Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

يكذب على فراش الموت!

 حتى وهو على فراش الموت لا ينفك "بيرز" يكذب ببجاحة حين يقول أنه حول فلسطين "أرضه/وطنه الأم؟؟!" لجنة! وأرض خصبة من مالحة!؟؟ بينما اليهودي "أحاد هاعام" عام 1891 قال: "ان البلاد -المقصود فلسطين-يصعب ان تجد فيها ارضا غير قابلة للفلاحة او لم تفلح بعد-واليكم النص من كتابه بعد وفاته ووصيته:
في عام 2016 وقع شيمون بيريز على وصيته وجاء في مذكراته: «أعتقد أن السلام أمر حتمي، لاني افهم اهميته، فهو الذي مكن روادنا من  إقامة وطننا الأم، وهو الذي دفعهم الى الابتكار وتحويل الاراضي المالحة إلى أراض خصبة، والصحراء إلى ارض تنتج الفواكه..؟!

ملف مركز الانطلاقة للدراسات- المعركة على الحركة الوطنية الفلسطينية.

نشر بتاريخ: 2017-08-24
  
يعرض عليكم مركز الانطلاقة للدراسات لمقالات نقدية أربعة، في أولاها يعرض الكاتبان حسين أغا وأحمد سميح الخالدى لأسباب تعثر المفوضات الفلسطينية الاسرائيلية وتراجع الحركة الوطنية كما يريان، ورغم كم التحامل البارز يعتقدان ان المؤهل هو الرئيس عباس للحل التاريخ. حيث يذكران أن: (عهد عباس عزز الوضع الأخلاقى للفلسطينيين، وأدى إلى جذب المجتمع الدولى لقضيتهم.) مضيفين (إن حقبة ما بعد عباس ستطلق مسارا غير محدد وغير متوقع. فالإرث التاريخى للآباء المؤسسين وبصمة الشرعية آخذة فى الاختفاء.)
 فيما الكاتب أسعد ابوخليل في صحيفة الأخبار المقربة من حزب الله ينتقد ذلك بشدة مطوحا بحركة فتح وحماس بالهواء من خلال الطعن باتفاقية أوسلو وبوثيقة حماس الاخيرة، داعيا لظهور قيادة جديدة،بالدعوة (لضرورة الانطلاق منه لتجديد ثورة فلسطينيّة جديدة لا تحمل أعباء الماضي. لكن الخلق بيد جيل فلسطيني جديد. يستطيع عدد قليل من الشباب (والشابات) تشكيل خلايا ثوريّة جديدة من دون إيعاز من أحد. لكن هل يكون تحرير فلسطين مُلهماً له أكثر من «أراب أيدول»؟)
 وفي الملف هذا نقرأ من احد قيادات الجبهة الشعبية واسمه احمد بركات طعنا غير معقول في القيادة الفلسطينية يفوق فكر التيار الاستئصالي في حماس.وبعد ان يوغل بشتم قيادات فتحوية بشكل مهين يقول (إنّ مَن وقّع اتفاقَ أوسلو الكارثيّ، وجلَبَ كلَّ هذه المصائب والكوارث لشعبنا، ودَمّر مرتكزات برنامج الإجماع الوطني الفلسطيني، لا يمكن أن يكون اليوم مؤتمَناً على إعادة الروح إلى المشروع الوطني التحرري الديموقراطي)
لننتقل للدكتور أحمد يوسف من قيادة حماس الذي يهادن ويحاول تحقيق الجمع، لكنه بعد أن يفقد الامل بالموجود يطرح ضرورة "ظهور طرف ثالث يحمل رؤية وبرنامجًا عابراً للفصائل" كما يقول هاني المصري.
 ما نقترح بناء عليه ضرورة الـتأمل والقراءة لهذه المقالات ال4 من الجميع.
مركز الانطلاقة للدراسات
30/8/2017
نهاية الطريق: تراجع الحركة الوطنية الفلسطينية
 
