Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

يكذب على فراش الموت!

 حتى وهو على فراش الموت لا ينفك "بيرز" يكذب ببجاحة حين يقول أنه حول فلسطين "أرضه/وطنه الأم؟؟!" لجنة! وأرض خصبة من مالحة!؟؟ بينما اليهودي "أحاد هاعام" عام 1891 قال: "ان البلاد -المقصود فلسطين-يصعب ان تجد فيها ارضا غير قابلة للفلاحة او لم تفلح بعد-واليكم النص من كتابه بعد وفاته ووصيته:
في عام 2016 وقع شيمون بيريز على وصيته وجاء في مذكراته: «أعتقد أن السلام أمر حتمي، لاني افهم اهميته، فهو الذي مكن روادنا من  إقامة وطننا الأم، وهو الذي دفعهم الى الابتكار وتحويل الاراضي المالحة إلى أراض خصبة، والصحراء إلى ارض تنتج الفواكه..؟!

ملف حركة فتح:البحث عن الغيمات الماطرة 1/2

نشر بتاريخ: 2017-09-11

  حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح

مفوضية الاعلام والثقافة والتعبئة الفكرية

  حركة فتح والبحث عن الغيمات الماطرة ج1/2

  في تاريخية القضية، وأقوال الرواد الأوائل، وثراء حركة فتح، والعضو وشجاعة القيادة، والوحدة الوطنية، ودور الأمة، والصراعات والفهم المشترك      

                                   بكر أبوبكر

         

 

لم يكن ياسر عرفات ليتنبأ بالقادم، فلم يكن عرّافا أو منجما أو كاهنا ولم يكن يحتاج لأن يكون أي من هؤلاء عندما شخّص صعوبة الدرب ومشاق النضال وحجم العقبات والعوائق التي تعترض وستعترض العمل الفدائي.

          منذ الرصاصة الأولى بل وما قبلها، ربما لمزاياه القيادية وامتلاكه للرؤية وحسن النظر كان يدرك عِظَم المسؤولية الملقاة على عاتق الرواد الأوائل ، فعِظم التضحيات يجب أن تناظر عِظم القضية ، وعظمة الرجال لا تظهر إلا بالمهام العظيمة ، والمهام العظيمة هي دوما صعبة وقد يراها أصحاب الهمم النافقة مستحيلة، ومن هنا كان القرار صعبا أن تنطلق حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح بعد النكبة عام 1948 .

تلك النكبة التي خلفت صدمتها للوهلة الأولى حطاما بشريا ونفسيا واجتماعيا وثقافيا عكس نفسه بالذهول والتشتت وافتقاد السند والاحباط الشديد، وعكس نفسه بالبحث عن الذات في ظل الضياع الذي أصاب الأمة والشعب الفلسطيني فطفق يبحث عن حقيقة هويته فيغرف من الأفكار "الصلبة" التي افترضت بذاتها الكمال أو القداسة، وافترضت بذاتها المطلق والشمولية ، وافترضت بذاتها الانتصار بالشعارات والامتداد.

    الفلسطينيون-بعد تجاوز الصدمة نفسيا-هم الذين رفضوا الإبحار طويلا في مركب البؤس واليأس والإحباط فتوزعوا بين تيارات الأمة الكبرى آنذاك وهي التيارات أو الأحزاب التي تولدت إثر صراع عميق داخل الأمة.  يقول صلاح خلف (أبوإياد) الشهير بخطاباته الحماسية التحفيزية المفعمة بالأمل عن "الحفنة الطيبة من الشباب التي انطلقت" أنهم "جمعوا يأس الأمة العربية وحولوه إلى آمال"

         (في عام 1965 عندما انطلقت حركة فتح لم يكن عددنا كبيرا، كان العدد بسيطا جدا، وإنما كانت الفكرة في نظرنا كبيرة جدا، لأننا كنا نعتقد أن الرصاصات التي سنطلقها في الأراضي المحتلة، لا يمكن أن تعيد لنا فلسطين، إنما هذه الرصاصة لها مردود على نفسية الإنسان الفلسطيني، لا بد أن يشعر الإنسان أنه موجود أولا) ويضيف صلاح خلف (أبوإياد) في موضع آخر (أقول نحن كشعب فلسطيني كان لا بد أن نعود إلى الخارطة السياسية، قيمة كل نضال شعبنا في عام 1965 أنه أعاد هذا الشعب الفلسطيني إلى الخارطة السياسية)[1]

