Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

في رد البغي نصر

 " وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ"
صدق الله العظيم

لا لإلغاء الاتفاق مع إيران الآن .. كما يكتب عاموس يدلين وافنر غولوب

نشر بتاريخ: 2017-10-13
 


ليس هذا هو الوقت لإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، بل لخلق الظروف الاستراتيجية المناسبة لإلغائه في المستقبل، اذا ما تقرر بانه توجد حاجة إلى ذلك، وبناء روافع لبدائل مستقبلي افضل. شرط ضروري لذلك هو خلق الظروف الدولية للضغط على إيران كي تقبل القيود المقترحة أو الاعمال الوقائية التي توقف إيران اذا ما قررت الاندفاع نحو السلاح النووي. اما تأجيل القرار بشأن مستقبل "اتفاق فيينا"، فلا يعني سياسة سلبية تجاه إيران. فإلى جانب الجهود لتشكيل ائتلاف دولي حيال إيران يجب العمل ضد كل الأعمال الإيرانية السلبي التي لا يغطيها الاتفاق والعمل على "اتفاق مواز" يرتب الاستراتيجية العامة حيال جملة من التهديدات من إيران.

حتى 15 تشرين الأول (اكتوبر) الحالي، سيكون الرئيس دونالد ترامب مطالبا بأن يجيب على سؤالين مركزيين بالنسبة للاتفاق النووي الذي وقع بين إيران والقوى العظمى في تموز 2015: هل إيران تستوفي التزاماتها في الاتفاق؟ وهل الاتفاق يخدم المصلحة الأميركية؟ إذا اجاب الرئيس بالسلب على أحد السؤالين، فانه سيحرك نقاشا في الكونغرس الأميركي عن استئناف جزء أو كل العقوبات ضد إيران والشركات التي تتاجر معها. ومؤخرا صرح وزير الدفاع الأميركي جيمز ماتس بان الحفاظ على الاتفاق هو مصلحة أميركية. وأكد رئيس الاركان جيمز دانفورد بان إيران لا تخرق الاتفاق. ولكن الرئيس يعود ويعلن بان هذا اتفاق سيئ وان في نيته الغاؤه، أو على الاقل فتحه من جديد للمفاوضات مع إيران. رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو هو الاخر دعا إلى إلغاء الاتفاق أو اصلاحه.

الاتفاق النووي مع إيران اشكالي بالفعل وينطوي على خطر استراتيجي لإسرائيل على المدى البعيد. ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد بان إلغاء الاتفاق لا ينطوي على مخاطر استراتيجية. والزعامة المسؤولة ملزمة بفحص السيناريوهات المعقولة والواقعية التي يمكن أن تنشأ في اعقاب إلغاء الاتفاق وتقديرها بالنسبة لوضع ابقاء الاتفاق على حاله. وعلى التحليل أن يركز على ثلاثة اسئلة: هل يوجد بديل افضل للاتفاق؟ إذا كان الجواب ايجابيا – فكيف يمكن التوجه إلى إلغاء الاتفاق أو إلى اصلاحه على الاقل، وما هو الوقت المناسب لذلك. استنتاج التحليل هو أن هذا ليس الوقت لإلغاء الاتفاق بل لخلق ظروف استراتيجية مناسبة لإلغائه في المستقبل، إذا ما تقرر بانه توجد حاجة إلى ذلك، وبناء روافع لبديل مستقبلي افضل.

في معهد بحوث الأمن القومي وصف "الاتفاق الجيد" بانه اتفاق يعد أفضل من البدائل المركزية – قنبلة إيرانية أو القصف لإيران. لهذين البديلين ثمن باهظ للغاية وعليه فيجب الامتناع عن معضلة "القنبلة أم القصف" حتى استنفاد كل البدائل الاخرى لوقف إيران عن انتاج قنبلة نووية. أولئك الذين يؤيدون اتفاق فيينا يدعون بانه افضل من باقي البدائل إذ أنه يرجع البرنامج النووي الإيراني إلى الوراء إلى "زمن انطلاق" من سنة (الزمن اللازم لانتاج مادة مشعة لانتاج السلاح النووي) ويخضع البرنامج لقيود متشددة على مدى نحو 10 – 15 سنة.

في المقابل فإن منتقدي الاتفاق يدعون بان عمليا يشق هذا الطريق لإيران لتثبيت نفسها على الحافة النووية على "مسافة صفر" من القنبلة. في العقد الثاني منذ التوقيع على الاتفاق، سيسمح لإيران بتجاوز الحافة النووية، دون أن يكون ممكنا وقفها. وحسب هذا المنطق يؤدي الاتفاق إلى خيار القنبلة النووية الإيرانية. حالة كوريا الشمالية، التي وقعت قبل عشرين سنة على اتفاقات مشابهة وهي اليوم مسلحة بسلاح نووي، تعزز هذه الحجة. معارضو الاتفاق يشيرون أيضا إلى علاوة المقدرات التي توجد تحت تصرف إيران في أعقاب رفع العقوبات وتسمح لها ببناء قوة عسكرية تقليدية، مع التشديد على الصواريخ الباليستية، الدفاع الجوي المتطور وكذا تمويل أعمال تآمرية ومثيرة للاستقرار في الشرق الاوسط – والتي لا يتناولها الاتفاق.