نشرت مجلة THE NEW YORKER مقالا للكاتبين حسين أغا وأحمد سميح الخالدى، المحررين بالمجلة والمشاركين السابقين فى مفاوضات السلام الفلسطينية ــ حول تراجع الحركة الوطنية الفلسطينية الذى يعود إلى عدة أسباب منها تخلى الحركة عن خيار المقاومة.
صحيفة الشروق-مصر-الأربعاء 9 أغسطس 2017 
النص الاصلي بالانجليزية
http://www.newyorker.com/news/news-desk/the-end-of-this-road-the-decline-of-the-palestinian-national-movement
استهل الكاتبان مقالهما بذكر أنه فى الوقت الذى يستعد فيه الرئيس ترامب لمحاولة أخرى لحل الصراع الفلسطينى الإسرائيلى، تستعد إسرائيل لتقديم صفقة مقبولة للجانب الفلسطينى وهو استعداد يثير الكثير من الشكوك؛ فمع تأزم المشهد السياسى الفلسطينى متمثلا فى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) الذى يجسد آخر فرصة ضئيلة للتوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض: فهو الزعيم الوطنى الوحيد المتبقى لشعبه، وبالنسبة للرئيس ترامب وفريقه، وكذلك لجميع الذين يسعون إلى إنهاء هذا الصراع الذى يعود إلى قرن طويل، لا ينبغى أن يكون هناك أى شك فى مدى إلحاح هذه اللحظة. فبعد عباس، لن تكون هناك قيادة فلسطينية تمثيلية وقانونية حقيقية أخرى، ولن توجد حركة وطنية متماسكة للحفاظ عليها لفترة طويلة قادمة.
على مدى ستة أيام فى أواخر نوفمبر وأوائل ديسمبر 2016، عقدت حركة فتح الوطنية الفلسطينية مؤتمرها السابع فى رام الله، عاصمة السلطة الفلسطينية. وعلى الرغم من الخطب المطولة والهواء الاحتفالى، فإن المؤتمر لم يفعل شيئا يذكر لتبديد ما أضحى لا لبس فيه: تشرذم وتفكك الحركة الوطنية الفلسطينية ؛ فلم يتطرق الاجتماع إلى أى من التحديات السياسية المتزايدة التى تواجه الشعب الفلسطينى. 
إن الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة ــ التى أسسها ياسر عرفات والتى تجسدها السلطة الفلسطينية، فتح على مدى نصف القرن الماضى ــ وصلت إلى نهايتها. ومع تلاشى مؤسساتها وتلاشى قادتها، لا يوجد خلف واضح للوقوف على مكانها.
وإذا نظرنا إلى الوراء، فإن اتفاقات أوسلو لعام 1993 شكلت أعلى إنجاز سياسى للحركة الوطنية الفلسطينية وبداية أفولها البطيء. ومنذ ذلك الحين فصاعدا، فالحركة تتأرجح بين سندان مهمتها الثورية الأصلية ومطرقة مسئوليتها الجديدة كدولة تملك مؤسسات مدنية وبيروقراطية وأمنية.
قد سعت الحركة الوطنية لفترة من الوقت، مع زعيم المقاومة التاريخى، إلى التوفيق بين مهماتها المتناقضة. ولكن، مع وفاة عرفات، فقدت فتح ليس فقط المؤسسين وقائد المرحلة التأسيسية ولكن سبب وجودها. فبدون «النضال المسلح»، لم يكن للحركة الوطنية أى أيديولوجية واضحة، ولا خطاب محددا، ولا خبرة مميزة أو شخصية. وفى غياب دولة حقيقية ومستقلة، لم تتمكن من تحويل نفسها إلى حزب حاكم، كما فعل المؤتمر الوطنى الأفريقى، على سبيل المثال، فى جنوب أفريقيا. وقد بقيت مبتورة ومتوقفة: حركة تحرير لا تفعل الكثير من التحرر، عاجزة عن الدخول فى عملية تسوية مثمرة، سلطة حكومية ترضخ لوسائل التعنت الإسرائيلية. 
وبعد وفاة عرفات ومعظم زملائه المؤسسين للحركة، تضاءلت قدرة فتح على حمل أجزائها المتكسرة. وقد تفاقم ذلك بدوره بسبب فشل قادتها فى اجتذاب دماء جديدة. وخلافا لتجربة المنفى التى شكلت سندا فلسطينيا موحدا، لم تتمكن فتح من إنتاج قادة قادرين على إقامة مؤسسة وطنية حقيقية من عناصر محلية عالية؛ فبدون وجود قادة جدد، لا توجد أدلة مقنعة على المصداقية، كذلك لم تحقق الحركة أى نجاح ملحوظ فى الحكومة، ولا إحراز تقدم نحو السلام، فقد اختفت فتح بشكل أساسى ككيان سياسى حقيقى.
كانت إدارة عرفات جزءا لا يتجزأ من دينامية الحركة الوطنية الفلسطينية، والانتقال من عرفات إلى عباس مر بسلاسة لأنه اعترف بأنه استمرار للمبادئ التأسيسية للحركة الوطنية. وقد يكون عباس بحاجة إلى انتخابات رسمية لتعزيز موقفه وكسب قبوله فى المجتمع الدولى، ولكن من دون أوراقه الثورية السابقة وارتباطه بعرفات.
***
يضيف الكاتبان أن عباس لم يكن يريد أن يكون شبيها بعرفات، وقد تضررت مكانته مع شعبه بشدة بسبب مشاركته المستمرة والعقيمة فى عملية السلام، ومعارضته الثابتة للنضال الثورى، وتفانيه المتهور فى التعاون الأمنى مع إسرائيل. ومع تمديد فترة ولايته إلى ما بعد ولايته الانتخابية الأولى، وضع النظام السياسى الفلسطينى العديد من خصائص النظام الرئاسى المكون من رجل واحد، ولكن بدون زعيم شعبية. وشهدت السنوات اللاحقة اتجاها متزايدا نحو المركزية، وتركيز السلطة. وبذلت جهودا حثيثة للسيطرة على ما تبقى من هياكل فتح التى تميل للثورية وإسكات المعارضة السياسية الحقيقية.
ولكن سنوات عباس كرئيس لم تكن دون حصتها من الإنجازات؛ فقد وفرت سياسته للسلام جدار حماية هائل ضد نوع من الضغوط الدولية المرتبطة بالعنف السابق للحركة الوطنية الفلسطينية وبالنسبة للبعض، فإن هذا بحد ذاته إنجاز وطنى رئيسى.، ومنذ عام 1994، كانت العديد من الشئون اليومية للبلدية، والصحة، والتعليم، وغيرها من المهام فى أيدى الفلسطينيين للمرة الأولى.
إن تفانى عباس فى المفاوضات والدبلوماسية واللاعنف قد حول العبء على الجانب الآخر. ففى الوقت الذى تتنازع فيه وثائق اعتماد القيادة الإسرائيلية الحالية على نطاق واسع، فإن صورة عباس الدولية كرجل سلام لا تزال سليمة إلى حد كبير. وفى الوقت نفسه، تمكن من التمسك بالمطالب الفلسطينية التاريخية والأساسية؛ إلا أنه لم يتردد عن أهداف منظمة التحرير الفلسطينية لدولة على طول حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وحل عادل لمشكلة اللاجئين. لقد وضع حدا لفوضى الانتفاضة الثانية. وقد واصل العمل مع مجموعة واسعة من الآراء الإسرائيلية، وسعى بجد إلى زراعة ما تبقى من معسكر السلام الإسرائيلى، وإلى التعامل مع القادة والمجتمعات اليهودية فى الخارج. ولعل الأهم من ذلك أنه نجح فى عزل الشعب الفلسطينى عن الكثير من أعمال العنف وتدمير «الربيع العربى» ومن نمو الحركات السلفية والجهادية فى الضفة الغربية.
وبشكل عام، عزز عهد عباس الوضع الأخلاقى للفلسطينيين، وأدى إلى جذب المجتمع الدولى لقضيتهم. ولكن هذه الإنجازات تواجه خطر أن تطغى عليها الظروف والتحديات الجديدة. ربما ساعد عباس فى دعم شرعية القضية الفلسطينية، خاصة فى الغرب، لكن نهجه فشل فى إثبات قدر كاف من المردود فى مفاوضات السلام، أو تغيير الوضع الراهن غير المقبول، أو فى جذب الدعم الشعبى لإحياء ثروات الحركة المتدهورة. ولم تسفر السنوات الثلاث عشرة من حكمه عن أى تغيير يذكر فى موقف إسرائيل؛ فى الواقع، فإن شروط إسرائيل من أجل التوصل إلى حل نهائى بشأن قضايا مثل القدس، والأمن، ومدى السيادة الفلسطينية قد تفاقمت بشكل ملحوظ.
وقد شهد العقد الماضى أيضا سلسلة من التحركات الدبلوماسية الفلسطينية غير المتسقة وغير المدروسة بما فى ذلك الترحيب بتقرير غولدستون ثم التراجع عنه فى عام 2011؛ عن حرب غزة عام 2008؛ وعدم إحراز تقدم دبلوماسى حتى فى ظل إدارة أمريكية ودية نسبيا. ونتيجة لذلك، فإن فكرة مفاوضات السلام برمتها قد بدت شكلية مما زاد من إضعاف مصداقية الحركة الوطنية ومكانتها.
***
إن فقدان الأمل الفلسطينى فى تسوية تفاوضية يعكس فقدان الثقة فى الوكالات التى سعت إلى تحقيقها؛ فحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية قد كرسوا لحل الدولتين، ولكن إخفاقاتهم ــ من التحرير إلى الحكم إلى صنع السلام ــ قللت من التأييد الشعبى لاستصواب الهدف نفسه أو قابليته للاستمرار. ولذلك، فإن جميع قطاعات الشعب الفلسطينى تقريبا قد فقدت إلى حد كبير أى شعور حقيقى بالاستثمار فى دبلوماسيتها. ما ينظر إليه مرة واحدة على أنه برنامج وطنى موحد ينظر إليه الآن مع التشكك العميق واللامبالاة.
كما ذكر الكاتبان أن المحنة التى تواجهها الحركة ليست داخلية فقط، فما من شك أن البيئة الإقليمية والدولية قد تحولت بطرق غير مواتية؛ فلحظة «العالم الثالث»، التى وجد فيها النضال الوطنى الفلسطينى منزلا طبيعيا ضمن الحركات التحررية والمناهضة للاستعمار فى الجزائر وفيتنام، واعتمدته القوى الآسيوية الناشئة كجزء من إحساسها الجديد بالاستقلال، لم تعد قائمة. وقد شهدت الحقبة الأخيرة تحركا فى الاتجاه المعاكس؛ فقد يكون هناك فهم أكبر للقضية الفلسطينية فى الغرب، ولكن العديد من حلفاء العالم الثالث السابقين قد اختاروا المصلحة الذاتية الاقتصادية بدلا من الالتزام الأيديولوجى، وذلك مثل دعم الهند المتداعى للفلسطينيين فى العلاقات الدولية والعلاقات التجارية المتنامية مع إسرائيل فى الصين.
كما تغيرت البيئة العربية بشكل واضح؛ فهناك على الساحة العربية العديد من الصراعات السياسية مثل سوريا والعراق واليمن، ففى الماضى كانت هناك قاعدة شعبية كبيرة متعاطفة بشدة مع النضال الفلسطينى. فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية كانت تعتمد إلى حد كبير على المساعدات العربية، ولكن تعدد المصادر قطع عن الحركة الكثير من مصادر التمويل التى وجهت لمناطق أكثر لديها صراعات ومشكلات متأزمة.
إن حقبة ما بعد عباس ستطلق مسارا غير محدد وغير متوقع. فالإرث التاريخى للآباء المؤسسين وبصمة الشرعية آخذة فى الاختفاء. ولا يملك اللاجئون الفلسطينيون والمجتمع الأوسع فى المنفى أى وكالة حقيقية أو وسيلة للتعبير أو أدوات تعكس إرادتهم. الصراع الدائر فى فتح مع حماس، والاضطرابات فى غزة والضفة الغربية، والفشل المؤسسى للسلطة الفلسطينية. كل ذلك يشير إلى شكل من أشكال القيادة المتعثرة والمفككة، التى تستند إلى الانتخابات الرسمية، وبالتالى، ومن المفارقات، على أسس أقل صلابة وتمثيلا حقيقيا.
وعلى الرغم من القيود التى يواجهها، قد يكون عباس آخر زعيما فلسطينيا يتمتع بالسلطة الأخلاقية والشرعية السياسية للتحدث والعمل نيابة عن الأمة بأسرها بشأن القضايا الوجودية الحيوية مثل الاتفاق النهائى مع إسرائيل.
***
ختاما يذكر الكاتبان أن الحركة الوطنية الفلسطينية التاريخية قد تحطمت وخلفها قد لا يكون واضحا ولا وشيكا. لكن الفلسطينيين لن يختفوا ببساطة، مطالبات الفلسطينيين بالعدالة والحرية قد ضمنت نفسها فى ضمير كثير من سكان العالم، كما أن ممارسات إسرائيل تتحدث نيابة عنها بعيدا عن قيمها المعلنة.
قد تكون فكرة التوصل إلى حل شامل ومتفاوض عليه يتضمن جميع العناصر الأساسية للنزاع قد تلاشت عن متناول الجميع. إن ما كان يطلق عليه «مشكلة فلسطين» قد يعاد تعريفه ويعاد تشكيله على نحو أفضل باعتباره سلسلة من التحديات، تتطلب كل منها شكلها الخاص للانتصاف: فهناك الآفاق المخففة للمشروع الوطنى الأصلى لتقرير المصير وإقامة الدولة والعودة؛ وإبعاد الشعوب عن ممثليها الرسميين؛ واقع انقسام غزة والضفة الغربية؛ استمرار المحاكمات والمحن فى الشتات؛ والنضال اليومى من أجل التحرر من الاحتلال والمساواة فى الحقوق فى إسرائيل.
إن شرارة الوطنية قد لا تزال تتعايش جنبا إلى جنب مع غضب الاحتلال والرغبة فى حياة حرة وطبيعية. لكن الحركة الوطنية تتطلب مشاركة جماهيرية حقيقية فى رؤية سياسية ومشروع عمل يتقاطع مع حدود المنطقة والعشيرة والطبقة، وقيادة محددة ومعترف بها بالشرعية والمكانة التمثيلية التى تمكنها من العمل باسم شعبها. هذا لم يعد لحركة فتح، أو منظمة التحرير الفلسطينية.

