاء الكبرى قد وافقت على أن يُعهد بإدارة فلسطين التي كانت تابعة فيما مضى للمملكة العثمانية بالحدود التي تعينها تلك الدول إلى دولة مُنتدبة تختارها الدول المشار إليها، تنفيذاً لنصوص المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم، ولما كانت دول الحلفاء قد وافقت على أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن تنفيذ التصريح الذي أصدرته في الأصل حكومة صاحب الجلالة البريطانية في اليوم الثاني من شهر تشرين الثاني، قد وافقت أيضاً على أن تكون الدول المنتدبة مسؤولة عن تنفيذ التصريح الذي أصدرته في الأصل حكومة صاحب الجلالة البريطانية  في اليوم الثاني من شهر تشرين الثاني سنة 1917، وأقرته الدول المذكورة لصالح إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يضر بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية الموجودة الآن في فلسطين، أو بالحقوق  أو الوضع السياسي مما يتمتع به اليهود في أية بلاد أخرى " 
بهذا النص تحول وعد بلفور من مجرد رسالة وتصريح فردي إلى وثيقة دولية، ضمن وثائق عصبة الأمم، ثم استمرت بريطانيا في عملية ترسيخ الحالة القانونية الدولية لوعد بلفور ولفكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين في المعاهدات اللاحقة التي تبعت مقررات مؤتمر الصلح في باريس،  خاصة معاهدة  سان ريمو التي تم توقيعها في مؤتمر عقده المجلس الأعلى للحلفاء بين 19 و 25 / 4 / 1920 م في مدينة سان ريمو بإيطاليا، والذي عقد على عجل لمواجهة قرارات المؤتمر السوري الأول   الذي عقد 8  أذار 1920، واتخذ  قرارات تاريخية تنص على إعلان استقلال سوريا بحدودها الطبيعية استقلالاً تاماً بما فيها فلسطين، ورفض إدعاء الصهيونية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وإنشاء حكومة مسؤولة أمام المؤتمر الذي هو مجلس نيابي، وكان يضم ممثلين انتخبهم الشعب في سوريا ولبنان وفلسطين، وتنصيب الأمير فيصل ملكًا على البلاد،  وجاء  مؤتمر سان ريمو أيضا امتداد لمؤتمر لندن  (شباط 1920) الذي بحثت فيه شروط الحلفاء للصلح مع تركيا وقرروضع سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي وضع العراق تحت الانتداب الإنجليزي، وضع فلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب الإنجليزي مع الالتزام بتنفيذ وعد بلفور،  ونتج عنه بشكل أساس اتفاقية سيفر التي فرضها الحلفاءعلى الدولة العثمانية فقد قرر مؤتمر سان ريمو أن يأتي مندوب عن الحكومة التركية في 10/5/1920 ليستلم معاهدة سفير وينقلها إلى حكومته في الآستانة لتوافق عليها دون أن يكون لها الحق في الاعتراض على ما جاء فيها. 
لم تخلو معاهدة سيفر نفسها من التناقض فبينما نصت  المادة 94 من تلك المعاهدة على الاعتراف سوريا كلها والعراق دول مستقلة بشرط أن تُمد بالمساعدة مندولة منتدبة، نصت المادة 92 من نفس المعاهدة على أن يعهد بفلسطين إلى دولة منتدبة وأن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن تنفيذ وعد بلفور طبقاً  للمادة  22 لميثاق عصبة الأمم، ومع ذلك لم يتسنى لمعاهدة سيفر أن تحظى بقيمة الاستمرار القانوني،  حيث  تم تعديلها بمعاهدة لوزان  عندما تمكن  القوميين الاتراك من الثورة على إجحاف اتفاقية سيفر بحق بلادهم،  وشكلوا المجلس الوطني عام 1920،  الذي قرر المجلس بطلان المعاهدات التي ارتبطت بها الحكومة العثمانية بعد احتلال الحلفاء للإستانة وتمكن القوميون الاتراك من تشكيل حكومة وشنوا معركة أزمير وتمكنوا من دخول الاستانة مع المجلس الوطني في 19 اكتوبر من نفس العام،  بينما هرب السلطان محمد السادس في 17 نوفمبر،  وأصبح المجلس الوطني الحكومة الشرعية الوحيدة في تركيا، وبذلك أبطل الأتراك  معاهدة سيفر واستعادوا الأقاليم التي أُنتزعت منهم في الأناضول وتراقيا والجزر التركية الواقعة في بحر إيجه    وشمال سوريا، وعززوا ذلك في إصرارهم على عدم التوقيع على معاهدة لوزان حتى موافقة الحلفاء على إبطال البنود المجحفة بحق بلادهم في اتفاقية سيفر ومن ضمنها البنود  94 و95  بما يشمل البند 92 المتعلق بتنفيذ وعد  بلفور، واستبدلت تلك البنود بالمادة 16 في معاهدة لوزان، التي نصت على ما يلي : "تتخلى تركيا بموجب هذا عن جميع الحقوق، أي حق من أي نوع في مكان يتعلق بالأراضي الواقعة خارج الحدود المرسومة في هذه المعاهدة، وسوف تتم تسوية مستقبل هذه الأراضي والجزر بمعرفة جميع الأطراف"، وعلى الرغم من تخلي تركيا عن جميع حقوقها في الأرضي التي تحددت في الخارطة المرفقة باتفاق لوزان خاصة الاقاليم العربية، إلا أنها حققت حذف البند الخاص بوعد بلفور كما اختفظت لنفسها بدور في تحديد مستقبل تلك المناطق.  ومع المصادقة على معاهدة لوزان عادت رسالة بلفور ووعده باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين لتفتقد الأساس الذي اكتسبته من معاهدة سيفر التي جاءت مع خمس معاهدات أخرى لتنفيذ مقررات مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، تنفيذا للفقره الخاصة بوعد بلفور من المادة 22 من عهد عصبة الامم . 