         نهوض أمة وتشظي أخرى

          تشظّت الأمة العربية والأمة الاسلامية على مدار زمني طويل ارتبط بالنهوض الأوروبي الذي ترافق مع تغلغل عقلية الهيمنة والاستعمار والاستبداد الاوربي الذي وجد شكله الحقيقي من خلال احتلال أراضي الغير تحت ادعاءات النقاء والطُهر والتقدم للرجل الأبيض ، وتحت مدامك الفكر العنصري الذي أباح النظر للأقوام الأخرى من زاوية السيد المطاع الذي يحمل الحضارة للوحوش وهو السيد الذي ينبغي من الاتباع الطاعة له وتقديم القرابين والشكر لإلهِهِ.

          كان المطلوب في ظلام (الاستعمار) الغربي أن تقدم الشعوب ثقافتها وروحها ودينها وقوميتها وإنسانيتها وخيراتها وأرضها فداء للرجل الأبيض الذي افترض امتلاكه لكل الحقائق وافترض امتلاكه للحقيقة الدينية ، وافتراض أن هيمنته تشكل قدرا على الآخر أن ينصاع له ، فسوغت العقلية الاستعمارية لنفسها النظرة الاستعلائية والاحتقارية لشعوب الأرض فاستعبدتها في فترات الصرع الاسباني البرتغالي على المستعمرات ، وما تلاها من فترة الصرع الاستعماري الثقافي – الاقتصادي الانجليزي الفرنسي ، هذا الصراع الذي حط رحاله في منطقتنا العربية بقوة منذ القرن التاسع عشر ثم تألق إثر الحربين الاوروبيتين الكبريين (المسميتين الحرب العالمية الاولى والثانية) ، وما كان للنزاع السلطوي ونزاع النفوذ والمصالح الاقتصادية إلا متوافقا في هذه العقلية مع نزعات التفوق والتي وجدت ضالتها بعد تحطم الامبراطورية العثمانية.

 

         فلسطين في ثلاثة وجوه استعمارية

          نالت المنطقة العربية العنت والاضطهاد والاستعمار اللا أخلاقي سواء في مناطق الاحتلال والهيمنة في الخليج العربي من البرتغاليين (تمكن البرتغاليون من الوصول إلى الهند بعد اكتشافهم لطريق رأس الرجاء الصالح وسرعان ما أسسوا لهم إمبراطورية في الشرق. في عام 1507م تمكن اسطول برتغالي يقوده ألفونسو دي ألبوكيرك من احتلال مسقط وصحار وخور فكان ثم هرمز التي وقع ملكها اتفاقية الولاء للتاج البرتغالي، في عام 1521 سقطت البحرين بيد البرتغاليين.)، ومن الانجليز لاحقا، أو في الجزائر منذ احتلال واستعمار الجزائر العام (1830م) ، ثم بلغت ذروتها بعد الحرب (الاوروبية – العالمية الاولى 1914-1918م) والاتفاق على تقسيم العالم العربي في (سايكس بيكو عام 1916) ثم في (سان ريمو) عام 1920 ، وما كان ذلك بغريب على العقلية التي لا ترى في الآخر إلا خادما وعبدا . ومن هنا وقعت فلسطين في صلب المخطط  الاستعماري الاوربي على ثلاثة أوجه:

 كان الوجه الأول منه هو: ضمان الهيمنة والاغتصاب والسيطرة الأبدية على مقدرات الأمة والمنطقة الاقتصادية والجغرافية والثقافية والروحية بفصل جزئيها الشرقي والغربي الى الأبد، وبتفتيتها الى كيانات متحاربة .