الطرفان، مؤيدو الاتفاق ومنتقدوه – يعرضون تحليلا صحيحا ولكنه جزئي لنتائجه. في المدى القريب (5 – 8 سنوات قادمة)، يخلق الاتفاق واقعا استراتيجيا أفضل من بدائل "قنبلة أم قصف". بعد ذلك، سيسمح الاتفاق بالتدريج بنشوء واقع أخطر، تتثبت فيه إيران على الحافة النووية. هذا الواقع سيكون الحال فيه صعبت جدا، وربما متعذرا، وقف إيران اذا قررت انتاج سلاح نووي. في ضوء ذلك فان الزمن الصحيح لفحص إلغاء الاتفاق أو فتحه ليس اليوم، بل قبل قليل من رفع القيود عن البرنامج النووي الإيراني (اعوام 2023 – 2025). وقبل ذلك، فان الاتفاق يكون افضل من البدائل الاخرى، طالما كانت إيران لا تخرقه.

في هذه الفترة يجب التركيز على رقابة شاملة وعميقة على البرنامج النووي الإيراني. يجب الحرص على الا تكون إيران قريبة اكثر من سنة عن القدرة لانتاج سلاح نووي، ومنع عملها الذي يعرض للخطر المصالح الأميركية والإسرائيلية ولا تغطى في اطار الاتفاق النووي: وقف برنامج الصواريخ والمس بالمساعدة الإيرانية لمنظمات الارهاب والتآمر في المنطقة. وبعد ذلك، بالتدريج، يفقد الاتفاق مزاياه على البدائل الاخرى. لا ينبغي الوصول إلى هذا الوضع بلا اعداد، وعند الحاجة سيكون مطلوبا أيضا تغيير الاتفاق او الغاؤه.

يبدو أن الرئيس ترامب يقدر بانه يوجد بديل افضل للاتفاق حتى في المدى الزمني القصير. في الايام الاخيرة نشر أنه لا يعتزم الانسحاب من الاتفاق ولكن الا يصادق أيضا للمرة الثالثة بان إيران تلتزم به أو ان الاتفاق يخدم المصالح الأميركية. ويعتزم الرئيس على ما يبدو الاعلان عن أن إيران تخرق الاتفاق ويفتح في الكونغرس النقاش على اعادة العقوبات. يمكن للكونغرس ان يقرر في غضون ستين يوما اعادة العقوبات، وعمليا "يقتل الاتفاق". خيار آخر هو أن يقرر في هذه الاثناء عدم اعادة العقوبات ومواصلة البحث وهكذا الابقاء على اطار الاتفاق وعلى "العصا" المتمثلة بالإعادة الفورية للعقوبات.

وسيخدم هذا البديل المحاولة الأميركية للضغط على إيران للموافقة على تعديل الاتفاق، بحيث تعالج نقاط الضغط فيه: استمرار جهود البحث والتطوير الإيرانية، التي تحسن قدرات تخصيب اليورانيوم وتقصر زمن الانطلاق نحو القنبلة؛ الرقابة غير الوثيقة على المواقع العسكرية الإيرانية – المعلنة وغير المعلنة؛ وكذا التواصل المحدود لتجميد البرنامج النووي. نظرا، يدور الحديث عن بديل يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية، ولكن ستكون حاجة إلى انتاج ضغط غير مسبوق على إيران كي توافق على كل هذه التعديلات في الاتفاق.

لم توافق إيران على هذه التعديلات، في إطار المفاوضات معها في زمن ادارة اوباما. من الصعب أن نرى كيف سيكون ممكنا خلق ضغط كهذا اليوم، حين تكون كل القوى العظمى، باستثناء الولايات المتحدة لا تقبل الادعاء بان إيران لا تعمل وفقا للاتفاق أو "بروحه". وقبل أن يتبلور ائتلاف مصمم برئاسة الولايات المتحدة يضم الشركاء الاوروبيين للاتفاق – بريطانيا، فرنسا وألمانيا – فان الروافع التي سيكون ممكنا ممارستها على إيران ستكون اضعف من تلك التي استخدمت في المفاوضات في 2012 إلى 2015. ولضمان ضغط ناجع على إيران، على هذا الائتلاف ان يعمل بالتنسيق مع دول اخرى، تقيم تجارة واسعة النطاق مع إيران (بينها الهند، تركيا وكوريا الجنوبية).