وعد بلفور القيمة القانونية في ضوء تزيف الوقائع 
يعتبر البعض أن النقاش المجرد استناداً إلى تضمين وعد بلفور في وثيقة صك الانتداب التي صادق عليها مجلس عصبة الأمم حوّلَ وعد بلفور بشكل تام ونهائي، من مجرد تصريح فردي إلى وثيقة دولية ذات قيمة قانونية، بمعزل عن أي حقائق أخرى مهما بلغت عدالتها، وبغض النظر عما لحق من آثر في معاهدة لوزان، ودون الأخذ بأي اعتبار عملية التضليل والتزيف التي قامت بها حكومة بريطانيا بشكل مقصود لحقائق الواقع على أرض فلسطين لحظة صدور وعد بلفور وأثناء المصادقة على صك الانتداب من قبل عصبة الأمم،  ، فقد تبنت عصبة الأمم صك الانتداب بما احتواه من إشارة إلى وعد بلفور، بل وكلفت دولة الانتداب بتنفيذه، دون أن يتوافق هذا مع إقرار المادة 22 من ميثاق العصبة،  اعتبار فلسطين والشعب الفلسطيني من الفئة  " أ " الجاهز للاستقلال بعد استرشاده من دولة انتداب ؟ . 
 قامت بريطانيا بواحدة من أكبر وأخطر جرائم العصر بتزيف حقائق دولية، بهدف نفي صفة الوجود عن الشعب الفلسطيني حتى لا يعتبر هو الشعب المقصود بالاستقلال، ومنح تلك الصفة لشتات من الأفراد وربما الجماعات تنتفي عنها علة الوجود كشعب، لأن الشعب أحد الاضلاع الأساسية في مثلث الدولة .
شملت عملية التزيف حقائق الواقع الديمغرافي والسياسي والقانوني في فلسطين،  لتنفي عن الشعب الفلسطيني صفة الوجود كشعب،  وتصفه بالطوائف غير اليهودية،  كما ورد في نص وعد بلفور وفي مقدمة قرار مجلس عصبة الأمم المتعلق بصك الانتداب  " على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يضر بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية الموجودة الآن في فلسطين "  وبالمقابل قامت باختراع مُكون تنتفي عنه علة الوجود القانوني وهو الشعب اليهودي ، لتوحي أنه هو المقصود بالإشارة إليه ضمن الفئة المصنفة " أ "  في المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم، وهو الأمة الجاهزة للاستقلال في فلسطين والتي تحتاج إلى أن تُمد بمعونة ومساعدة دولة إنتداب، وأن غير هذه الأمة مجرد طوائف غير يهودية .
علماً أن اليهود لم يكن لهم وجود بصفتهم شعب لا على أرض فلسطين ولا في أي مكان في العالم، فعدد اليهود في فلسطين لم  يتجاوز ، 8000 نسمة حتى عام  1838. بينما لم يتجاوزوا  56 ألف نسمة 8% من السكان وصلوا إلى فلسطين بين الأعوام 1838 – 1919، لم يكنوا سوى أجانب دخلوا فلسطين بطريقة غير شرعية، حيث كان السلطان عبد الحميد قد اتخذ قرارا بمنع الهجرة إلى فلسطين، وهو صاحب الولاية القانونية في حينه .
إن الجدل حول أهلية عصبة الأمم في اعتماد فكرة الانتداب أو المصادقة على صك الانتداب، لم تغير من الواقع السياسي والقانوني على أرض فلسطين شيئأ لحظة اعتماد صك الانتداب، حيث كانت نسبة السكان الفلسطينين تزيد عن 92% بينما كانت نسبة اليهود من شعوب ودول مختلفة في  فلسطين لا تتجاوز 8% ، الأمر الذي يعني دون أن يطاله أي شك قانوني،  أن الصفة التي تحدثت عنها المادة 22 تنطبق على الفلسطينيون في فلسطين حصرا ، حتى وإن أبطنت بريطانيا وايدتها عصبة الأمم غير ذلك . 
إن القيمة القانونية التي منحتها عصبة الأمم لوعد بلفورمختلف عليها بقدر الاختلاف على أهلية عصبة الأمم بمنح تلك القيمة، لأن ميثاق عصبة الأمم في القانون الدولي هو اتفاقية ملزم لأطرافه ولا يترتب أي قيمة ملزمة لأطراف أخرى، إن هذه القيمة المذكورة تتهاوي أمام أسس وقواعد ونصوص القانون الدولي وذلك للأسباب التالية :  
1- عدم انطباق أياً من شروط  الوثيقة الدولية القانونية على رسالة بلفور 
2- وعد بلفور كان وما زال مجرد رسالة إلى شخص فاقد أهلية التعاقد الدولي ، من وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى دونالد روتشيلد، " وقد  أخرج  القانون الدولي  بشكل  واضح لا  لبس فيه  في باب المعاهدات التصريح  والبيان من كونه وثيقة دولية. 
