Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

في رد البغي نصر

 " وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ"
صدق الله العظيم

النموذج الفرنسي في التعددية الثقافية

نشر بتاريخ: 2017-06-19

 
في فرنسا تعتبر سياسة الاستيعاب أو الاندماج الفرنسية نقيضاً للتعددية الثقافية، التي رفضها الساسة الفرنسيون. وخلافاً لبقية الدول الأوروبية، يُصر أولئك الساسة على أن فرنسا تعامل الجميع كمواطنين وليسوا أفراداً في مجاميع عرقية أو إثنية أو ثقافية معينة. إلا أن الواقع يشير إلى أن فرنسا مقسمة اجتماعياً كما هي ألمانيا أو بريطانيا وبالطريقة ذاتها. في يناير الماضي أثيرت العديد من الأسئلة المتعلقة بالسياسة الاجتماعية الفرنسية والتقسيمات الاجتماعية للبلاد، عندما قتل مسلحون إسلاميون 12 شخصاً في مكاتب المجلة الساخرة «شارلي إبدو» وأربعة من اليهود في سوبر ماركت. حمّل الساسة الفرنسيون التعددية الثقافية دائماً المسؤولية في دعم المتطرفين في بريطانيا. وعليهم الآن تقديم الإجابة لما حدث في فرنسا البلد الذي يؤمن باستيعاب الأجانب.

هناك نحو ستة ملايين مسلم في فرنسا، ويمثلون أكبر جالية مسلمة في أوروبا الغربية، وحسب نتائج دراسة أجرتها مؤسسة «إيفوب» [IFOP] عام 2011، فإن 40 في المائة فقط يعتبرون أنفسهم مسلمين ملتزمين، و25 في المئة منهم يؤدون صلاة الجمعة، وعلاوة على ذلك فإن الفرنسيين من أصول شمال أفريقية كثيراً ما يوصفون على أنهم مهاجرون. في الواقع، فإن أغلبية هؤلاء هم الجيل الثاني من المواطنين الفرنسيين، ولدوا في فرنسا مثل بقية الفرنسيين ومثل جميع مناصري «الجبهة الوطنية». إن إطلاق صفتي «مسلم» و«مهاجر» على مواطنين فرنسيين من أصول شمال أفريقية ليس بمحض الصدفة، إنما هو جزء من عملية تقوم بها الدولة لعزل هؤلاء عن المجتمع الفرنسي. وكما هو الحال في بريطانيا، فإن الجيل الأول من المهاجرين الذين حطوا الرحال في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية واجهوا عنصرية كبيرة، إلا أن الجيل الثاني لم يكن مستعداً لقبول التمييز الاجتماعي، والبطالة، ووحشية الشرطة. نظموا من خلال منظمات معظمها علماني تظاهرات تميزت أحياناً بالعنف. أعمال الشغب التي اجتاحت المدن الفرنسية في خريف عام 2005 كشفت العديد من عورات المجتمع الفرنسي، مثلما حدث في المدن البريطانية قبل عقدين من الزمن.




لقد فاقمت السياسات الاستيعابية الفرنسية من شعور العزلة بمجتمعات الطبقة العاملة التقليدية. استخدم الجغرافي الاجتماعي «كريستوفر قويلوي» مصطلح «فرنسا المهمّشة» ليصف هؤلاء «المدفوعين للخارج عن طريق التحسين وتصفية الصناعات في المناطق الحضرية»، والذين «يعيشون بعيداً عن المراكز الاقتصادية ومراكز صانعة القرار، وفي حالة من عدم الاندماج الاجتماعي،» فهم بالتالي «يشعرون بالتهميش». ظهور فرنسا المهمشة أساساً كان نتيجة للتطورات الاقتصادية والسياسية. لكن ككثير من المجتمعات الشمال أفريقية في البلاد، فقد أصبحوا يرون تهميشهم من خلال عدسة الهوية الثقافية والإثنية. بناءً على استطلاع «آيبسوس»، فإن 7 من كل 10 أشخاص يعتقدون أن هنالك «الكثير من الأجانب في فرنسا،» و74 في المئة يعتبرون الإسلام غير متوافق مع المجتمع الفرنسي. إن تقديم الإسلام كتهديد للقيم الفرنسية لم يقو الدور السياسي للثقافة فحسب، بل شحذ خيبة الأمل الشعبية جراء السياسة السائدة.
وبناء على المعطيات السابقة، وبسبب «فشل سياسات الإدماج الحكومية اتجاه الجاليات العربية والإسلامية على الخصوص، فإنه ليس صدفة أن يلجأ بعض الشباب الفرنسي إلى الجماعات الإسلامية، السياسية و»الجهادية«، وهم بذلك يعبرون عن سخطهم تجاه هذه المفارقة الفرنسية: واكبت عملية توقف الصناعات، عملية إعادة استيلاء الطبقات الغنية لممتلكاتها في قلب المدن بإعادة إصلاحها وتطويرها، وبالتالي إجبار الفقراء الذين ظلوا ولعقود يعيشون فيها على الخروج منها إلى خارج المراكز الحضرية، أي إلى الضواحي بعيداً عن الثقافة السائدة الغالبة على المجتمع الفرنسي، مما أدى لشعور تلك الطبقات الفقيرة بمرارة التهميش وأنها منبوذة من السياق الاجتماعي العام».


 
د. محمد البشاري
Developed by