يوجد أيضا خطر الا يتمكن الرئيس في أن يتحكم على مدى الزمن في مجلسي النواب والشيوخ، حيث توجد اليوم اغلبية جمهورية تعارض الاتفاق. ومن شأن إلغاء الاتفاق او فتحه بشكل أو في وقت غير مناسبين ان يؤدي إلى واقع تتحرر فيه إيران من قيود الاتفاق ويكون طريقها عندها نحو القنبلة مفتوحا، بينما واشنطن معزولة وعديمة الشرعية للعمل على وقفها. هذا الواقع خطير إذ انه سيفاقم معضلة "القنبلة – القصف".

إن تعديل الاتفاق هو بديل يجب السعي اليه في المدى الزمني المتوسط – البعيد، ولكن فقط بعد خلق الظروف الدولية للضغط على إيران كي تقبل القيود المطروحة. يجب أن نضمن بان يكون ممكنا العمل ضد إيران اذا ما قررت الانسحاب من الاتفاق، أو كبديل، التوجه نحو القنبلة النووية. لهذا الغرض على الولايات المتحدة ان تطلق منذ اليوم معركة دبلوماسية دولية لخلق ائتلاف لتحسين الاتفاق مع حلفائها فيأ وفي آسيا. يجب أن تتبلور تفاهمات حول التعديلات اللازمة في الاتفاق والاشارة إلى استراتيجية متفق عليها للعمل، إذا لم تستجب إيران لطلب تعديل الاتفاق.

في المدى الزمني القصير الذي يشكل فيه الاتفاق البديل الواقعي الافضل، وبالتأكيد طالما لم يتبلور بعد الائتلاف لتغيير الاتفاق، على الادارة الأميركية أن توجه سياستها بحيث أن إلغاء الاتفاق سيكون نتيجة قرار إيراني او خروقات إيرانية فظة. في المدى الزمني البعيد، عندما يفقد الاتفاق فضائله المركزية، على واشنطن أن تقود نحو تغيير الاتفاق، وفي حالة الا يتحقق التغيير، ان تنسحب منه. فقدرة الولايات المتحدة في المستقبل على قيادة ائتلاف للعمل ضد إيران ستكون حرجة من اجل منع السلاح النووي عن إيران.

ان تأجيل القرار بشأن مستقبل "اتفاق فيينا" لا يعني سياسة سلبية تجاه إيران. فإلى جانب الجهود لتشكيل ائتلاف دولي حيال إيران يجب العمل ضد كل النشاطات الإيرانية السلبية التي لا يغطيها الاتفاق. والادعاءات التي طرحها رئيس الوزراء نتنياهو ضد الاتفاق قوية ولكن لا تندرج أي منها رسميا في الاتفاق. من المهم والممكن العمل حيال إيران في كل هذه المجالات، بالذات لأنها ليست في اطار الاتفاق.

وبالتوازي على الولايات المتحدة وإسرائيل أن تعمل على "اتفاق مواز" يحدد أي اعمال إيرانية ستعتبر خرقا فظا للاتفاق وبلورة اجماع حول الاعمال اللازمة للرد على هذه الخروقات. وعلى هذا الاتفاق الموازي ان يتناول تنسيق الجهد الاستخباري حيال البرنامج النووي الإيراني، السياسة الإسرائيلية والأميركية التي ستتخذ في حالة محاولة إيرانية، سرية أم علنية، انتاج سلاح نووي، ووضع خطة لبناء قدرات إسرائيلية مستقلة لمواجهة هذا السيناريو. وفي الختام، على الاتفاق أن يتضمن سياسة مشتركة ضد التهديد الإيراني غير النووي على إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الاوسط.

في المدى البعيد حيال إيران، فإن تعديل الاتفاق وتمديد الفترة التي يعتبر فيها البديل الافضل، يجب أن يكون الهدف الإسرائيلي – الأميركي. ولتحقيق هذا الهدف ولمواجهة التهديدات الكامنة فيه هناك حاجة لمعركة دبلوماسية مسبقة وتنسيق إسرائيلي – أميركي وثيق. في إسرائيل توجد رغبة في استغلال تصميم الرئيس الأميركي على العمل لتغيير الاتفاق أو عند الحاجة لإلغائه. ومع ذلك، من المهم أن نتذكر بان خطوة متسرعة قبل خلق الظروف الدولية المناسبة ستضع الدولتين أمام تهديدات خطير حتى أكثر من تلك النابعة اليوم من الاتفاق وتعرض للخطر إمكانية تحقيق هدفهما المشترك – الا وهو منع السلاح النووي عن إيران. 
Developed by