3- لم يكن لبلفور ولا لبريطانيا أي صفة قانونية في فلسطين ، ليست دولة احتلال ولا دولة انتداب ولا دولة اتحاد 
4- جاء الوعد بنصه مخالفا لمبادئ وميثاق عصبة الأمم نفسه، وهو مخالف أيضا لميثاق ومبادئ الأمم المتحدة التي ورثت مهمة عصبة الأمم في حفظ السلم والأمن الدوليين وحق الشعوب في  تقرير المصير .
5- هناك جدل قانوني حول أهلية عصبة الأمم في إنشاء فكرة الانتداب وفي المصادقة على صك الانتداب،  وفي الوصاية أو اتخاذ قرارات تتعلق بحق دول وأمم وشعوب غير موقعة على ميثاق عصبة الأمم وليست عضوة فيها 
6- جاء الوعد في مضمونه مخالفا بشكل خطير للقواعد الآمره في القانون الدولي، وقد مس بشكل خطير في حق شعوب أخرى وعلى رأسها الشعب الفلسطيني في  حقه في تقرير المصير 
7- خالف الوعد التزامات بريطانيا التي منحتها لأطراف أخرى خاصة إلتزاماتها في اتفاقية سايكس بيكو بوضع فلسطين ضمن حكم دولي " رغم أن هذه الاتفاقية نفسها أخلت بالقواعد الآمرة للقانون الدولي وتمت في غياب وعدم رضى الأطراف المعنية من الدول العربية، كما يعتبر الوعد مناقض لوعد بريطاني الذي منحته للحسين بن علي في رسائل متتعددة.
8- اعطت بريطاني ذلك الوعد دون رضى الشعب الفلسطيني صاحب الحق بالسيادة على الأرض الفلسطينية  
9- اعطت الوعد دون موافقة الدولة العثمانية   صاحبة الولاية القانونية على فلسطين في ذلك الوقت 
آثر وعد بلفور في فلسطين ،  الشعب والسيادة
الشعب  : مصطلح في علم الإجتماع والسياسة يشير إلى مجموعة من الأفراد أو الأقوام ما فوق القبيلة وما دون الأمة، يعيشون في إطار واحد من الثقافة والعادات ضمن مجتمع واحد وعلى أرض واحدة، ويميز كل شعب شكل العلاقات والبنى الاجتماعية لمكوناته وأسلوب العقد الاجتماعي بين أفراده .
بعيدا عن الخوض في الحق التاريخي  للشعب الفلسطيني في فلسطين، الذي لا تشوبه أي شائبة عمليأً ونظرياً وقانونياً،  سواء من حيث تواصل الصلة والوجود في المكان " فلسطين " تاريخياً،  أو عشية وعد بلفور وقبل الاحتلال البريطاني لفلسطين إلى يومنا هذا ودون إنقطاع ، وبعيداً أيضاً عن التقليل من شأن واحترام الديانة اليهودية جذر الديانات السماوية،  وبما جاءت به من قيم إنسانية وحضارية،  لكن شكوك كثيرة تحوم حول الرواية التاريخية لليهود في فلسطين، لأن تلك الرواية منحت قبيلة صغير عاشت في فلسطين وتنقلت في مناطق متعددة وفي ظل أمم وإمبراطوريات كبرى كالفراعنة والآرامين والأدوميين والكنعانين، والحثين والهكسوس،  وزناً تارخياً أكبر من تلك الأمم والامبراطوريات، التي أظهرتها الرواية اليهودية وكأنها تعيش في ظل تلك القبيلة وتواكب سيرتها، في اللحظة التي جعلت من تاريخ فلسطين والمنطقة كلها،  نزاعاً  مع الأغيار على الرسالة حيناً وعلى المكانة بين الأمم أمام الله حيناً أخر،  حيث يعتقد اليهود أنهم الحاملين لرسالة الله وليس لغيرهم الحق في ذلك ، أو قزمت أحداث التاريخ إلى خلافاً على بئر ماء أو نزاعأ بين القبيلة فيما بينها أو مع الله نفسه على الدور والمكانة.
في ظل هذا الفكر الأسطوري للتاريخ،  لم تعد غالبية جامعات العالم تأخذ اليوم بالتوراة مرجعاً للتاريخ، ولأن هذه الورقة لا تختص بهذا البعد من الموضوع، سوف نتعرض بإيجاز لجانب منه كضرورة للتعريف بالشعب صاحب الصلة والتواصل والسيادة في فلسطين، والشعب المفترض الذي اخترعته بريطانيا وكانت تنتفي عنه علة الوجود . 
اليهودية كباقي الديانات السماوية امتدت لضرورات موضوعية وأسباب تاريخية إلى شعوب متعددة في العالم، فبينما تخطت المسيحية حدَّها القبلي وامتدت بالتبشير " لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ  " متى الأية 24، فأصبحت ديناً عالمياً، جاء الإسلام للناس كافة " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ " سبأ الأية 28  وامتدد بالدعوة والفتوحات،  أما  اليهودية فتخطت حدَّها القبلي بالإعتناق الطوعي للجماعات والأفراد لأنها تعتبر نفسها ديانة غير تبشيرية، فظلت من حيث النص في حدَّها القبلي،  وهذا  جذر المسألة اليهودية التي  ظهرت في القرن العشرين " وَجَمَعَ مُوسَى كُلَّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَالَ لَهُمْ: «هذِهِ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَمَرَ الرَّبُّ أَنْ تُصْنَعَ"  الخروج 35،  وكانت المسألة اليهودية تظهر وتختفي منذ جاءت، فالغيتو في الفكرة وليس في التكوين الاجتماعي فقط، وهو أقدم مما أشارت له معظم الدراسات،  أما من حيث التكوين العرقي، امتدت اليهودية إلى قبائل وأمم وشعوب أخرى تخطت التكوين القبلي والعرقي لبني إسرائيل، ولا يفيد  اليهود إنكار ذلك، لأن علوم الانثربولوجيا والجينات والأثار والإجتماع أثبتت ذلك دون أدنى شك، وأقره علماء وكتاب ومؤرخون يهود أمثال آرثر كوستلر وشلومو ساند وغيرهم .