نحو ثورة فلسطينيّة جديدة: ما بعد حركة «فتح» ما بعد «حماس» -  أسعد أبوخليل     

 بات التباكي على مسيرة السلام من صفاتها المتلازمة. وإنعاش ما يُسمّى بعمليّة السلام من ضرورات الإيهام بالإحياء. ومسيرة أو عمليّة السلام هي وصفة للتحايل الأميركي في التعاطي مع العرب منذ هزيمة ١٩٦٧. ومبادرة روجرز (التي قبلها النظام الناصري) كانت تتويجاً لهذا الخداع، مثلما كان القرار ٢٤٢ تعبيراً عن مناصرة أميركا لمنطق عدوان وقوّة إسرائيل، والتصميم على استفادة من نتائج المعركة.

http://www.al-akhbar.com/node/281665

ومبادرة روجرز استمرّت وإن بأسماء وأشكال أخرى عبر السنوات، إلى أن أصبحت ملفّاً من ملفّات اللوبي الإسرائيلي في أميركا. كان على «المسيرة» أن تبدأ وتسويقها، كمسيرة، اعتمد على أن فكرة المسيرة أو «العمليّة» لها بداية ولا حصر زمنيّاً لها، أي يمكن أن تستمرّ إلى ما لا نهاية. المهم أن تبدأ وأن ينشغل الديبلوماسيّون بها لإيهام العرب — فقط العرب — أن أميركا جادّة في سعيها نحو السلام، وأن هناك خياراً حقيقياً للكفاح المسلّح والحرب لتحرير الأرض المحتلّة. لكن لـ«المسيرة» غايات أخرى، منها جرّ العرب للتطبيع مع العدوّ تحت عنوان «مسيرة السلام».
طبعاً، إن مسيرة التفاوض تعكس الواقع على الأرض. ظهر هنري كسينجر ذات مرّة في عام ١٩٧٣ أمام الكونغرس الأميركي للإدلاء بشهادة عن اتفاقيّة باريس بين أميركا والـ«فيتكونغ». أدلى أعضاء المجلس بآرائهم في ذمّ الاتفاقيّة، وثاروا كيف أنها اعترفت بحق الثوّار في الحفاظ على تواجد عسكري في الجنوب، فما كان من كيسنجر إلا أن أجابهم بأنه للصراحة عاجزٌ ديبلوماسيّاً عن تحقيق النصر الذي عجزت عن تحقيقه القوّات الأميركيّة في الميدان. والحكومة الأميركيّة تهرع للترويج للمفاوضات فقط عندما يُهزَم العرب. هي هرعت لفرض مفاوضات لبنانيّة ـ إسرائيليّة (يرفض أبطالها اليوم الاعتراف بدورهم فيها لشناعة سمعتها اليوم) بعد اجتياح ١٩٨٢. أي أن المسيرة التفاوضيّة هي لمنح شرعيّة سياسيّة وقانونيّة للانتصارات العسكريّة الاسرائيليّة (لو أن إسرائيل لم تتعرّض للإذلال والمهانة في حرب تمّوز، لكانت أميركا قد فرضت على لبنان اتفاقيّة لبنانيّة ــ إسرائيليّة مُذلّة: سجّل هذه كجانب باهر آخر للمقاومة)
نشرت مجلّة «نيويوركر» قبل أيّام بكائيّة أخرى عن «مسيرة السلام» لحسين آغا وأحمد الخالدي. والرجلان شاركا على مدى سنوات طويلة — خصوصاً في سنوات قيادة عرفات — في مسيرة السلام هذه، ودائماً بعيداً عن الأضواء وعن اقتناع صادق — وإن خاطئ وضار جداً — من الرجليْن بجدوى حل سلمي (تنازلي) مع العدوّ الإسرائيلي. والمسيرة التفاوضيّة جرت — بقرار من عرفات — على سكك مختلفة، تتقاطع أحياناً وتتضارب — آملاً بذلك أن تصل إحدى هذه السكك إلى مبتغاها. لكن مسيرة أوسلو هي التي قضت على ياسر عرفات ونصّبت أمام عينيْه خليفةً له، لم يكن يجرؤ في الماضي على مخالفة مشيئة سيّده في أمر (كان حال محمود عبّاس في «فتح» مثل حالة أنور السادات، أي الرجل المُطيع دوماً للزعيم والذي لا يُشكّل معارضة له في أي مفصل تاريخي). ورسالة حسين آغا وأحمد الخالدي مفادها أن محمود عبّاس هو الزعيم الفلسطيني الوحيد (والأخير) الذي يحظى بشرعيّة للتوقيع على اتفاقيّة سلام مع العدوّ. لكن كيف قرّر الكاتبان أنه يحظى بشرعيّة الموافقة على اتفاق استسلام وكل الدلائل (من استطلاعات رأي من جهات متعاطفة معه إلى التآكل في زعامته في داخل «فتح» إلى التناحر بينه وبين كل القوى الفلسطينيّة خارج وداخل منظمّة «فتح») تشير إلى عجز عبّاس عن تلبية حاجات العدوّ في الوصول إلى اتفاق لا تريده دولة العدوّ أساساً. أي أن الأحجية في مقالة الخالدي وآغا أنهما يحثّان أميركا وإسرائيل على التوصّل إلى اتفاق لا تريده إسرائيل ولا تكترث له أميركا. والمفارقة أن المقالة تعترف بأن موت عبّاس كفيل بالقضاء على فرص توقيع هذه الاتفاقيّة. لكن ما فائدة اتفاقيّة تحتاج شرعيّتها الفلسطينيّة إلى خلود محمود عبّاس؟
تسرّب مؤخراً نص كلمة ألقاها مستشار الرئيس الأميركي لشؤون كل شيء، أي صهره جارد كوشنر، وفيها شكّك في جدوى عمليّة السلام أو المفاوضات بين الأطراف. لا بل هو قال إنه قد لا يكون هناك حلّ أبداً. وكلام كوشنر جاء ليعزّز الانطباع أن دولة الاحتلال حظيت مرّة أخرى بإدارة أكثر صهيونيّة من سابقتها، وهذا نمط في تاريخ الإدارات الأميركيّة (ربّما باستثناء إدارة جورج بوش الأب، الذي بالرغم من خدماته لإسرائيل كان أقل إعجاباً بها — هو وزير خارجيّته — من باقي الإدارات السابقة واللاحقة). والمولجون بإدارة السياسة الأميركيّة نحو الشرق الأوسط ونحو الصراع العربي الإسرائيلي كلّهم من عتاة الصهاينة الذين يعتنقون مبدأ نتنياهو في نبذ المفاوضات وفي الحفاظ على الوضع القائم، لما فيه من مصلحة لإسرائيل.
تغيّرت إدارة عمليّة السلام في الشرق الأوسط في إدراتها الأميركيّة عبر العقود. كان فريق المستعربين هو المولج بإدارتها لكن من ضمن الضوابط التي يحدّدها الكونغرس (أي اللوبي الإسرائيلي الذي يشرف على كل ما يصدر عن الكونغرس في شؤون الشرق الأوسط) بالتوافق مع البيت الأبيض. وكانت المفاوضات بين منظمّة التحرير والإدارة الأميركيّة في عهد ريغان، ثم في عهد بوش الأب، تُدار من قبل فريق المستعربين. لكن إدارة كلينتون غيّرت كل ذلك إلى غير رجعة. هي قضت بالضربة القاضية على تقليد الاستعراب في وزارة الخارجيّة وأجهزة الاستخبارات والدفاع، وسلّمت الملف بالكامل إلى اللوبي الصهيوني بأجنحته الديموقراطيّة والجمهوريّة على حدّ سواء. اللوبي بات هو المُتحكِّم الكلّي والوحيد بسياسات أميركا في الشرق الأوسط.

