Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

وقاحة بريطانية

 بريطانيا عايبة ووقحة 
بدها تحتفل بجريمة وعد بلفور 
دون ادنى مراعاة لمشاعر الشعب الفلسطيني 
وهي المسؤول عن نكباته المتوالية.!
د.عبدالرحيم جاموس

لا ثقافة فولتير ولا عرب ابن رشد

فولتير
نشر بتاريخ: 2017-10-12


كانت طائرة البوينغ تحلّق به على ارتفاع ثلاثين ألف قدم، وبسرعة 900 كيلومتر في الساعة، حين أدرك آدم السجلماسي أن الوضع الذي هو فيه ليس هو الوضع البشري الطبيعي. تساءل، وهو محشور داخل المقعد A9، كيف يمكن أن ينوجد في سرعة هي أسرع من وتيرة تكلّمه، ومن التعبير عن أفكاره. ومع تدرّجه في التفكير حول ما هو فيه، شعر كم هي عميقة تلك الهوة التي تفصله عن أبيه، ثم عن جدّه عبد المعطي الذي كان يتنقّل مستعينا ببغلته.
تلك لم تكن رحلة طيرانه الوحيدة، فهو دائم السفر بين البلدان، بتكليف من شركة «تدلا للقار» التي حقّق نجاحا فيها. لا بد أنه كان من نخبة جيله، فقد أتيح له أن يكون واحدا من طلاب مدرسة ليوتي الفرنسية، المعروفة في مدينة الدار البيضاء كلها. ثم أنه حصّل ثقافة فرنسية هي أكثر اتساعا مما تتطلّبه المدرسة من طلابها. فولتير ورامبو وروسو وديدرو حاضرون في ذهنه على الدوام ليصيغوا، أو ليصيغ واحد منهم، الفكرة التي عبرت في رأسه للتو. وكان سعيدا بما يعرفه، لكن كان ذلك قبل تلك الانتباهة الصاعقة التي أتته وهو في الطائرة. فجأة راح يصيغ كلامه الخاص، مبتعدا عن الكتاب الفرنسيين، قائلا بينه وبين نفسه: «هناك شبكة من التعابير والكلمات الفرنسية تقف بيني وبين العالم».
وسريعا ما بدأ بالتخلّي عما أوصلته إليه تلك الحضارة. لم يشأ أن يستقل سيارة تذهب به من المطار إلى الدار البيضاء، رغم طول المسافة. آثر أن يسيرعلى قدميه، جارا حقيبته المدولبة ومرتديا زيّه الرسمي وربطة عنقه. وعلى الطريق كانت تقف السيارات لتقلّه، لكنه لا يبالي، فينتهي سائقوها إلى نعته بالمجنون، وربما يؤدّون بأيديهم حركات السباب والشتم. وإذ أيقن أن لا مجال لقطعه المسافة هكذا مشيا، أوقف عربة يجرها حصان وجعل يفاوض سائقها كي ينقله معه، هناك في مؤخّرة العربة.
كانت تلك أوّل خطوات تنفيذه الراديكالي للانتقام من الحضارة التي أمعنت في القضاء على فطرته. وهو استمرّ في ثورته. قال لزوجته التي ربما كانت من ضحايا هذه الحضارة، أو من فطرياتها، أنه قرّر أن يترك عمله في الشركة. وإذ رفضت، ثم حاولت إقناعه، ثم هدّدته بالتخلي عنه، قام هو بخطوة أدت إلى انفصالهما التام، وهي استئجاره شقة متواضعة في حيّ شعبي مزدحم بالسكان، ثم أعقب ذلك بأن قام بخطوة ثورية أخرى حاسمة: الذهاب إلى قرية أزمور مسقط رأس أبيه وجدّه، ليعيش هناك، بلا عمل، في إحدى غرف بيت العائلة الكبير الناجي نصفه من الاندثار.