 ولأن اليهودية تبنت ثلوث أرض الرب وشعب الرب وديانة الرب، فقد صنعت لها جغرافيا مقدسة وربطت نفسها بها، بينما امتنعت الديانتين الاسلامية المسيحية عن ذلك، فهما وإن أقرتا بصلة مقدسة لهما بأماكن معينة، غير أنهما لم تربطا المسلمين أو المسيحين بجغرافيا أو وطن أو دولة واحدة، وإن منحتهم أحياناً صفة الأمة لم تمنحهم صفة الشعب،  لم تدعيا على نفسيهما القومية أو استئثارهما بوطن أو قطعة جغرافية واحدة.

  انتشرت اليهودية بالهجرة والتنقل بين شعوب الشرق وبالاعتناق ثم الهجرة بين شعوب الغرب، حيث  يعود غالبية يهود الغرب إلى جمهورية الخزر، وهي دولة حكمت الأراضي الواسعة من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر في جوار بحر قزوين،  من بحيرة وانومن البحر الأسود إلى كييف، ومن بحر آرال إلى المجر،  ودخلت اليهودية اليها بالاعتناق الجماعي منذ عام 740 ميلادي، لأسباب سياسية تبدأ برغبة شعب الخزر الاستقلال عن كل من الإسلام في دولته العباسية وعن المسيحية في الإمبراطورية البيزنطية وتكتلهم كقوة ثالثة مستقلة، حينما وجد  "الخاقان" نفسه بين امبراطوريتين كبيرتين في محيط بلاده إحدهما تدين بالمسيحية، وهي الامراطورية البيزنطية ، والثانية دولة الخلافة الاسلامية التي  وصلت خوارزم،  فخشي أن تمتدا إلى دولته بالحرب أو  التبشير،  فاختار ديانة ثالثة لتحصين مجتمعه ودولته، ويعتبر يهود الخزر أجداد اليهود الروس الذين انتشروا بعد ذلك في اوروبا وباقي دول العالم.
استنادا إلى ما ذكر ، لم تنطبق صفة شعب على اليهود التي منحهم إياها آرثر بلفور في رسالته، فلم يكن اليهود عشية وعد بلفور ولا ثمانية عشرة قرناً قبل ذلك يعيشون على أرض واحدة ، ولم يكن يهود أوروبا على صلة بنسل قبيلة بني إسرائيل التي عاشت في كنف الكنعانين " إن أخذنا بصحة الرواية التوراتية "  فإن مبادئ القانون الدولي لا تسلم ولا تقر ابدأ بأي صلة أو علاقة بين إنشاء الدول وبين الدين والاضطهادات  
  بناء عليه،  فلا يمكن للوصف الذي منحته رسالة بلفور لليهود باعتبارهم شعب، أن تؤسس أو تُثبت عليهم وصف الشعب بالمعنى السوسيولوجي أو السيسيوبولوتيكي أو القانوني لإنتفاء علة الوجود عن الموصوف لحظة صدور الوعد وثمانية عشر قرناً قبل ذك . 
عصبة الأمم ووعد بلفور 
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ساد مناخ معاد للحروب بعد مقتل ما يزيد  عن 18 مليون شخص وجرح ما يزيد عن 12 مليون أخرين إضافة للدمار الكبير الذي عمَّ معظم دول العالم، لذا بادر عدد من زعماء  العالم إلى تأسيس هيئة دولية تحفظ  السلم والأمن وتحول دون حدوث حروب أخرى، ورغم النويا الحسنة التي رافقت تأسيس عصبة الأمم،  وأخذها بفلسفة إيمانويل كانط في كتابه السلام الدائم 1795، ومبادئ الاتحاد البرلماني الدولي، الذي تأسس على يد الناشطين السلميين ويليام راندال كريمر وفريدريك باسي، سنة  1889  وأخذ طابعاً دولياً في العلاقات الدولية حتى العام 1914، عندما كان ثلث أعضائه يمثلون الدول البرلمانية الأربع والعشرين القائمة في ذلك الزمن، كما تأثرت فكرة عصبة الأمم بأفكار رئيس وزراء جنوب أفريقيا، جون كريستيان سمطس، الذي نشر مقالة في عام  1918  بعنوان "عصبة الأمم اقتراح عملي " ،إلى أن جاءت المبادئ الأربع عشر للرئيس الأمريكي ويلسون.