 والوجه الثاني من المخطط الاستعماري هو تغلغل عقدة العقل الاستعماري المتفوق الغربي الذي يري الآخر مأمورا أو منبوذا أو مسخّرا نتيجة ارتباط هذه العقلية ببُعدها الاقتصادي التوسعي (تحولت "شركة الهند الشرقية المحترمة" البريطانية من مشروع تجاري تأسس عام 1600م إلى مؤسسة تحكم جميع الولايات الهندية وجميع مستعمرات التاج البريطاني في المنطقة وذلك بدعم سياسي وعسكري من بريطانيا.) وببُعدها العنصري الذي يستغل الاختلاف العقدي في الاقصاء عوضا عن التقبل، وهو ما ناله يهود أوروبا الذين تقرر أن يُستبعدوا من القارة وفي ذات الوقت يشرخوا منطقتنا فيتحقق للغرب الاستعماري و (للحركة الصهيونية لاحقا) أن يضربوا عدة عصافير بحجر واحد.

 أما الوجه الثالث فكان تحقيق الدول الغربية لتواصل احتكار العلم والزراعة المتطورة والصناعة والتقدم والتقانة (التكنولوجيا)، فوقعت فلسطين في (بؤرة) الحدث الاستعماري وللأسباب الكثيرة التي ميزت جغرافيتها وموقعها وأساطير التناخ (التوراة وملحقاتها) التي أعيد تحريفها لتُفهم وكأنها تتحدث عن بلادنا.

يقول ياسر عرفات (ومن هنا يبدأ جذر المشكلة الفلسطينية، أن هذا يعني أن أساس المشكلة ليس خلافاً دينياً أو قومياً بين دينين أو قوميتين وليس نزاعاً على حدود بين دول متجاورة، انها قضية شعب اغتصب وطنه وشرد من أرضه لتعيش أغلبيته في المنافي والخيام.)[2]

 

بريطانيا والاحتلال الصهيوني

          نالت المنطقة العربية من الضغط والقسوة والاستعمار ما جعل من الكيانات الناشئة بقوة وإرادة أبطال التحرر والاستقلال العرب يسعون لبناء هذه البلدان والسعي لتقدمها، ولكن من موقف ضعيف مرتبط بشكل أو بآخر بالدولة التي احتلتها أكانت بريطانيا أو فرنسا (أو إيطاليا أو إسبانيا أو البرتغال) إلا أن فلسطين كانت قضية مركبة فعل فيها العقل الغربي الاستعماري أبشع جريمة في القرن العشرين (والواحد وعشرين) وهي جريمة وضع بمقتضاها عدد من أتباع ديانة محددة من قوميات متعددة وهم اتباع الديانة اليهودية الأوروبيين خاصة مكان سكان فلسطين العرب في آلية تهجير وطرد وإحلال برزت بذورها منذ العام 1881 م ثم في مؤتمر (بانر- كامبل) 1905 – 1907 في لندن وصولا لتحالف العقل الغربي مع الحركة الصهيونية (منذ مؤتمر بازل 1897م) فتولى الانجليز منذ احتلالهم لفلسطين وعبر ما يسمى (صك الانتداب) عام 1922 القيام بهذه المهمة اللاأخلاقية.

          وقعت فلسطين في قبضة عقلية الهيمنة والاستعمارالثقافي والاقتصادي، والإحلال فسهلت الهجرة اليهودية ويسّرت سرقة الأرض، ثم عمدت لانشاء الكيان فوقعت نكبة العام 1948 التي دفعت بالشباب الفلسطيني لأن يأخذ بزمام المبادرة ضمن فهم عميق لجذور المشكلة ،وفي تطور وعي استغرق زمنا طويلا ليحدد من خلاله حجم القوى والتدافع الدولي ، ثم ليرى حجم قوته وامتداداتها فيرى بوضوح أين يقف من كل ذلك، ففلسطين قد سقطت بين أيدي إحتلالين اجنبيين انجليزي وصهيوني، ثم ترك الأمر كله للقاعدة المتقدمة للغرب الذي ورث سطوته وهيمنته الولايات المتحدة الامريكية.