مسيرة أوسلو جعلت من حركة «فتح» ذراعاً من أذرع السياسة الأميركيّة
وينضوي في جسم اللوبي الصهيوني هنا جناحان (غير متطابقيْن بالضرورة مع الانشطار الجمهوري ــ الديموقراطي): الجناح الأول (هو جمهوري بالغالب، لكن ليس بالكامل) وهو يقول بمنطق الليكود، وكل مَن على يمين الليكود، حول ضرورة نبذ المفاوضات بالكامل وترك الأمور على حالها، مع تشديد القبضة على السلطة الفلسطينيّة من أجل القيام بمهامها في حراسة الاحتلال. وهذا الجناح يشدّد على توطيد العلاقات بين إسرائيل وبين الدول العربيّة الخليجيّة (والتقدّم في العلاقات قطع شوطاً كبيراً في ظلّ قيادة المحمديْن — في أبو ظبي والرياض. ويرفض الجناح المقولة التي تحذّر من غضبة فلسطينيّة في حال ترك الأمور على حالها لأنه يؤمن بنجاح القمع والفصل العنصري والقصف والقتل المستمر من قبل دولة الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني. الجناح الثاني يخشى على إسرائيل من نفسها، ويرى هذا الجناح أن دولة إسرائيل تواجه مخاطر ديموغرافيّة وإسلاميّة بعيدة المدى، وأن الاحتلال في كل أراضي ١٩٦٧ لا يمكن أن يستمرّ، وأن من مهام الحكومة الأميركيّة — من منظور حمايتها لدولة الاحتلال — أن تدفع قدماً بـ«عمليّة سلام» تضفي شرعيّة على تسوية تنازليّة تسمح لإسرائيل بالحفاظ على معظم المستوطنات، وتسمح لها باقتطاع أراض من الضفة الغربيّة وغزة مقابل دويلة فلسطينيّة لا تتمتّع من مواصفات الدولة والسيادة إلا بالاسم والعلم فقط (وهناك أفكار جديدة حول «عمليّة السلام»، منها ما يتضمّن فصل الجليل الفلسطيني عن فلسطين ١٩٤٨ وإلحاقه اعتباطاً بكيان مسخ في الضفة). ومقابل هذه التسوية تقوم كل الدول العربيّة مجتمعة بقبول دولة إسرائيل في الجسم العربي (حتى أنه حُكي بتغيير طابع الجامعة العربيّة كي تصبح إسرائيل عضواً فاعلاً فيها، وهذه كانت فكرة «الشرق الأوسط الجديد» التي بشّر بها شمعون بيريز، وبشّر بها معه فيها كتّاب الليبراليّة في صحف أمراء آل سعود.) وكان مشروع السلام السعودي العربي في عام ٢٠٠٢، تكريس لهذه الفكرة مع ترسيخ رفض عودة اللاجئين ورفض السيادة الفلسطينيّة على الحرم الشريف ورفض الانسحاب من كل أراضي ١٩٦٧ ورفض فكرة دولة فلسطينيّة ذات سيادة.
ونجح اللوبي الصهيوني في وضع نافذين فيه في مواقع القرار في إدراة المفاوضات الأميركيّة: بقي دينيس روس وأرون ديفيد ميلر يحافظان على دورهما في المفاوضات على مرّ الإدارات منذ عهد جورج بوش الأب. ودينيس روس كان الآمر الناهي في المفاوضات، وكان يأمر الوفد الفلسطيني بأن يقصي من فريقه مَن يشاء ويحافظ على مَن يشاء. حتى أنه في جلسة طلب من ياسر عرفات ألا يستعين بخدمات مترجمه الخاص وأن يستعمل المُترجم الرسمي لوزارة الخارجيّة الأميركيّة. طبعاً، رضخ ياسر عرفات.
المعضلة في مسيرة أوسلو أن لا خروج منها لمَن يدخلها. هي صُمِّمت من قبل إسرائيل وأميركا كي تقضي على كل الخيارات الأخرى للشعب الفلسطيني. هي كانت تكريساً لمنطق الاستفراد بكل طرف عربي على حدة، بدءاً بأنور السادات وانتهاء بياسر عرفات. لكن عرفات أدرك ذلك متأخراً في الانتفاضة الثانية وحاول أن يحافظ (متأخراً أيضاً) على خيار المقاومة الخجولة (والرمزيّة) عبر «كتائب شهداء الأقصى». لكنه كان محاصراً من قبل جيش العدوّ ومن قبل الأنظمة العربيّة التي تركته وحيداً منذ عام ١٩٩٠. والخروج والدخول إلى مناطق أوسلو يحتاج إلى إذن من قبل العدوّ، كما أن تقدّم المفاوضات على مسارات الحلول المؤجّلة ينتظر موافقة العدوّ وحده. طبعاً، يحاول متقاعدو فريق عرفات، مثل مروان كنفاني، الترحّم على إسحاق رابين والإصرار على أنه كان مُصمّماً على السلام معهم، وأنه لو قُيِّض له أن يحيا لكان قد حرّر بعضاً من ٢٣٪ من فلسطين لهم. أي أن تحرير فلسطين كان في المتناول لولا اغتيال شخص إسرائيلي واحد. ما دليل مروان كنفاني على ذلك؟ يقول كنفاني أن رابين كان متعجرفاً وفظّاً في تعامله مع الفلسطينيّين في المفاوضات وأنه كان يأتي دوماً متأخراً وكان يرفض أن يصافح أحداً منهم. لكنه في آخر لقاء معه كان ودوداً. هذا دليل كنفاني.
لكن مأزق نفق عمليّة السلام أنها باتت الخيار الوحيد أمام الفصائل المؤثّرة في القيادة الفلسطينيّة. مسيرة أوسلو جعلت من حركة «فتح» ذراعاً من أذرع السياسة الأميركيّة في المنطقة، وقوّات السلطة ذراعاً من أذرع الاحتلال. أي إن حركة «فتح» هي غير حركة «فتح» بالأمس التي كانت تمثّل تيّاراً من تيّارات العمل الوطني الفلسطيني الذي يؤمن بالكفاح المسلّح كما يؤمن بالعمل الديبلوماسي1. محمود عبّاس قضى بالكامل على خيار الكفاح المسلّح ليس فقط في حركة «فتح» بل لدى كل الفصائل في مناطق نفوذ الاحتلال ــ بالواسطة. وهناك جيل من حركة «فتح» لا يعرف مرحلة النضال المسلّح بل يعرف عن كثب مرحلة التنكيل بأعضاء حركة «حماس» وبأعضاء كل الفصائل الأخرى التي تفكّر في ممارسة العمل المسلّح. وعمد عبّاس إلى الحفاظ على وشائج قربى مع منظمّات فلسطينيّة تاريخيّة (مثل الجبهة الشعبيّة والجبهة الديموقراطيّة) عبر توزيع الفتات من مناصب ومن ميزانيّات منظمّة التحرير لدعم ما تبقّى من بيروقراطيّات حزبيّة. ولا تستطيع حركة «فتح» تغيير مسارها وإعادة تنشيط خيار الكفاح المسلّح، أو حتى خيار تجميد مسار أوسلو لأن طريقها إلى السلطة ـ المسخ مرّ ويمرّ عبر أوسلو، وهي من دونه لا تحكم (إذا أسمينا خدمة الاحتلال على طريقة أنطوان لحد «حُكماً»). يهدّد محمود عبّاس بوقف «التنسيق الأمني» لكن العدوّ يسخر منه ويقول إن التنسيق الأمني هو لصالحه لأنه يحميه من شعبه وهو يستمرّ حتى لو أعلن عبّاس وقفه. كيف يمكن وقف التنسيق الأمني وخروج ومرور عناصر السلطة الفلسطينيّة يحتاج إلى أذونات إسرائيليّة؟
أما حركة «حماس» فهي في مأزق من نوع آخر. كان ياسر عرفات يلعب على حبال الدول العربيّة ويراهن على عدد من الرهانات في آن واحد، إلى أن وقع غزو الكويت وراهن على انتصار نظام صدّام فكان أن عاقبه النظام العربي الرسمي برمّته، بعدما كان قد قطع مع النظام السوري منذ الثمانينيات، فوجد نفسه من دون معين. حركة «حماس» لم تكن تتحرّك بمرونة عرفات.