   كل تلك الجهود والمبادئ حثت جميعها على السلام وحق الشعوب بالحرية وتقرير المصير وسيادة الدول وحل النزعات الدولية بالوسائل السلمية.  إلا أن الدول المنتصره بالحرب وتحديداً بريطانيا ، إيطاليا، فرنسا، واليابان،  جعلت مقررات مؤتمر الصلح وعصبة الامم في خدمة مصالحه وأطماعها، وتقاسمت مناطق النفوذ في الاقاليم والبلاد التي خسرتها الدول المهزمة في الحرب،   خاصة الاقاليم التي خسرتها المانيا والدولة العثمانية وحلفائهم من الاوروبين والعرب، سواء بفصل أجزاء كبيرة من اقليم تلك البلاد عنها وإحداث تغيرات هائلة في الخارطة الدولية بما يشمل إنهاء وجود دول واقرار ظهور دول أخرى مثل بولندا وأرمينا اللتان ظهرتا فعلا ودولة للأكراد حالت عوامل متعددة دون ظهورها، ومنح الاستقلال لشعوب ودول ومنعه عن شعوب ودول أخرى ، بما يخدم مصالح الدول المنتصرة بالحرب، التي استخدمت الحرب العالمية الأولى ضمن عملية التنافس وتقاسم النفوذ بينها÷،  طرقاً ووسائل مختلفة لتأكيد سيطرتها وبسط نفوذها على الاقاليم التي احتلتها أو تقاسمتها معأ ، سواء بالاحتلال والسيطرة المباشرة أو بنظام الانتداب الذي تم ابتداعه من قبل الدول الاستعمارية المنتصرة بالحرب، الأمر الذي دفع أحد أهم المبادرين إلى تأسيس عصبة الأمم وهو الرئيس ويلسون يعجز عن الحصول على تاييد الكونغرس الأمريكي لعضوية الولايات المتحدة في العصبة، رغم خطابه المهم أمام مجلس الكونغرس " لقد أُلقي على عاتق هذه الأمة العظيمة دورًا جديدًا ومسؤولية جديدة علينا أن نحترمها، ونتمنى لو نستطيع تأديتها بأعلى المستويات" ، لكن هذا الخطاب لم يلقى تأييد الكونغرس،  الذي أعتبر أن النظام التأسيسي للعصبة هو محاولة من الدول الأوربية الإستعمارية الكبرى للإستئثار بغنائم الحرب العالمية الأولى.
وظَّفت بريطانيا نظام الانتداب في تنفيذ استراتيجيتها في مناطق عدة بما فيها فلسطين،   وحرصت على تضمين وعد بلفور ضمن مقررات مؤتمر فرساي في باريس  1919،  خلافا لغاية وفكرة تأسيس عصبة الأمم كما نص  الجزء الأول من  مقدمة معاهدة فرساي " إنشاء منظمة عامة للأمم ذات مواثيق توفر ضمانات متبادلة للإستقلال السياسي واحترام وحدة تراب الأمم الكبيرة والصغيرة على حد سواء"  وبالرجوع للغايات والأهداف التي أُنشأت من أجلها عصبة الامم وعلى رأسها حماية حقوق الشعوب والدول الكبيرة والصغير والتخلص من مسببات الحروب ومنعها، يمكننا القول أن بريطانيا ومعها فرنسا وايطاليا واليابان حرفت مسار عصبة الأمم من لحظة تأسيسها عن تلك المبادئ والأهداف، الأمر الذي ساهم في ضعف وانهيار عصبة الأمم. فقد فرضت بريطانيا والدول الأربع إرادتها على مؤتمر الصلح الذي أقر انشاء عصبة الأمم وأقر ميثاقها، مستفيدة من استبعاد دول ذات وزن دولي كبير كما حدث في استبعاد روسيا والمانيا ، وامتناع دول كبرى أخرى عن الانضمام إلى عصبة الأمم مثل  الولايات المتحدة. الأمر الذي مكَّن الدول الأربع المذكورة من فرض هيمنتها على العصبة  وعلى مقررات مؤتمر باريس 1919 .
وبذلك تمكنت بريطانيا من جعل وعد بلفور جزء من صك الإنتداب ضمن مقررات عصبة الأمم، حيث أُعلن مشروع الصك المذكور من قبل  عصبة الأمم بتاريخ 6 يوليو 1921، وصودق عليه في 24 يوليو سنة 1922، ووضع موضع التنفيذ في 29 سبتمبر"  وذلك في تناقض واضح مع ميثاق العصبه نفسها،   الذي أقر عدم جواز ضم الأقاليم التي كانت تابعة للدولة العثمانية واحتلتها الدول المنتصرة بالحرب إلى تلك الدول، وحق تلك الاقاليم في الاستقلال، فقد صنَّفت  المادة 22 تلك الاقاليم في ثلاث فئات، وإعترافت بشخصية الشعوب العربية بشكل عام وتقدمها، وانطبقت أحكام هذه المادة انطباقاً مباشراً على الأراضي العربية. كما جاء في نص المادة  22  التي  سوف  يرد ذكرها معنا كثيراً لارتباطها بجوانب متعددة بموضوع  ورقتنا هذه ،  " إن بعض الشعوب التي كانت من قبل تنتمي إلى الامبراطورية التركية قد وصلت إلى درجة من التقدم يمكن معها الاعتراف، مؤقتاً، بوجودها كأمم مستقلة، رهناً بتقديم المشورة الإدارية والمساعدة من قبل دولة منتدبة، حتى يحين الوقت الذي تصبح فيه قادرة على النهوض وحدها، ويجب أن يكون لرغبات هذه الشعوب اعتبار رئيس في اختيار الدولة المنتدبة " . 