قال الخالد فينا الراحل ياسر عرفات من على منصة الامم المتحدة في نيويورك عام 1974: (ترجع جذور المشكلة الفلسطينية إلى أواخر القرن التاسع عشر أو بكلمات أُخرى إلى ذلك العهد الذي كان يسمى عصر الاستعمار والاستيطان وبداية انتقال إلى عصر الإمبريالية حيث بدأ التخطيط الصهيوني_ الاستعماري لغزو أرض فلسطين بمهاجرين من يهود أوُروبا كما كان الحال بالنسبة للغزو الاستيطاني لإفريقيا . في تلك الحقبة التي توطدت فيها سطوة عتاه الاستعمار القادمين من  الغرب إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية للاستيطان وإقامة المستعمرات وممارسة أشد أشكال الاستغلال والاضطهاد والنهب لشعوب القارات الثلاث . إنها الحقبة التي ما زلنا نشهد آثارها العنصرية البشعة في الجنوب الإفريقي وكذلك في فلسطين .

وكما استخدم الاستعمار والمستوطنون أفكار ((التمدن والتحضر)) لتبرير الغزو والنهب والعدوان في إفريقيا وغيرها . كذلك استخدمت هذه الذرائع لغزو فلسطين بموجات المهاجرين الصهاينة . وكما استخدم الاستعمار والمستوطنون الدين واللون والعرق والغة لتمرير عملية استغلال الشعوب وإخضاعها بالتمييز والتفرقة والإرهاب في إفريقيا ، كذلك استخدمت هذه الأساليب لاغتصاب الوطن الفلسطيني واضطهاد شعبه ومن ثم تشريده.

وكما استخدم الاستعمار ، وقتئذ ، المحرومين والفقراء والمستغلين كوقود لنار عدوانه ، ومرتكزات الاستيطان، كذلك استخدم الاستعمار العالمي والقادة الصهاينة اليهود المحرومين والمضطهدين في أُوروبا كوقود للعدوان ومرتكزات للاستيطان والتمييز العنصري .

إن الإيديولوجية الصهيونية التي استخدمت ضد شعبنا لاستيطان فلسطين بالغزاة الوافدين من الغرب استخدمت في الوقت ذاته لاقتلاع اليهود من جذورهم في أوطانهم المختلفة ولتغريبهم عن الأمم.

إنها أيديولوجيا استعمارية استيطانية عنصرية تمييزية رجعية تلتقي مع اللا سامية في منطلقاتها، بل هي الوجه الآخر للعملة نفسها. فعندما نقول أن تابعي دين معين هو اليهود، أياً كان وطنهم، لا ينتسبون إلى ذلك الوطن ولا يمكن أن يعيشوا كمواطنين متساوين مع بقية المواطنين من الطوائف الأخرى، فإن تلك اللقاء مباشر مع دعاة اللاسامية، وعندما يقولون أن الحل الوحيد لمشكلتهم هو أن ينفصلوا عن الأمم والمجتمعات التي هم جزء منها عبر تاريخ طويل، ثم يهاجرون ليستوطنوا أرض شعب آخر ويحلوا محله بالقوة والإرهاب يأخذون من غيرهم الموقف نفسه الذي أخذه دعاة اللاسامية منهم.)[3]

          سقوط جغرافيا فلسطين وجدل الحل

          في ظل جدل الصراع وأصوله وكيفية مواجهة تحديات التشظي والتشرذم للأمة في بلدانها ومقدرتها وحضارتها وثقافتها برزت الافكار الكبرى الثلاثة تلتمس الحل النهائي وتصبو للإجابة على كل الأسئلة ومن هنا نمى التيار القومي وبرز الاسلامي وكان للاشتراكي ظهورا ومكانة.