تبدو وثيقة «حماس» أنها صك مبادرة للنظام القطري نحو جيرانه ونحو دول الغرب
كانت لصيقة بالنظام السوري والإيراني ثم أصبحت لصيقة بالنظام القطري. لكنها لم تعتنق منهجاً مميّزاً في تاريخها الطويل. إن «وثيقة المبادئ والسياسات العامّة» التي أصدرتها «حماس» قبل أشهر تكرّس تقليدها لخطى «فتح» التي أوقعت القضيّة الفلسطينيّة في ورطة تاريخيّة. من الحسن أن الوثيقة تحدّثت عن تحرير كل فلسطين وعلى حق العودة للاجئين وأنها أصرّت على حق المقاومة، لكنها — في محاكاة للخطاب العرفاتي — تقع في التناقض الذي وقعت فيه حركة «فتح». هي من ناحية، تؤكّد على تحرير كل فلسطين وعلى رفض إسباغ شرعيّة على الكيان الصهيوني، وهي تكرّر رفضها لاتفاقات أوسلو، لكنها تقبل بدويلة على أراضي ١٩٦٧. لكن كيف يمكن قبول هذا الكيان من دون إسباغ شرعيّة على باقي أراضي فلسطين المحتلّة؟ وكيف يتم إنشاء هذه الدويلة من دون التوافق مع العدوّ؟ هذه التوليفة جرّبتها حركة «فتح» وأدّت بها إلى التنسيق الأمني لاحترام حق إسرائيل في احتلال أراضي ١٩٤٨ (وأراضي ١٩٦٧). وكيف ترفض «حماس» مسيرة أوسلو وهي شاركت في الانتخابات التشريعيّة (ما معنى التشريع تحت الاحتلال؟ ألا يكون التحرير أولويّة قبل التشريع في أرض لا سيادة للمشرّعين عليها، وحيث سيادة التشريع في يد الاحتلال)؟ وأليس تسلّم «حماس» السلطة في غزة، والتفاوض مع عبّاس حول الاندماج هو في داخل أوسلو؟ وأليس الكلام عن صفة «الرئيس محمود عبّاس»، والاعتراف بشرعيّته الاحتلاليّة — حتى بعد نفاذ أجلها الاقتراعي — هي قبول بأوسلو؟
وتبدو وثيقة «حماس» أنها صك مبادرة للنظام القطري نحو جيرانه ونحو دول الغرب، أكثر مما هي وثيقة تحرير فلسطيني. والأبرز في الوثيقة أنه هناك بند خاص لتوضيح موقف «حماس» من اليهود ولتأكيد عدم عداء الحركة لليهود كيهود، وهذا حسن خصوصاً وأن ميثاق «حماس» الأوّل استشهد بـ«بروتوكلات حكماء صهيون» (المزّوّرة). لكن، لماذا ترى «حماس» ضرورة لتوضيح موقفها من اليهود، ولا توضّح موقفها من الأقربين الشيعة ومن العلويّين ومن المسيحيّين، خصوصاً أن جماعاتٍ وأفراداً من الحركة نشطوا على مرّ السنوات الماضية في خطاب طائفي مذهبي بغيض. هل للحركة موقف عداء ضد الشيعة والعلويّين والمسيحيّين؟ لماذا اختارت الحركة ان تطمئِن فقط اليهود من بين كل سكّان أرض فلسطين والمشرق العربي؟
هذه مرحلة فريدة في حياة القضيّة الفلسطينيّة. هذه هي المرّة الأولى حيث لا يوجد فيها فصيل يعمل ويخطّط لتحرير فلسطين (على بدائيّة وعدم فعاليّة بعض التجارب الأولى واللاحقة). صحيح أن «حماس» لها فصيل مقاتل وشجاع واستبسل في الدفاع عن غزة بوجه عدوان العدوّ، لكن سيطرة «حماس» في غزة ألزمتها باحترام شرعيّة حدود العدوّ ورفضه لأعمال المقاومة ضدّه. أي أن «فتح» تمنع المقاومة من الضفّة فيما تمنعه «حماس» من غزة. لكن البعض يقارن بوضع جنوب لبنان حيث لا مقاومة تجري هناك. المقارنة هذه غير صائبة لأن معظم أراضي الجنوب تحرّرت بالمقاومة المسلّحة والفصائل الفلسطينيّة المسلّحة في مخيّمات لبنان مشغولة إما بصراعات مذهبيّة أو شلليّة أو بصراعات في الداخل السوري.
لا يمكن الركون إلى البنى والمؤسّسات الفلسطينيّة التي قادت الشعب الفلسطيني إلى أوسلو. إن إهمال منظمّة التحرير الفلسطينيّة كقيادة سياسيّة (تحوّلت بعد تعديل الميثاق الفلسطيني من قبل اللوبي الإسرائيلي إلى أداة لا صلاحيّة لها إلى التصفيق والتطبيل للسلطة الاحتلاليّة الرديفة في رام الله) بات من الضرورات الوطنيّة. ما جدوى مشاركة الفصائل الفلسطينيّة في المجالس السياسيّة (غير التمثيليّة) لمنظمّة التحرير غير إعانة سمعة سلطة رام الله؟
يمكن عقد مؤتمر وطني تأسيسي جديد ينبثق عنه هيئة وطنيّة تحريريّة جديدة. لا يمكن إصلاح منظمّة التحرير من الداخل لأنها مرتهنة لسلطة تأتمر بسلطة الاحتلال. وقد تكون الأولويّة تنظيم فصائل مقاومة جديدة تقطع مع المرحلة الماضية وتتعلّم منها. هناك مَن يُصاب بالعجز في أوساط الشعب الفلسطيني بسبب الاحتلال المزدوج ومعارضة محمد الدحلان (أي معارضة أسواً من سلطة عبّاس)، وبسبب شيوع ثقافة اليأس والرضوخ وتجاهل الشعب العربي لمعاناة شعب فلسطين. وهناك ما هو أسوأ: كل الأنظمة العربيّة من دون استثناء وافقت على وثيقة سلام استسلاميّة أُعدّت في أروقة اللوبي الإسرائيلي في واشنطن. والشباب الفلسطيني واقع تحت ثقالة الإلهاء التلفزيوني أو تسالي الانترنت وألعاب الفيديو، أو تحت تأثير ثقافة السلام والتطبيع التي تضخّها في أوساطه منظمّات الـ«إن.جي.أو» الغربيّة.
يمكن التمثّل بتجربة جورج حبش ووديع حدّاد. رجلان خرجا من النكبة مصمّميْن على تكريس حياتهما لتحرير فلسطين. بدأ جورج حبش في الخمسينيات بتشكيل خلايا صغيرة جدّاً. لم يكن هناك دعم من أي نظام عربي على الإطلاق. وانبثق عن البدايات الصغيرة تنظيم جماهيري عريض، أي حركة القوميّين العرب. تجربة باسل الأعرج مفيدة: الذي تواصل مع باسل يعرف كم كان يعاني من ضيق بسبب غياب خيارات المقاومة. لكن المبادرة مفتوحة أمام عدد صغير من الشباب الفلسطيني، خصوصاً من المخيّمات (أدرك حبش وحدّاد مبكراً أن الطبقة المثقّفة وحدها عاجزة عن مشروع التحرير، ولهذا أنشأ الرفيقان عيادات في المخيّمات الفلسطينيّة في الأردن). ابتعدت النكبة عن خيال الشباب الفلسطيني، وهي كانت المُحفِّز الأكبر للنشاط الفلسطيني الثوري. لكن الشعب الفلسطيني عرف كي يتخطّى مرحلة سياسيّة عاجزة نحو مرحلة سياسيّة جديدة تتعلّم من أخطاء وفشل المرحلة السابقة. نحن أمام مرحلة جديدة من العمل الثوري الفلسطيني. يمكن لهذا العمل أن يبدأ بالاعتراف بفشل المرحلة السابقة (كما أن مرحلة الكفاح المسلّح نبذت مرحلة أحمد الشقيري).
أثبت الشعب الفلسطيني عن قدرات ثوريّة خلاّقة على مدى أكثر من قرن من الزمن. تجاوز مرحلة الحاج أمين الحسيني وبنى عليها مرحلة جديدة، كما أنه بنى على أنقاض مرحلة أحمد الشقيري بعد هزيمة ١٩٦٧. لكن البناء لا يحدث عفويّاً ومن تلقاء نفسه. إن قدرة الشعب الفلسطيني على دفن مرحلة أوسلو يحتاج إلى خلق مرحلة ثوريّة جديدة تعود هذه المرّة إلى الماضي من حيث ميثاق منظمّة التحرير (الموضوع في عام ١٩٦٨) والانطلاق منه لتجديد ثورة فلسطينيّة جديدة لا تحمل أعباء الماضي. لكن الخلق بيد جيل فلسطيني جديد. يستطيع عدد قليل من الشباب (والشابات) تشكيل خلايا ثوريّة جديدة من دون إيعاز من أحد. لكن هل يكون تحرير فلسطين مُلهماً له أكثر من «أراب أيدول»؟
*كاتب عربي-صحيفة الاخبار اللبنانية المقربة من حزب الله