لم تكن فلسطين مستثناه من هذه الأحكام مثل بقية الأقطار العربية،  التي كانت واقعة تحت الحكم العثماني،  وتم تصنيفها ضمن الفئة " أ " إلى جانب سوريا العراق وشرق الأردن.  التي اعتبرت جاهزة للاستقلال على أن تسترشد بدولة انتداب لفترة مؤقتة، أقرت الماده 22 نقسها صك الانتداب الذي تضمن تنفيذ وعد بلفور بإقامة وطن قومي  لليهود في  فلسطين .  

فكرة الانتداب  وموقف أطراف الصراع منها
الانتداب كلمة  ظهرت في عالم الاصطلاحات الدولية مع تأسيس عصبة الامم، وهي  تعبير عن نظام سياسي خاص يحدد علاقات بعض الشعوب القوية المتمدنة مع بعض الشعوب الضعيفة التي ادعي أنها لا تستطيع أن تحكم نفسها بنفسها،  جاءت الفكرة  لتخدم مصالح الدول الاستعمارية ، التي ما كان لها أن تفرض سلطتها المباشرة بشكل فج على البلاد التي سيطرت عليها بالحرب، لأنها قدمت نفسها وهي تتقدم إلى تأسيس عصبة الأمم ، بثوب الراعي للسلام ولحقوق الدول والشعوب الكبيرة والصغيرة،  وهذا ما  جاء في  مقدمة ميثاق عصبة الأمم الذي اشرنا إليه في غير مكان، وتنطوي فكرة الانتداب على  أربعة عناصر ، هي اولاً المهمة  التي يجب القيام بها،  وتختلف هذه المهمة بين مستويات الانتداب كما حددتها المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم الذي أقر موضوعة الانتداب واعتمدها كنظام خاص ، فالمهمة اتجاه الفئة المصنفة " أ "  تكون المساعدة في إدارة شؤونها حتى تصبح الدولة أو الاقاليم قادر على إدارة شؤونه والاستقلال بنفسه،  وقد صنفت المادة 22  فلسطين ضمن هذه الفئة، أما اتجاه الفئة المصنفة " ب " فالمهمة هي  استقلاها غير   مضمون، أما الثالثة فمصيرها غامض وتكاد تكون الضم أو الالحاق بدولة الانتداب، والعنصر الثاني في فكرة الانتداب جهة المسؤولية، وهي وفق نص المادة 22 المشار اليها " العصبة " وصفة المسؤولية  " وديعة بيد المدنية " وهذا يحدد طال الزمن أو قصر مؤقتة وأن البلاد أو الإقليم  ليس جزء من أي كيان أو هيئة تودع لديها ،  والعنصر الثالث هو الوكيل " الدولة المنتدبة " ولهذه الوكالة شروط يجب أن تراعى منها أن يكون الوكيل أو الدولة المنتدبة دولة متمدنة ولديها امكانيات  وموراد وخبرة بأمور الحكم تضعها في خدمة الاقليم المنتدبة فيه،  أما العنصر الرابع فهو ضمانات القيام بالمهمة ، وهي نوعين،  الضمانات المسبقة،  والضمانات التنفيذية، والضمانات المسبقة تشمل وجوب تقديم دستور يوضح سقف صلاحيات الدولة المنتدبة التي لا يجوز تخطيها، والأعمال الاصلاحية التي ستقوم بها الدولة المنتدبة ، بما يؤهل بقياس مستوى التقدم بالمهمة، بما يشمل تقديم تقرير إلى  لجنة الانتدابات الدائمة التي تم إنشائها لغرض متابعة عمل الدول المنتدبة،  وتقيم تقدمها في مهمتها، غير أن تلك اللجنة افتقدت لمقومات القوة اللازمة،  الأمر الذي جعل منها لجنة استشارية في أحسن الاحوال،  تُقدم تقريرها للعصبة التي تتشكل أساسا من دول الانتداب نفسها ، ما ترك لدول الانتداب اليد الطولى دون حسيب.
 على الرغم من أن دولة الانتداب لا تستطيع أن تدعي سيادتها على اقليم الانتداب ولا أن تستغله لمصلحتها خلافاً لمفهوم المستعمرات حيث يمكنها أن تستغله بشكل كامل لمصلحتها دون أن تكون مسؤولة عن ذلك أمام أي دولة أخرى أو أن يكون هناك نهاية قانونية لاستعمارها، أما في حالة الانتداب فعلى دول الانتداب أن تستخدم نفوذها وقوتها لصالح  البلدان الواقعة تحت انتدابها وفقا للدستور المحدد سلفاً ، ومن الأهمية بمكان أن نؤكد على أن رضى وقبول الشعوب الواقعة تحت الأنتداب يعتبر شرط أساس من شروط  نظام الإنتداب ، بل إن اختيار دولة الانتداب حق لتلك الشعوب وفقاً للمادة 22 المذكورة،  الأمر الذي لم يحصل في أي من الانتدابات التي فرضت على عدد من البلدان التي كانت تحت السيادة العثمانية حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى وتأسيس عصبة ألامم وابتداع الدول الاستعمارية لفكرة الانتداب .
