Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

في رد البغي نصر

 " وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ"
صدق الله العظيم

فلسطين ومشاريع الحلول التائهة كما يكتب مصطفى كركوتي

نشر بتاريخ: 2017-09-24

النسخة: الورقية - دولي الأحد، ٢٤ سبتمبر/ أيلول ٢٠١٧ (٠١:٠ - بتوقيت غرينتش)
بغض النظر عما حمله العرب، هذا إذا كانوا يفعلون ذلك أصلاً، إلى لقاءاتهم مع الرئيس الأميركي من ملفات عاجلة حول المسألة الفلسطينية، أو الصراع العربي- الإسرائيلي، فالواضح أنه ليس لدى دونالد ترامب تصور محدد في شأن هذه المأساة التي أكملت نصف قرن من التيه في شكل لا يماثل أي قضية معاصرة أخرى في العالم.
لقد اتضح جيداً في خطاب ترامب الثلثاء الفائت في الدورة الـ 72 أمام الجمعية العامة في نيويورك، الغياب التام لتلك القضية من رادار السياسة الخارجية الأميركية الذي لم يعد يلتقط غير «شرّ» كوريا الشمالية وإيران. والذي يزيد انحسار فرص الحلول لها، على رغم تصدّر فلسطين تاريخياً العنوان الرئيسي للقمم العربية ولقاءات قادة عرب مع رؤساء أميركيين كثيرين، هو إشغال المنظومة العربية في المقام الأول بمسألة أمنها الذاتي وكيفية درء الهجمة الشرسة المتعددة الأطراف التي تتعرض لها راهناً، إن من داخلها الوطني أو خارجها الإقليمي.
ليس لدى ترامب أي مقترح محدد للحل أو كيف يمكن تحقيق أي تقدم في هذا الشأن. «دولتان... أو دولة واحدة... أوافق على أي حل تتوصل إليه إسرائيل مع الفلسطينيين»، هذا ما ردده في لقائه الأول مع بنيامين نتانياهو في واشنطن مطلع العام. أما من يقود عملية السير نحو الحل ويضمن تنفيذه وإنجاحه، فلا أحد يعلم ذلك، إذ ترك الرئيس الأميركي الأمر معلقاً إما لأنه يفضل الفكاك من تحمل المسؤولية أو لأن هكذا حلاً لا يشكل أولوية في سياسته الخارجية، أو للأمرين معاً.
بناء على خطاب ترامب الأخير، يبدو أن اللوبي الإسرائيلي نجح في إقناع صانعي القرارات في البيت الأبيض على إبقاء الشأن الفلسطيني خارج دائرة اهتمام الرئيس في الشرق الأوسط. هذا الموقف يريح إلى حد بعيد نتانياهو الذي بات ينسجم مع التيار اليميني المتطرف والقوي داخل حكومته والمعارض لأي حلول قابلة للعيش. فهذا التيار يقول: إما أن يبقى الفلسطينيون في الضفة الغربية تحت إشراف إسرائيلي شامل، أو لينضموا إلى دولتهم الراهنة- الأردن. وهذا موقف يتكرر بين حين وآخر، بل ردده زعماء إسرائيليون سابقون بدءاً من غولدا مائير في السبعينات مروراً بأرييل شارون وحتى نتانياهو أخيراً. وفي غياب ضمانات أميركية لأي من الحلين (الدولتين أو الدولة الواحدة) فإن البقاء «تحت سيطرة إسرائيل» سيكون أمراً محققاً.
هذه هي سياسة نتانياهو الراهنة منذ مطلع العام الحالي، إذ كان يطالب سابقاً كشرط للتسوية بأن توافق السلطة الفلسطينية على وجود عسكري إسرائيلي في وادي الأردن الفاصل بين الأردن والضفة الغربية. ووافق نتانياهو على قيام دولة فلسطينية بعد تحقيق شرطين: الاعتراف بإسرائيل كـ «دولة يهودية»، وأن تكون الدولة الفلسطينية المقترحة منزوعة السلاح.
بعيداً عن غياب موقف واضح لترامب أو ما سيكون عليه موقفه في المستقبل، وغياب أي تحرك دولي آخر في هذا الشأن، لا تشعر القيادة الإسرائيلية انها مضطرة للبدء بتنفيذ الاتفاقيات الثنائية بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية سابقاً والسلطة الفلسطينية لاحقاً. في الحقيقة، جميع رؤساء حكومات إسرائيل بمن في ذلك إسحق رابين المصنف دولياً «صانع سلام»، يقولون «نعم» لدولة فلسطينية شرط أن تكون بلا سيادة وتخضع للمشروع الأمني الإسرائيلي. لقد قدم الفلسطينيون تنازلاً تاريخياً في 1988 من أجل إنهاء أزمة الصراع في المنطقة، عندما وافقت المنظمة والمجلس الوطني الفلسطيني على حل الدولتين والاعتراف بإسرائيل ضمن حدود 1967 وإقامة دولتهم فوق 22 في المئة مما تبقى من أراضي فلسطين الانتداب. فمهما قال أو فعل ترامب، واضح أن إسرائيل لن تقبل بفكرة دولة سيدة للفلسطينيين مهما كانت مساحة أراضي هذه الدولة.
فلو أخذنا القرار الدولي الذائع الصيت الرقم 242 لما بعد حرب حزيران (يونيو) 1967، فعدم تنفيذه يعكس فشل وعجز الولايات المتحدة وبقية أعضاء مجلس الأمن في تحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عما يعاني منه الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية المشمولة بذلك القرار. فهؤلاء يتعرضون لعمليات بشعة من القمع والظلم والحرمان والعقوبات الجماعية، إذ لا يمر يوم من دون تعرض البعض منهم للإهانات والاذلال. كما تشير أرقام الأمم المتحدة نفسها إلى بناء 225 مستعمرة يهودية منذ 1967 فوق أراضٍ فلسطينية محتلة.
فعمليات خرق القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن المتعاقبة تجري أمام أعين العالم من دون أي محاولة لردع هذه الخروق الإسرائيلية. وتُظهر الأرقام أن نحو 650 ألفاً من المستوطنين الإسرائيليين يعيشون في شكل غير قانوني في فلسطين، 350 ألفاً منهم في الضفة الغربية و300 ألف في القدس الشرقية. كما قامت السلطات الإسرائيلية منذ 20 حزيران 1967 حتى الآن بسجن ما يزيد عن 800 ألف فلسطيني ودمرت 48 ألفاً من منازلهم، وقامت أيضاً في شكل غير شرعي بإلغاء 250 ألف تصريح إقامة لفلسطينيين يعيشون في أماكن إقامتهم المعتادة في الضفة والقطاع، وأكثر من 14000 تصريح آخر في القدس الشرقية المحتلة. هذا بالإضافة طبعاً إلى «الجدار الفاصل» الذي يمزّق عرى الضفة الغربية ويشتت الأهالي ويفرض أشكالاً مختلفة من الإذلال اليومي لسكان تلك المنطقة، فضلاً عن نحو 1.7 مليون نسمة من سكان قطاع غزة يعيشون داخل سجن كبير يتعرضون فيه لعقاب جماعي شبه يومي.
وها هو نصف قرن مضى على القرار 242 وهو يدخل في تيه ويخرج من آخر، وها هي الجمعية العامة تعقد دورتها الـ 72 تحت شعار «الشعوب والسعي نحو السلام والحياة الهانئة للجميع فوق كوكب قابل للاستمرار»، في عالم يتصاعد العنف فيه وتزداد حروبه توحشاً.
Developed by