Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

في رد البغي نصر

 " وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ"
صدق الله العظيم

الرواية تخاتل الموت .. كما تكتب لطفية الدليمي

نشر بتاريخ: 2017-10-11
 

تختصّ الرواية بقدرتها الهائلة على صهر الألوان المعرفية في أتونها وتوظيفها توظيفا خلاقا؛ غير أن الميزة الأساسية التي تميّز الرواية عن كل الألوان المعرفية لا تكمن في سعيها نحو توسيع آفاق خارطة الفهم والمعرفة البشرية فحسب، بل في تأكيد مسعاها الخلاصي: التبشير برؤية وجودية خلاصية للإنسان موازية للوعد الخلاصي الأخروي الذي تبشّر به النظم اللاهوتية.

ويحضرني هنا كيف جادل الناقد الأدبي المرموق فرانك كيرمود في أحد مؤلفاته في أن الروايات في كافة أشكالها ما هي إلا وسائل مختلفة لمقاربة حقيقة الموت التي ستختبرها كل الكائنات البشرية: الحركة المتواترة للروايات نحو الخواتيم واجتلاء المعنى في النصوص الروائية ما هي إلا نماذج تقارب حيواتنا البشرية التي تتحرك حثيثا نحو الخاتمة – الموت وتسعى خلال حركتها تلك إلى تخليق وسائل لخلع معنى ما على ذواتنا في حياتنا.

وهذا بالضبط هو أحد الأسباب التي جعلت الرواية، باعتبارها نوعا أدبيا، تجد مشقة بالغة في علاقتها مع الدين أو أي شكل آخر من أشكال المفارقة البشرية التي تخلع معنى على الحياة البشرية.

نشأ الفن الروائي كشكل دنيوي في سياق التوجّه المتعاظم نحو العلمنة الطاغية التي سادت الغرب، ولطالما كان هذا الفن واعيا بطبيعة تخليق المعنى وخلعه على الحياة البشرية، ويحصل هذا الأمر من خلال الميكانيزمات السردية التي يروم من خلالها الروائي جعل القرّاء أكثر معرفة ووعيا بكافة الوسائل التي غالبا ما تكون موغلة في القدم والتي يمكن من خلالها تخليق أشكال متباينة لمعنى الحياة البشرية.

الموضوعتان اللتان أريد إلقاء ضوء عليهما هنا تتعاملان كلتاهما مع هذه الثيمة: التأثير الذي تلعبه الوسائل الترانسندنتالية (المفارقة والمجاوزة للخبرة البشرية اليومية في أشكالها العادية) في جعل الموت، والحياة كذلك، موضوعة مختبرة ومحسوسة في عصر تواجه فيه الحياة البشرية خطر تحولّها إلى موضوع هامشي تافه مفتقد لأي معنى.

وتسعى كل رواية، مهما كان موضوعها، إلى تناول جانب من الجوانب الوجودية المحايثة للحالة البشرية التي تتسم عادة بقدر من النزعة المأساوية (الولادة، الموت، الشيخوخة، الحب، الفراق، الحرب، تلوث البيئة، اللامساواة، القسوة، التعصب…).

وسيكون بوسع الرواية أن تشكّل نوعا من ترياق مضاد يمثل رؤية خلاصية إزاء المحن التي تنطوي عليها الحياة البشرية، وقد يجادل البعض أن بعضا من الروايات توظّف عوالم ميتافيزيقية بعيدة عن التفاصيل الإنسانية، ولا تحفل بتقديم رسالة خلاصية منشودة، غير أن هذا القول ينطوي على مغالطة فلسفية في نهاية المطاف؛ فطالما كانت الرواية نتاج عقل بشري فإنها ستمتلك بالضرورة رؤية خلاصية من نوعٍ ما.

يتميّز بعض الروائيين بحرصهم المفرط على تضمين النص نوعا من “الرؤية الخلاصية” الميتافيزيقية وعلى نحو يتعادل مع الرؤية الفلسفية الكانطية (الخاصة بالفيلسوف كانط) التي تقوم على أساس مفارقة اللامرئي للمرئي، والميتافيزيقي لليومي العابر.

إن فكرة “المجاوزة” المستمرة للوقائع اليومية، مهما بدت مثيرة ومدهشة ومغوية، إنّما تتموضع، برأيي، في المركز الجوهري لكلّ رؤية خلاصية فردية، وأحسب أن الرواية جديرة بتعزيز هذه الرؤية حتى وإن تشكّلت من حوادث يومية محدودة طارئة أو عابرة. كلّ رواية عظيمة تحمل في ثناياها مسعى خلاص يخاتل الموت المحتوم.

كاتبة عراقية
 -العرب
Developed by