  صك الانتداب البريطاني على فلسطين 
جاءت بنود صك الانتداب بمجملها لتخدم فكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين،  وتنفيذ وعد بلفور بتغير التكوين السكاني  فيها لصالح اليهود ، وذلك بالنص على فتح أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين وفقاً للمادة السادسة من صك الانتداب  " على إدارة فلسطين مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع فئات الأهالي الأخرى أن تسهل هجرة اليهود في أحوال ملائمة، وأن تشجع بالتعاون مع الوكالة اليهودية المشار إليها في المادة الرابعة حشد اليهود في الأراضي الأميرية والأراضي الموات غير المطلوبة للمقاصد العمومية"  وضمان حصول اليهود على الجنسية الفلسطينية .  "  تتولى إدارة فلسطين مسؤولية سن قانون للجنسية، ويجب أن يشتمل ذلك القانون على نصوص تسهل اكتساب الجنسية الفلسطينية لليهود الذين يتخذون فلسطين مقامًا دائمًا لهم. "  وانشاء المؤسسات الاقتصادية والتنموية التي تحمي وتطور مصالح اليهود في فلسطين "  يعترف بوكالة يهودية ملائمة كهيئة عمومية لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين ولتساعد وتشترك في ترقية البلاد، على أن يكون ذلك خاضعا دوما لمراقبة الإدارة."  ، وجاءت ثمانية  بنود من الثماني وعشرين بنداً  في صك الانتداب لتشير إلى  وضع أليات تنفيذ وعد بفلور بشكل مباشر ودون أي لبس بدأً من البند الثاني  " تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي وفقا لما جاء بيانه في ديباجة هذا الصك وترقية مؤسسات الحكم الذاتي، وتكون مسؤولة أيضا عن صيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بقطع النظر عن الجنس والدين. "   وبينما خدمت المواد الأخرى من صك الانتداب إنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين ضمن موضوعات ومهام الانتداب الأخرى ، لم يغفل الصك مصالح دولة الانتداب بريطانيا المباشرة العسكرية والسياسية  " ويحق للدولة المنتدبة في كل وقت أن تستخدم طرق فلسطين وسككها الحديدية ومرافئها لحركات القوات المسلحة ونقل الوقود والمهمات."  ، كما وخدم الصك مصالح الدول الحليفة لبريطانيا الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية ،  "  يجب على الدولة المنتدبة أن تضمن عدم التمييز في فلسطين بين رعايا أي دولة من الدول الداخلة في عصبة الأمم ، ومن جملة ذلك الشركات المؤلفة بحسب قوانين تلك الدولة،  ورعايا الدولة المنتدبة أو رعايا أي دولة أجنبية أخرى في الأمور المتعلقة بالضرائب أو التجارة أو الملاحة أو تعاطي البضائع أو المهن أو في معاملة السفن التجارية أو الطائرات المدنية. وكذلك يجب ألا يكون هناك تمييز في فلسطين ضد البضائع التي يكون أصلها من بلاد من بلدان الدول المذكورة أو تكون مرسلة إليها، وتطلق حرية مرور البضائع بطريق التوسط (الترانزيت) عبر البلاد المشمولة بالانتداب بشروط عادلة " .  ويمكننا أن نقول دون أدنى شك أن صك الانتداب ضمن بشكل كامل انشاء الدولة الصهيونية في فلسطين كما ضمن مصالح بريطانيا وحلفائها في المنطقة . 
وعلى الرغم من ذلك فقد تباينت موقف أطراف الصراع قبل وبعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى  من مسألة الانتداب،  فقد كان الموقف الأمريكي  بشكل عام وقبل رفض الكونغرس الامريكي انضمامها لعصبة الأمم يتلخص بما يلي  : 
1- أن يكون لأمريكا رأي في أي منطقة من ممتلكات المانيا سابقاً 
2- أن تأخذ نفس الفرص التجارية في مناطق الانتداب التي تتمتع بها دول الحلفاء
3- اقترحت أن تبقى الإمتيازات لنفس الحكومات النافذة في سوريا لبنان فلسطين 
4- أن لا يعدل أي انتداب دون موافقة امريكا 
ومع ذلك انحسر تأييد صك الانتداب بأطراف مؤتمر الصلح ومعاهدة فرساي ، ولم فلم يحظى على موافقة عدد كبير من دول العالم بما فيها دول عظمى ذات وزن دولي كبير في حينه، فلم يحظى صك الانتداب على موافقة الولايات المتحدة الإمريكية التي كان من المفترض أن تكون خامس الأعضاء الدائمين في عصبة الأمم، غير أنّ مجلس الشيوخ الأمريكي  كما أشرنا صوّت في 19 مارس 1920 على قرار ضد التصديق على معاهدة فرساي، ومن ثم منع مشاركة الولايات المتحدة في العصبة .
كما أن دول المركز بما فيها المانيا والنمسا والمجر وبلغاريا،  لم تكن طرفاً في معاهدة فرساى، ولم تكن معنية بصك الانتداب وأخرجت الثورة البلشيفية روسيا من التحالف الاستعماري وفي كل ما يتعلق بمؤامرة اقتسام الاقاليم التي كانت تحت السيادة العثنمانية بما في ذلك منح اسطنبول لروسيا وفقأ لاتفاق سايكس بيكو، وانتصرت تركيا على ضعفها بعد معركة أزمير وصعود القوميين الاتراك إلى السلطة وإلغائهم للبنود المجحفه بحقهم في معاهدة سيفر وتغيرها بمعاهدة لوزان  كما سنوصح لاحقاً، مما أفقد صك الانتداب قيمة الاعتراف الدولي التي يحتاجها لتأكيد قيمته القانونية .  