          سقطت جغرافيا فلسطين بين أيدي الحركة الصهيونية بتسهيلات كان لا غنى عنها من (الانتداب البريطاني) ، ولم يكن الشعب العربي الفلسطيني إزاء ذلك مستكينا ولا مستسلما ولا خانعا، وإنما كان ثائرا شجاعا مقداما قدم الهبّات والثورات منذ العام 1919 ثم في العشرينيات، وهبّة البراق عام 1929 (تعود اليوم القضية في حائط البراق والمسجد الأقصى المبارك ككل لتغلغل العقلية التوراتية الخرافية في المجتمع الاسرائيلي في فلسطين) فالنشاط التنظيمي للشيخ عزالدين القسام ثم ثورة 1936 – 1939 وما رافقها من أساليب نضال عدة كان للأخ العربي فيها دورا واضحا بغض النظر عن دينه أو مذهبه ، ومع سقوط الجغرافيا برز العلم السياسي الجديد الذي يعلن ولادة دولة (اسرائيل) على أشلاء فلسطين الممزقة جغرافيا فكانت النكبة التي ما زالت حيّة فينا كفلسطينيين وكملايين من اللاجئين المتوزعين على أصقاع المعمورة   الذين سيكحّلون أعينهم مهما طال الزمن بكحل فلسطين وهوائها المعطّر.

          في هذا الخضم من التاريخ والأفكار، وفي هذه البيئة الصعبة حيث المرواحة بين اليأس والأمل وبين الاحباط والعمل وبين السلبية وعقلية الابداع الايجابية اختطت حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح تاريخا جديدا منذ العام 1957 حيث تعالت الهمسات لتنشئ كيانا أعلن عن ذاته بقوة عام 1965.

          فلسطين فقدت الجغرافيا بإنشاء الكيان الاسرائيلي، لقد طحنتها دهاليز السياسة لتنشئ فوق جسدها كيانا جديدا ، كان لابد من أن ترفضه هذه الجغرافيا (الأرض) وأهلها بأشكال عدة ليس أولها الكفاح المسلح أو حرب الشعب طويلة الأمد (النفس) وليس لآخرها المقاومة الشعبية المنتصرة اليوم والمحصنة بغضبة القدس أو هبة أو انتفاضة القدس (2015) التي لا تحتاج لكثير جهد لتعلن أن هذا الشعب لا ينسى ولا ييأس ولا تخور قواه مهما جهدت (اسرائيل) في محاولات احتلال التاريخ عبر وسائط المادة بغرس المستوطنات (المستعمرات أو المستدمرات) بين ثنايا الجسد أو شق الجسد الذي توافق الفلسطينيون أن يقيموا فيه دولتهم المستقلة دولة فلسطين على جزء صغير من أرض فلسطين.

 

 

          حركة ضد الشمولية والاقصائية

إن مسيرة حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح لم تكن لتؤمن بهيمنة الأفكار الشمولية سواء تلك القومية الشوفينية أو الاسلاموية أو الشيوعية فخلعت كل العباءات البراقة، وقررت أن الملعب الأول لها هو أن تركّز وتكرّس وتخصّص نضالها نحو قضية واحدة فقط هي قضية وطن قضية فلسطين ومن هنا فهم الفتحويون طبيعة تميزهم الحقيقي منذ اليوم الأول والبلاغ الأول (بلاغ قوات العاصفة) ومنذ (هيكل البناء الثوري) واستطرادا في أدبيات الحركة ، ومسارها النضالي الذي ارتقى درجات النضالية والثورية من درجة الثورية المثالية الى الثورية الواقعية.