هناك، في إحدى غرف ذلك البيت، كان ينبغي نسيان فولتير. وفي الأيام الأولى من إقامته عثر، بين أثاثه الباقي، على صندوق قديم مليء بكتب بدأ بقراءتها. أول تلك الكتب كان كتاب ابن طفيل «حيّ بن يقظان»، ثم «رسالة النفيس» لابن رشد («يا له من كنز»، ففي تساؤل هذا المفكّر إن كانت دراسة الفلسفة والعلوم مسموحا بها من قبل الشريعة المنزلة، أم هي محرّمة، يجيب أن من الواجب دراسة الفلسفة واستخدام العقل لفهم العالم) ثم تعرّف، بعد ابن رشد، على إيمان الغزالي… إلخ، وعلى مفكرين إسلاميين آخرين. لكن، بالتلازم مع عظمة الفكر الباقي من ذلك التاريخ، كانت هناك القرية (أزمور) وبشرها. بوعزّة، المحتال الذي يُخرج الدلو فارغا من البئر الفارغ لكي يبيعه مقدّسا مصلّى عليه لمؤمني القرية، البصري وهو شرطيّ القرية المريب، عبد المولى ابن العم الذي يتذكّره آدم السجلماسي من أيام الطفولة وقد أتى ليعيده إلى صواب متمثّل بقلب الإسلام عما قد قرأه في كتب مفكّريه. ثم ياسين الأصولي الذي يُعدّ هؤلاء جميعا إلى إسقاطه في الانتخابات البلدية، طالبين من آدم أن يعاونهم في ذلك، كونه الرجل الباقي من سلالة السجلماسي التي تحظى ببعض القداسة. 
تنهي رواية فؤاد العروي صفحاتها الأخيرة بتسريع الأحداث وصناعتها على عجل. لا يلبث بطله أن يجد نفسع عالقا بين تخلّف الأصوليين وبؤسهم ومكر رجال الدولة ومكائدهم. هؤلاء وأولئك جمعتهم الرواية في فصلها ما قبل الأخير، متجمهرين في تيارين عريضين، هؤلاء ضدّ أولئك، ويختار كاتب الرواية لبطله أن يسير بينهما في الوسط، قاطعا وحده الطريق الخالية بينهما، شأن موسى حين شقّ طريقه. وهؤلاء، الذين هنا والذين هناك، انتهوا في خطّ سيرهم المنقسم إلى أن بدأوا الاقتتال متكوّمين على آدم الذي كان في وسطهما، لسبب غير مفهوم إلا إعجاب الروائي بهذا المشهد. ثم، في مشهد آخر رمزي من النوع العادي، ينهال الطرفان على بطلنا بالضرب قبل أن يباشرا قتال بعضهم بعضا، فيتشوّه وينقل إلى المستشفى غائبا عن الوعي. ثم، عند نهاية مرضه، يقرّر الانعزال عن أزمور، كما سبق له أن اعتزل الدار البيضاء، ليكون لا هنا ولا هناك، لا في فطرته ولا في الحضارة التي نقلته ثقافته إليها، لا مع نخبة قومه ولا مع عامتّه، بل في العدم.هي نهاية سريعة، بل متسرّعة، بل ساذجة لرواية سعت إلى مماشاة تيار السجال بين التراث والحداثة، على الرغم من فصولها الأولى التي بدت مؤسّسة لأزمة فكرية يعانيها بطلها. رواية راهنة، محمّلة، عن قصد، بالأزمات الأكثر بروزا في مجتمعات المغرب وسواها من البلدان التي يمكن أن يكون آدم السجلماسي مواطنا في أيّ منها. لهذا ربما، على الرغم من تفاصيل حياته الكثيرة، لم تنقل حكايته معاناة فكرية أو فردية تقنعنا بجدّتها، أو بحقيقيتها. ربما هي هكذا الروايات التي تُكتب، آملة أن تحقّق السبق، عن آخر ما توصّلت إليه المجتمعات من أزمات.
رواية فؤاد العروي «العودة إلى كازابلانكا» كانت قد حازت جائزة جان جيونو عام 2014، نقلتها إلى العربية (عن الفرنسية) لينا بدر وصدرت عن دار الساقي. عدد صفحاتها 302.

حسن داوود

٭ روائي لبناني
Developed by