الاحتلال البريطاني وتنفيذ صك الانتداب 
جاء تنفيذ  صك الانتداب إثر احتلال القوات البريطانية لفلسطين، ما يعني أن عملية الانتداب تمت بشكل قهري وضد إرادة وقبول الشعب الفلسطيني  قبيل مؤتمر الصلح وخلافاً لمقرراته لاحقاً ولميثاق عصبة الأمم وللمادة 22 نفسها التي أقرت عملية الإنتداب على فلسطين، فقد دخلت القوات البريطانية فلسطين بقيادة  الجنرال اللنبي في 9121917 وخضعت فلسطين لحكم عسكري بريطاني ريثما يقرر مصيرها في مؤتمر الصلح،  الذ طالبه الامير فيصل باستقلال الوطن العربي بما فيه القدس،  بينما طالب وايزمن بانشاء وطن قومي  لليهود في فلسطين،  فاقترح الرئيس الأمريكي ويلسون إرسال لجنة تحقيق لمعرفة رأي السكان في نوعية الحكم الذي يرغبون فيه  الأمر الذي لو تم لاطاح بكل المؤامرة الصهيونية البريطانية ، أكثر من 92% من سكان فلسطين كانوا عرباً فلسطينين، ولكن انسحاب الولايات المتحدة من مؤتمر الصلح فسح المجال لبريطانيا وفرنسا لتجاهل رغبة  الرئيس الامريكي وعقد مؤتمر سان ريمو في 2541920  الذي قرر فرض الانتداب البريطاني على فلسطين .
رفض العرب فرض نظام الانتداب، خاصةً وأن صك الانتداب تضمن تنفيذ وعد بلفور وتعهد حكومه الانتداب باقامه الوطن القومي اليهودي، فاعتبر الصك منحازا لصالح اليهود، وزاد في قناعة العرب والفلسطينين برفض الصك تعين بريطانيا أول مندوب سامي حاكماً على فلسطين من أصل يهودي وهو هربرت صموئيل،  وقد تجلت معارضه العرب الفلسطينين لنظام الانتداب ولوعد بلفور بعدم التعاون مع السلطات البريطانيه وبتنظيم مظاهرات مقاومة ضد اليهود والسلطات البريطانيه.
القيمة القانونية لصك الإنتداب وأثره في موضوعة السيادة
يستند الانتداب البريطاني على فلسطين من الناحية القانونية إلى المادة 22 من ميثاق أو عهد عصبة الأمم الذي نص على  " إن المستعمرات والأقاليم التي لم تعد بعد الحرب تحت سيادة الدول التي كانت تحكمها من قبل والتي تسكنها شعوب غير قادرة على أن توجه نفسها بنفسها ولا سيما في ظروف مدنية العالم الحديث القاسية. إن رفاهية وتقدم هذه الشعوب يعتبران أمانة مقدسة في عنق المدنية، ويجب أن يحوي العهد الحالي ضمانات للوفاء بهذه الأمانة، إن الطريقة الفضلى لتحقيق هذا المبدأ هي أن يعهد بالوصاية على هذه الشعوب إلى أمم راقية تمنكها مواردها وتجاربها ومركزها الجغرافي من تحمل تلك المسؤولية وتقبل تحملها فوراً. وإنها تمارس تلك الوصاية منتدبة باسم العصبة.
وقد اشترطت المادة 22 نفسها حق اختيار الشعب لدولة الانتداب،  " إن رغبات هذه الشعوب  يجب  أن تكون الأعتبار الرئيسي في اختيار الدولة المنتدبة " 
 الأمر الذي تم في حالة فلسطين  دون موافقة أو اختيار الشعب الفلسطيني،  وهكذا كان في حلات الإنتداب الأخرى،  ونصت الفقرة الرابعة من المادة 22 على أن الجماعات  " التي كانت تتبع الدولة العثمانية فيما مضى ، قد وصلت في تقدمها إلى مرحلة تؤهلها أن تكون أمماً مستقلة " وهذا ينطبق على الفلسطينين بنص الفقرة نفسها، التي  مهمة الدولة المنتدبة في تقديم النصح والمعونة فحسب، واعتبر الانتداب في هذه الحالة من الدرجة  " أ " ،  ولما كانت الفقرة الأولى تنص على أن الدولة المنتدبة تستمر في تقديم النصح والمعونة  " حتى يأتي الوقت الذي تستطيع فيه الجماعات التي كانت تتبع الدولة العثمانية أن تعتمد على نفسها " ، ما يعني أن الانتداب هو حالة تفويض دولي مؤقت له بداية وله نهاية ، وهي غير متعلقة بالسيادة ، التي لم تنقل إلى دولة الانتداب،  وقد حسم هذا النقاش النظري الذي ثار مع بدابات ظهور فكرة الانتداب الغريبة عن العلاقات الدولية، في العام 1929  عندما أعلمت بريطانيا العراق أنها سوف تمنحه الاستقلال عام 1932 ، ووقعت المعاهدة الجديدة في 30 حزيران 1930، عندها انتهى الجدل حول مسألة مدة الانتداب كتجربة غير مسبوقة في العلاقات المعاهدات الدولية،  وهذا بالضرورة أنهى الجدل حول موضوعة الانتداب والسيادة والنظريات المختلفة التي تعاملت معها، وأقر بإن السيادة على أقاليم الانتداب لم تنقل إلى الدول الكبرى أو إلى عصبة الأمم أو إلى الدولة المنتدبة،  بل ظلت ملكاً لشعب الإقليم الخاضع  للانتداب صاحب السيادة أصلاً ،  دون أي اعتبار لما جاء في المادة 22 الفقرة الثالثة "إنها تمارس تلك الوصاية منتدبة باسم العصبة".

 الجزء الثاني يلحق
Developed by