رفض رواد حركة فتح فكر جماعة (الاخوان المسلمين) الحصري الاقصائي الذي يقدس الفكرة وحامليها معا كما يقدّس الجماعة على حساب الأمة، رفض فكرهم السياسي النظري غير العملي، فكرهم الذي يجمد الصراع لدواعي ادعاء المظلومية والسجن وعدم توفر الظروف، فخرج عدد ممن انتموا للجماعة -في غزة خاصة- على قاعدة أن فلسطين تجمعنا، لينهضوا من أجل فلسطين لا من أجل فكر الاخوان المسلمين (خليل الوزير وأبويوسف النجار وصلاح خلف...)، وتلاقوا مع زملائهم الذين لم ينتموا لأي حزب أبدا الا حزب فلسطين كما هو شأن ياسر عرفات ود.عادل عبدالكريم ومحمود عباس وهاني الحسن، وليلتقوا مع أولئك ممن خرجوا من حزب البعث العربي الاشتراكي (فاروق القدومي كمثال)، وأولئك الذين طلّقوا الشيوعية والفكر الماركسي-اللينيني الحزبي (ماجد ابوشرار...) والذين تركوا حزب التحرير (الاسلامي) (مثل خالد الحسن) وغيرهم، فكان هذا اللقاء الجامع الذي خلع الأردية الحزبية الضيقة لقاء بين الأنوية المتعددة في غزة والضفة والخليج العربي وألمانيا والنمسا (بدأت التباشير بعد العام 1948 وصولا للنشأة عام 1957 ثم الانطلاقة عام 1965 والانطلاقة الثانية عام 1968م)، ومثّل هذا اللقاء أيضا التقاء أفكار سياسية متعددة اتفقت على أولوية فلسطين، واتفقت على ضرورة اشعال جمرة النضال، واتفقت على تطليق الاحزاب الشمولية التي تهمش فلسطين، وتتلهى بأفكار إقصائية للآخر، أفكار شمولية أفكار لا ديمقراطية أفكار لا ترى بنفسها الا النهج الاوحد التي قتلتنا سابقا وعادت لتدمرنا اليوم، فكانت حركة فتح الحاضنة للكل الفلسطيني بفئاته وتنوعاته، ومازالت.

يقول محمود عباس (أبومازن) ردا على سؤال حول الوحدة والتنوع داخل حركة فتح بديلا للحزبية منذ البدايات (لتبقى الأفكار كما هي، لكنه ممنوع الارتباط بأي حزب، فقط في الحركة، فكان التنظيم يضم كل الاتجاهات تقريبا، كان هناك إخوان وبعثيون، قوميون عرب، وكان الكثير من الشباب في الحركة قد دخلوا حزب البعث، ولم يقتنعوا، وكذلك حركة القوميين العرب، والإخوان المسلمين، وتركوا، ووجدوا في حركة فتح ضالتهم...)[4]

         

لقد ميزت حركة فتح بوضوح بين حقيقة الفهم ،وصدق التحليل المشفوع بحقائق الجغرافيا والتاريخ والقانون والسياسة، ولكنه المرتبط بالرؤية الاستراتيجية التي تفهم جيدا صراع القوى والمعسكرات وطبيعة تقاطع المصالح، فرأت أن المحرك في القضايا العالمية لم يكن هو القيم والأخلاق والعدالة، وإنما هذا الكم الهائل من التوحش اللأخلاقي الاستعماري سواء في الفكر الغربي أو الفكر الصهيوني الاحلالي الذي بدأ استعماريا (قوميا) لينتهي اليوم (عنصريا) (توراتيا) دينيا خرافيا.[5]

 

         مراحل وغيمات عرفات

          إن ياسر عرفات الذي أجهد نفسه طوال حياته وهو يبحث عن الغيمات الماطرة ، ووجد بعضا منها فحقق انتصارات هنا وهناك وأرادها تراكمية ، وصدّر عبقرية الحث هذه لمضمون فعل حركة فتح التي آمنت بالمبادرة والمبادأة والإنجاز فلم تقف خلف المصداح "الميكرفون" تنشر وتصرخ فقط ، وإنما جعلت من (الحركة) فعلا ايجابيا ، فحيث تكون المقدرة على تحقيق انجاز (أكان وطنيا شعبيا ، أو عسكريا ، أو قانونيا ، أو سياسيا ... ) كانت لا تتوانى عن خوض غمار الحرب لتحقيقه وهذا ما كان فكانت الانطلاقة عام 1965 ، وكانت الحرب الشعبية طويلة الأمد والكفاح المسلح بإشكاله المتعددة (1965 – 1974) وكان العمل السياسي يحصد زرع العمل العسكري (1974 – 1987)[6] ثم كانت الإرادة الشعبية الجماهيرية تعبر بقوة عن حضورها ودورها المباشر في أرض الوطن عبر انتفاضة الحجارة التي كان فيها خليل الوزير (ابو جهاد) أول الرصاص أول الحجارة مع شبيبة الفتح وفلسطين في الوطن (1987 – 1993)،

Developed by