إلى حركة فتح... بِصراحة
 خالد بركات
بصراحة شديدة، لم نعُد قادرين اليوم على إقناع فلسطينيّ مُحترم واحد، أو صديق واحد، بإمكانية عقد مصالحة وطنية فلسطينية، أو تحقيق الوحدة الوطنية، في ظل نهج قيادة حركة «فتح»، الذي وصل إلى حدود التعاون الأمنيّ والسياسيّ مع العدوّ الصهيوني، وأدرك السقوط والعار الشاملين.
بصراحة أكبر، صارت الشتائمُ تطاولنا نحن أيضاً، في الفصائل الفلسطينية الأخرى، لا بسبب قصورنا الشديد فحسب، ولا بسبب عجزنا وتلكّؤنا غير المبرَّرَين أحياناً فقط، بل أيضاً لأننا ندعو إلى الوحدة الوطنية بمشاركة حركة فتح، ولأننا جزء من منظمة التحرير التي نعتبرها «إنجازاً وطنياً تاريخياً». ولكن، بصراحة، أخفقنا في إحداث التغيير الديموقراطي المطلوب أو إصلاح مؤسسات المنظمة التي يقبض على روحها السيد محمود عبّاس وفريقُه.
ربّما من المهمّ اليوم تجديد الدعوة إلى الحوار الوطني الفلسطيني، لكنْ على أساس المكاشفة العلنية، دفعةً واحدةً، وتحت الشمس، أمام شعبنا، لا في الغرف المغلقة، ولا اجتراراً لما سبق من «جاهات عرب». وربّما من المهمّ أيضاً مُخاطبة الإخوة والأخوات، قواعد حركة فتح وأنصارها تحديداً، ومن فيها من المناضلين والمناضلات والأحرار، والقول لهم بشفافية وصدق: إنّ مهمّتكم الأساس هي ردعُ قيادتكم الرسمية لأنها تبيع حقوقَ الشعب الفلسطيني، وتعتدي على كرامة شعبنا في كلّ ساعة، سراً وعلناً؛ ولأنها ـــ بعد الكيان الصهيوني ـــ هي الجهة الفلسطينية الداخلية والمسؤولة عن الكارثة الشاملة التي حلّت بشعبنا وقضيتنا الوطنية.
ليقل لنا الإخوة في حركة فتح، بصراحة متبادلة: كيف يمكننا أن نُدافع، مثلاً، باسم «الوحدة الوطنية»، عن شخص مثل السيّد نبيل شعث، مسؤول العلاقات الدولية في الحركة وعضو لجنتها المركزية، وقد شارك بالأمس فقط في مؤتمر هرتسيليا الصهيوني؟ هذا المؤتمر معدّ لتقديم النصائح والمشورة للعدو ولاستراتيجياته، وشعث يشارك في المؤتمر وهو يتّكئ على فكرة «الشرعية» الزائفة التي لم يعد يصدّقها أحد، ويزعم أنه موجود في هرتسيليا فقط لقراءة «خطاب الرئيس»!
وكيف نبرِّر مثلاً سلوك أخيكم محمد مدني؟ مدني عضو كامل الأوصاف في اللجنة المركزية لحركة فتح، وشغلُه الوحيد هو التطبيع مع العدوّ الصهيوني، واستقدامُ الوفود الصهيونية إلى رام الله، باعتباره مسؤولاً عمّا يُسمّى «لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي». وهذه لجنة مشبوهة وخطيرة، وقد سبق أن طالبت «اللجنة الوطنية للمقاطعة في الأرض المحتلة» بحلّها ومحاسبة مسؤولها غيرَ مرّة وفي أكثر من بيان!
وماذا نقول عن جبريل الرجوب، أحد قادة حركة فتح، والحاصل على أعلى الأصوات في «مؤتمر» الحركة الأخير؟ الرجوب يعتدي على تاريخ شعبنا ومقدّساته في القدس، و«يتبرّع» بحائط البراق إلى العدوّ الصهيوني في مقابلة تلفزيونية مع قناة صهيونية. هل حاسبه أحد؟ من يحاسبه أصلاً؟ توفيق الطيراوي؟ محمود عبّاس؟ وكيف يحاسبه محمود عبّاس وهو (أي عبّاس) المسؤول رقم واحد عن هذا الخراب؟ الرجوب، أيها الإخوة في حركة فتح، يتحدث باسمكم. إنّه شخص لا يحترم عقولكم، ولا يحترم عقولنا، ولا يحترم مقدّسات شعبنا، ولا يحترم قادةَ أسرانا، فلماذا نحترمه؟ وكيف نجلس معه؟ كيف نبرِّر ذلك أمام قواعدنا وأنصارنا؟
وكيف ندافع عن شخص مثل أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي يترأسها محمود عبّاس (رئيس حركة فتح)؟ مجدلاني قال لنا في العام الماضي، لكي يبرِّر مشاركته في مؤتمر هرتسيليا، إنّه ذهب بتوجيهات من «الرئيس». هذا منطقُ مهزومٍ يتّكئ على مهزوم أكبر! مجدلاني يعتقد أنه يصبح شرعياً إذا تحدث باسم محمود عباس، ويمكنه أن يحتمي بحركة فتح ليمارس التطبيع. أليست مسؤوليتكم، أيها الإخوة، أن تردعوه وتمنعوه من التحدث باسمكم؟ أمْ أنكم صدّقتم أنكم مجرد «ضحية من ضحايا السلطة»؟
ولكنْ مَن يصدّق أنّ قيادة حركة فتح، التي تهيمن على كلّ المؤسّسات الفلسطينية والأجهزة والوزارات والسفارات والمال والقرار السياسي والمنظمة والسلطة، ضحية؟ هل حقّاً تريدوننا أن نصدق أن «المشكلة» الفلسطينية الداخلية تتلخص في حركة «حماس»؟!
حركة حماس هذه عندها ألف مشكلة، وخمسون خطيئة، على الأقلّ، آخرها هذه الوثيقة البائسة الجديدة التي لا تختلف كثيراً عن بدايات استسلام منظمة التحرير منذ عقود. ومن حقّ، بل واجب، كوادر حماس، كما من حق وواجب كوادر «الجبهة الشعبية»، وكلّ فصيل آخر، محاسبة قيادته حين تتراجع أو تهادن المحتل أو تغامر وتقامر. لكنّ مسؤولية السلطة، التي تحتمي بحركة فتح، أعظم لأنها أسقطت البرنامجَ الوطني برمّته، ناهيكم بأنّها حوّلت حركة فتح ومنظمة التحرير إلى مزرعة خاصة، برئاسة مختار جديد، بعدما ورثهما عن الختيار الشهيد!
ثم يقولون لنا إن «المشكلة» في دحلان وجماعته. هل المشكلة في دحلان فعلاً؟
بالطبع، محمد دحلان قابلٌ لارتداء كلّ صنوف العار والتنازل. لكنْ لا تنسَوا أنّ هذا الانقسام في حركة فتح هو إنتاجُكم أنتم، وصنيعةُ نهجكم أنتم. الهجوم على دحلان لا يعطي فاسداً آخر «صكًّ استقامة» أو «صكّ غفران وطني»! فالأمر كلُّه أنّ فاسداً يهاجم شريكَه الفاسد، الذي صار الآن غريمَه، أو منافسَه، الذي «يُضارب» عليه في كسب رضى الأنظمة وأجهزة المخابرات وبراميل النفط. كأننا إزاء ديكة مذعورة، تتصارع على جيفةٍ في مزبلة!
أليس من المعيب جداً، بل من العار، أن يقضي رئيسُ السلطة الفلسطينية ساعات في الحديث عن كهرباء غزّة وعن قطع الرواتب، وكأنّه يدفع للناس من ماله الخاص؟!
لقد مسخوا القضيّة المركزية للأمّة، اذ أوصلوها إلى تناحر على «سلطة» زائفة، وعلى من يكون أكثرَ ملاءمةً لموقع «التابع» لهذا المحور أو ذاك. واليوم يحاول السيّد عبّاس أن يهندس، على مقاسه، دورةً للمجلس الوطني الفلسطيني في رام الله... وتحت حراب الاحتلال!
لقد طفح الكيل، ولم يعد هناك ما يجمع بين رؤية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وبين محمود عبّاس وفريقه. فالحقّ أنّ أيّ إطار وطني وحدوي وديموقراطي يستمدّ شرعيته من ممارسة مقاومة الاحتلال ومقاطعته، ومن البرنامج السياسي الذي يصوغه شعبُنا بإرادة وطنية حرة. ومثل هذا الإطار الوطني الجبهوي الموحّد يصعب تحقيقُه اليوم في ظل وجود القيادات الفاسدة التي تسيطر على مؤسسات السلطة والمنظمة؛ ذلك لأنّ وجودها في المشهد سوف يعني إعادة إنتاج الأزمة، وحرثاً في المستنقع ذاته!
إنّ مَن وقّع اتفاقَ أوسلو الكارثيّ، وجلَبَ كلَّ هذه المصائب والكوارث لشعبنا، ودَمّر مرتكزات برنامج الإجماع الوطني الفلسطيني، لا يمكن أن يكون اليوم مؤتمَناً على إعادة الروح إلى المشروع الوطني التحرري الديموقراطي، ولن يكون في وسعه أن يكون مكوِّناً أصيلاً وطبيعياً في برنامج ثوري قائم على تحقيق العودة والتحرير والاستقلال الناجز فوق كامل ترابنا الوطني.
* قيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

