Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

في رد البغي نصر

 " وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ"
صدق الله العظيم

العدالة والمثالية الأخلاقية

نشر بتاريخ: 2017-10-13
 

على رغم مرور أكثر من ألفي عام على حديث أفلاطون عن العدالة فإن النظرية السياسية لم تحسم الأمر حول تحديد مفهوم نهائي لها، يتمتع بالثبات والرسوخ، وليس هناك اتفاق واضح بين البشر حول ما هو عدل وما هو ظلم، ولكنّ هناك اتفاقاً عاماً على أن العدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه بغض النظر عن مدى توازن المصالح.

وتربط الشريعة الإسلامية بين العدل والاعتدال أو الوسطية، وتذهب إلى بناء رؤية شاملة للعدالة تتناول جوانبها السياسية والقانونية والاجتماعية، فهي عدل الولاة في الرعية، وعدل القضاة بين المتحاكمين، وعدل الإنسان في أهل بيته، ولذا يستوي في وجوب العدل أن يكون تجاه الغير، أو حيال النفس، وأن يكون واجباً تجاه العدو كما هو واجب تجاه الولي. وهو فريضة وضرورة في القانون وأمامه، وفي الشؤون الأدبية والمعنوية، وفي أمور المال والثروة والاقتصاد والمعيش. ولكن الممارسة انحرفت عن هذا أحياناً في بعض الحالات في تاريخ المسلمين.




وفي الفكر الأوروبي الحديث يتمحور مفهوم العدالة حول القانون والحق. ويربط «جون ستيورات ميل» العدالة بالمنفعة، ويرى أن العدالة كغيرها من الصفات الأخلاقية الأخرى يتم التعرف عليها بشكل أفضل حين نقارنها بضدها، أي بالظلم، ويؤكد أن من الظلم حرمان المرء من حريته الشخصية، أو ملكيته الخاصة، وكذلك حرمانه من أي شيء آخر ينتمي إليه بحكم القانون، شريطة أن يكون هذا القانون عادلاً، أي لا يحقق مصلحة فئة بعينها. ويعتبر «ميل» أن صفة العدل تلحق بأي فعل عندما يحصل الفرد على ما يستحقه من خير أو شر، وأن التحيز، أو المحاباة في أمور لا يجوز فيها ذلك، تعد مسألة منافية للعدل.
وعلى وجه العموم، قسم المفكرون، من الناحية النظرية، العدالة إلى نوعين، الأول هو: العدالة التبادلية، التي تقوم على المساواة المطلقة، بشكلها الرياضي البحت. والثاني هو: العدالة التوزيعية، التي تقوم على مبدأ الاستحقاق، أي أن يحصل كل فرد على ما يستحقه وفق إمكاناته واستعداداته وظروفه. أما من الناحية التطبيقية فإن العدالة أخذت عدة أوجه في مقدمتها، العدل القانوني، الذي يدور حول نزاهة القضاء، والعدل الاجتماعي، الذي يتماس مع المساواة في مبدأ تكافؤ الفرص، ويمتد إلى منع التظالم البشري، الذي يحول دون وجود توازن اجتماعي، أو توفير احتياجات الإنسان الضرورية، من غذاء وإيواء ودواء.. الخ، وحق الإنسان في التأمين ضد مختلف الأخطار التي تهدد حياته، وضد العجز والشيخوخة والبطالة، أي حقه في العيش الكريم اللائق بإنسانيته.

ويمكن في هذا المقام التحدث عن العدل السياسي، الذي من اللازم أن يكون بالنسبة للسلطة ترتيباً تاريخياً اجتماعياً، يعترف لكل ذي حق بحقه، ويتيح له أن يتمتع به، وأن يقوم بالواجب المصاحب له، أي أنه يقوم على نزاهة العقد الاجتماعي بين الحكام والمحكومين، والذي يفرض وضع المسؤولين في خدمة الشعب، وخضوع الجميع لسلطة القانون، شريطة أن يكون هذا القانون معبراً عن مصلحة المجتمع الحقيقية، وليس مفصلاً حسب مقاس طبقة أو فئة اجتماعية معينة، كما هو الحال في العديد من القوانين، التي تنظم الحياة الاجتماعية، خاصة المتعلقة بالسلطة، في الكثير من دول العالم الثالث.

ولم تقتصر المناداة بأن يسود العدل الحياة الاجتماعية والسياسية على حالات السلم فقط، بل امتدت إلى ضرورة أن يكون هناك عدل في ساحات الحرب، الأمر الذي تجسد في مفهوم «الحرب العادلة»، التي تنبع من «القانون الدولي الإنساني»، الهادف إلى حماية المتضررين من النزاعات المسلحة. ومفهوم الحرب العادلة تعود جذوره إلى القديس أغسطين، ويعود الفضل في تطويره إلى القديس توما الإكويني، وهما كانا يريدان للتسامح الذي رسخه المسيح عليه السلام أن يمتد إلى ساحات المعارك، ولكن الحروب الصليبية أثبتت أن هذه الآراء النبيلة لم تلق طريقاً إلى التطبيق.

على وجه العموم فإن للعدالة صوراً متعددة منها الأخلاقي الذي ينبع من القواعد المثالية، ومنها القانوني الذي يقوم على احترام القانون القائم وتطبيقه على الناس كافة دون استثناء، ومنها الإداري الذي يدور حول ضرورة المشاركة في اتخاذ القرار، ومنها الجنائي الذي يعني وجود ضمانات تكفل للمتهم محاكمة عادلة، ومنها السياسي، الذي قد يبرر أحياناً التغيير في القواعد والنظم من أجل تحقيق غايات وأهداف اجتماعية عامة، ولكن يشترط أن يكون هذا التغيير لصالح المجتمع برمته، وليس لصالح فئة بعينها، دون غيرها.

د. عمار علي حسن
Developed by