لغز الوطن ... كلمة السرِّ وشيفرة الحلِّ المفقود
د.احمد يوسف
 12/8/2017
كلما أوشكنا على الاقتراب من المصالحة وانهاء الانقسام، تفاجأنا بأن هناك أصابع خفية أرجعتنا إلى مربع المراوحة في المكان!!
من يا ترى المسئول عن ذلك، أهو شخص أم جهة أو واجهة مجهولة - ولكنها متنفذة - تعود لكلٍّ من فتح أو حماس؟!
أم أن اللعبة لا تسمح قوانينها بالتقدم كثيراً للأمام.. وبالتالي، نجد أنفسنا مع كل شوط قطعناه باتجاه شاطئ الأمان وأمنيات الفرج، تسحبنا رياح الصراع بسرعة من جديد باتجاه بحر الظلمات، وتشدنا بقوة إلى فوهة النفق، حيث تتزاحم هناك حالات الإحباط واليأس والألم، ويتبدد كل ما توقعناه وانتظرناه من البشريات والأمل؟!.
إن مسيرتنا كشعب فلسطيني وكفصائل وتنظيمات لم تكن يوماً مستقرة، أو تشهد على أننا كنا أهل رأي وقرار واحد، بل مجموعة متشاكسة لم تنتظم صفوفها، وإن سلَّم أكثرهم - في مرحلة تاريخية - زمام القيادة لحركة فتح، وانضوى تحت مظلة منظمة التحرير، ورضى بما أسداه عليه الأخ القائد أبو عمار (رحمه الله) من فضائل الكوتة ونعيمها المقيم.
كان ياسر عرفات (رحمه الله) أفضل من أدار العمل الوطني، وأنجح من هندس علاقات الفصائل، بحيث تعمل معه بالتزام وحيوية وصمت، وأن تظل الخلافات محصورة دائماً داخل البيت الفلسطيني، حتى لا تهتز شباك الثقة - محلياً وإقليمياً - بمنظمة التحرير.
في الحقيقة، كان ياسر عرفات رجل المرحلة وقبطان السفينة الحكيم.. نعم؛ اختلف البعض معه وتحدى سلطانة أحياناً، لكنه كان يعرف كيف يعيد الجميع إلى دائرته، ويحفظ بذلك توازن السفين.
منذ غاب ياسر عرفات (رحمه الله) لم يملأ أحد الفراغ الذي تركه، بل تعاظمت الخلافات وتردت الأوضاع، وافتقدنا منهاج وحكمة الرجل الرشيد.
في عام 2005 كان اتفاق القاهرة، واعتقد الجميع بأن الطريق غدت ممهدة لبناء نظام سياسي فلسطيني جديد قائم على التوافق الوطني، بحيث يكون لكل فصيل أو تنظيم مكانته ودوره في الحياة السياسية والنضالية، وانتظرنا تطبيق ذلك، حيث كانت حركة حماس قد دخلت مضمار التنافس، وأصبحت الطريق أمامها ممهدة لدخول منظمة التحرير.
ولكن – للأسف- كان هناك من يضع العراقيل ويعطل المسيرة، ويتعمد دفعنا إلى مربعات التوجس وتعميق الخلاف.. ربما كان "اتفاق القاهرة" هو من هيأ الأسباب، وشجَّع الأطراف الفاعلة في الساحة الفلسطينية - بترتيبات مصرية ورعاية دولية - للذهاب للانتخابات، حيث كان لكل طرف حساباته ورهاناته المختلفة.
لم يكن أحد – بالطبع - يتوقع ما خرجت به نتائج الانتخابات التشريعية، ولذلك كان هول الصدمة كبيراً، وتسبب في إصابة البعض بحالة من فقدان التوازن والعمى السياسي، حيث غابت عملية الاستيعاب والتفكير في العواقب.
في نهاية شهر آذار 2006، شكلت حركة حماس حكومتها، وكانت مزهوة بالنجاح الباهر الذي أحرزته في تلك الانتخابات التشريعية، ولم يكن يخطر ببال قيادتها في الداخل حجم التآمر الذي ينتظرها، كونها دخلت على خط العمل السياسي بدون خبرة أو تجارب سابقة، واعتقد البعض من قيادات الحركة بأن أبواب العواصم العربية والإسلامية ستفتح أمامهم كي يطأوا بأقدامهم عتبات القصور، ويدخلوا على الرؤساء والملوك بقوة، ليتلقوا من فيض عطاياهم، ومن نِعم البترودولار، وبذلك تنفك الأزمة الاقتصادية الضاربة الأطناب، ويتنعم أهل فلسطين بالخير الوفير!!
الجدير ذكره، أن حماس كحكومة تحركت باتجاه الدول العربية والإسلامية، ولكنها وجدت أن الكثير من قلوب الذين ناشدتهم على المستوى الرسمي كانت غُلفاً، وكان ترحيبهم لها على استحياء، ثم سرعان ما بدأت بعض البلاد بنقض العهد والتحريض على الحركة، في محاولة بائسة لإفشال التجربة، وإغراق سفينتنا قبل أن تبلغ شاطئ الأمان.
قد نكون أخطأنا في لعبة السياسة، وهذا أمر وارد، لغياب الخبرة والتجربة وتفص الوعي لمتطلبات الحكم، وطريقة إدارة علاقاتنا المحلية والإقليمية والدولية، فكان أن عثرت بنا الأقدام، وتحقق لأهل المكر والمكائد ما كانوا يخططون له، حيث أخذتنا جميعاً "حميَّة الجاهلية"، وتجرأنا ببلاهة على دماء بعضنا البعض، ونجح شياطين الإنس في تهيئة الظروف لمحنتنا الوطنية، حيث سالت دماء الجميع من فتح وحماس في حزيران 2007، وذلك في مشهد مأساوي حزين، سيظل – بلا شك - يطارد ذاكرتنا جميعاً كفلسطينيين.
منذ ذلك الحين، وحتى وقت قريب، كانت لغة العداء والتحريض والتشهير هي السائدة بيننا، حيث ولغنا سياسياً في أعراض بعضنا البعض، بعد أن عبأنا النفوس بالحقد والكراهية، وقام كل واحد منا بإلباس الآخر ثوب الشيطان!!
مشوار طويل قطعناه في اتجاه تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، حيث احتضنتنا مصر الشقيقة في العديد من اللقاءات وجولات الحوار، وأنجزنا في كنفها ورقة المصالحة في عام 2011، واستبشرنا خيراً؛ لأن مصر - التي في خاطري - هي الدولة المركزية بالمنطقة، وهي الأقرب - اجتماعياً وثقافياً - لقلوبنا جميعاً، وهي تمثل بمعبرها شريان الحياة لقطاع غزة.
للأسف؛ يبدو أن شيفرة الحل وكلمة السر لم يكن يمتلكها أحد في كل الذين تحاورا في القاهرة، فعدنا بعد انتكاسة الربيع العربي إلى حظائر الخيل ومربعاتها التي لا تصهل.
بعد مصر، حاولت قطر مشكورة الدخول على خط المصالحة، وتوظيف إمكانياتها المادية في تليين مواقف الطرفين؛ فتح وحماس، واجتهدت تركيا كذلك بما لها من دالة ومواقف على الجميع في الساحة الفلسطينية التقريب بينهما، وتم توجيه الكثير من النصائح والكلمات الطيبة، والتحذير من مغبة الانقسام على الشعب والقضية، ولكن يبدو أن الجميع انطبق عليه القول: لقد اسمعت لو ناديت حياً..!!
ومع اتساع رقعة الخلاف ، وإخفاق كل المحاولات لكسر مزاجية الطرفين، واسترضائهم بكل الوسائل والطرق، إلا أن شقة الخلاف – للأسف - ظلت تتسع، وإن كان البعض يحاول إعطاء الانطباع أن الفرصة ما زالت قائمة أمام جهود الوساطة، فيما الحقيقة أن التهرب من اللقاء والمواجهة على طاولة الحوار هي ديدن الطرفين؛ فتح وحماس.
في الواقع، كانت المشاهد المتعلقة بالتحركات والمبادرات الخاصة بملف المصالحة الوطنية تترآى أمام أعين النخبة الفلسطينية، وهي تؤكد لها - يوماً بعد يوم - أن الطرفين يتكاذبان، والكل يراهن على الوقت، وأن تعمل متغيرات الظروف لصالحه، فيما الشعب يضغطه - بلا رحمة - الجوع والقهر، وتطحنه مسغبة الفقر، وضرورات الحاجة للحد الأدنى من العيش الكريم.
أنا هنا لا أعفي أحداً مما عليه من مسئولية وأمانة وطنية، لا فتح ولا حماس، لا هنية ولا عباس، فكل الأطراف يلحقها شيء من الإدانة والاتهام، حيث أثقلنا على شعبنا الأحمال، حتى غاصت من عظامه النواصي والأقدام.
وبدلاً من أن يشجعنا هذا الصمود البطولي في وجه المحتل الغاصب في عدوانه الاخير على قطاع غزة لاتخاذ خطوات تُقرب المسافات بيننا، وتقودنا إلى المصالحة والتسليم بأن الخيار الوحيد أمامنا جميعاً للحفاظ على وجودنا، وحماية شعبنا، هو الشراكة السياسية والتوافق الوطني، ظلت المناكفات والاشتراطات هي الرسائل المتبادلة بيننا. مع إعلام هزيل، يعمل – للأسف - طوال الوقت على تأجيج صور المواجهة المستعرة، وذلك بصب الزيت على نار الخلافات القائمة وتصعيدها!!
إن انعدام الرؤية وعمى البصيرة التي أصابت الجميع قد حرمتنا من تجاوز صفحات الخلاف بيننا، وكانت المكابرة وشعور التعالي والعزة بالإثم قد ساقتنا بعيداً عن أهدافنا الوطنية، حتى تعمقت بيننا الخصومة وتاهت بنا السبل.
تفاهمات بانتظار التمكين: مصر ودحلان وحماس
بالرغم من كل الجدل القائم حول التفاهمات التي أجرتها حركة حماس مع القيادة المصرية، وكذلك مع النائب محمد دحلان، وصاحبتها حالة من التفاؤل والأمل بين أهلنا في قطاع غزة، إلا أن ما ينتظره الشارع الفلسطيني هو أن تكون مثل هذه الخطوة مدخلاً لاجتماع شمل الكل الوطني، وليس فقط حالة اصطفاف لتكريس الانقسام.
إن الذي أعرفه أن هناك رغبة حقيقية لدى قيادة حركة «حماس بتوحيد الجهد والرؤية مع تيار دحلان، بهدف النهوض بقطاع غزة، وإخراج أهله من الحالة الكارثية التي فرضها الحصار عليهم، والعمل على ترتيب الأوضاع لتحقيق الأمن والاستقرار، ثم بعد ذلك استكمال عملية إصلاح البيت الفلسطيني، عبر إجراء انتخابات في إطار تفاهمات أوسع حول الشراكة السياسية، وأليات عمل منضبطة وفق قواعد التوافق الوطني.
نعم؛ قد نشهد اليوم حراكاً موسعاً ومبادرات من هنا وهناك، ولكنَّ المحصلة - للأسف – صفر، حيث إن كل ما نشاهده هو عملية مفتعلة لاستنباتٍ البذور في الهواء!!
حسرة وأكثر من همسة عتاب!!
إن من يريد أن يستنهض شعبه، ويعيد توجيه البوصلة باتجاه الوطن، فإن عليه أن يتحمل أذى كل من يقود برؤية قاصرة وعيون معصوبة، لا يرى من خلالها – للأسف - إلا إلهامات الحزب وأفكار التنظيم، أما الوطن فيتأخر عنده خطوة أو خطوتين ليفسح المجال لخطاب الفصائل والتنظيمات!!
لعل هذا هو اللغز، ومكمن الخطيئة في كل ما نشاهده من تخبط وعثرات في مسيرتنا السياسية، وكذلك هذا التراجع الملحوظ في مكانة القضية الفلسطينية، حيث قدَّم كل منَّا أجندته التنظيمية وأولوياته الحزبية، فيما نداء الجماهير وهتاف الشارع، الذي تلهج به الحناجر: "نموت وتحيا فلسطين"!!
إن كلمة السر وشيفرة الحل من هذا المأزق المأساوي هي أن يتقدم الوطن على الحزب والفصيل والتيار، وأن يتم ترشيد خطابنا السياسي والثقافي فلا يحمل إلا اللغة التي تشدنا باتجاه البوصلة، لتحقيق هدف شعبنا وأمله المنشود.
وحتى يتم ذلك في ظل ما نشاهد من صراعات هي أشبه بعراك القبيلة، نحتاج إلى امتلاك الشيفرة، والتأكد من حصولنا على كلمة السرِّ، والتي يبدو أن شاعر الوطن المبدع محمود درويش قد أدرك ما جهلناه منذ زمن طويل، حين قال: "سنصير شعباً حين ننسى ما تقول لنا القبيلة"، دعونا نأتي بالتحرير أولاً، ونمتلك الوطن، ثم خذوا ما تشاؤون من الغنائم والمناصب والألقاب.
هذا هو السرُّ، وهذه هي كلمته: الوطن أولاً، والوطن ثانياً، والوطن ثالثاً، ثم الحزب إن شئتم يأتي رابعاً أو خامساً.
ختاماً.. لقد حاول الحراك الشعبي المسمى "وطنيون لإنهاء الانقسام"، من خلال النداء الذي أطلقه باسم القدس، إيصال رسالة قوية لطرفي الأزمة بتقديم مبادرة تتجاوز لغة الاشتراطات، التي عادة ما تشكل عقبة كأداء أمام التوصل لأي اتفاق، وتتلخص سطورها في التالي: دعوة حركة حماس لحل اللجنة الإدارية في غزة، بالتزامن مع إلغاء الإجراءات العقابية التي اتخذتها السلطة الوطنية تجاه قطاع غزة، إضافة لدعوة الرئيس أبو مازن البدء بإجراء المشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية، واستئناف عمل اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني، وبما يضمن مشاركة جميع القوى في صياغة القرار الوطني وتحمل مسؤولياتهم الوطنية داخل المؤسسات الوطنية الجامعة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، ودعم واسناد المقاومة الشعبية، كما دعا النداء، الذي تقف خلفه المئات من الشخصيات والإطارات القيادية، لتطبيق عناصر المبادرة رزمة واحدة.
للأسف، مثل هذه النداءات رغم كثرتها وجديتها وإخلاص الجهات التي تطلقها، إلا أنه يتم تجاهلها، وتعمد تطنيشها من قبل طرفي الأزمة؛ لأن واقع الشعب المطحون لا يبعث في قلوب أيٍّ منهما الخوف أو القلق، ولا يشكل بالطبع تهديداً حقيقياً لكلٍ منهما.
الأمر الذي يعني انعدام الرؤية، والبقاء المتقلب داخل النفق المظلم، وبالتالي استمرار حالة المراوحة القاتلة في المكان، بانتظار صعقة قادمة أو انفجار!!
ختاماً.. إن المخرج من هذه الحالة السريالية التي أزهقت منا الأرواح، وتوشك إذا ما استمرت أن تأخذنا في ملهاة قاتلة جديدة، محفوفة بالمكاره والأخطار.. ولذا فإن علينا البحث وقبل فوات الأوان عن طريق ثالث، والذي حاول الصديق هاني المصري؛ مدير مركز مسارات، تلخيصه بالقول: "إذا كانت الوحدة مستبعدة - رغم أنها ضرورة - حتى إشعار آخر، فما الحل إذًا؟ الحل يكمن في ظهور طرف ثالث يحمل رؤية وبرنامجًا عابراً للفصائل، ومنتشراً في جميع أماكن تواجد الشعب الفلسطيني (ليس حزباً جديداً وإنما تيار وطني عريض، يضم كل المتضررين من استمرار الانقسام، والحريصين على حماية القضية والشعب والأرض، ويشكل أداة ضغط تكبر إلى حد يمكن معه فرض إرادة ومصلحة الشعب بإنجاز الوحدة، ويكون هدفه إنقاذ القضية قبل فوات الأوان. فليس صحيحاً أن الوحدة لا يمكن أن تتحقق بإرادة الفلسطينيين - مع إدراك التأثير الهائل للأطراف الخارجية-، خصوصًا أنها لا تتخذ موقفاً واحداً، وإنما هناك تنافس مستعر بين محاور مختلفة عربية وإقليمية ودولية، ويمكن توظيفه إذا توفرت القناعة والإرادة الفلسطينية".
إنني أتفق مع هذا القول، وأنادي بضرورة تشكيل جبهة وطنية تمثل هذا الطريق الثالث، والذي إذا ما خرجنا للإدلاء بأصواتنا في الانتخابات القادمة، فإنها ستكون صاحبة الفوز والكسب الكبير، الذي سينعقد به شمل الإجماع الفلسطيني، ضمن شراكة سياسية وتوافق وطني، يتحرك ضمن مساحات التفاهم والعمل المشترك، التي بدأنا ندرك أنها كثيرة، إذا ما صدق العزم ووضح السبيل.

انتهى الملف
مركز الانطلاقة للدراسات
آب أغسطس 2017

Developed by