Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

في رد البغي نصر

 " وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ"
صدق الله العظيم

أبو حامد الغرناطي صاحب كتاب "تحفة الألباب ونخبة الإعجاب"

نشر بتاريخ: 2017-06-19

 
ملخص المقال

أبو حامد الغرناطي رحالة الغرائب والعجائب، صاحب كتاب تحفة الألباب ونخبة الإعجاب، واحد من مشاهير الرحالة الأندلسيين، فماذا تعرف عنه؟ أبو حامد الغرناطي
أبو حامد الغرناطي الأندلسي (473 - 565هـ = 1080 - 1170م)، واحد من مشاهير الرحالة والجغرافيين الأندلسيين، وهو صاحب كتاب "تحفة الألباب ونخبة الإعجاب"، وكتاب "المُغْرِب عن بعض عجائب المَغْرِب"، وغيرهما، دوَّن فيها مشاهداته في بلاد المغرب والأندلس والشام ومصر، ويحظى ما كتبه عن بلاد روسيا والفولغا والمجر بأهمية بالغة.

 


 
أ.د. راغب السرجاني 

نسبه ومولده

هو أبو حامد وأبو عبد الله ابن أبي الربيع محمد بن عبد الرحيم بن سليمان بن الربيع بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الصمد، المازني القيسي الغرناطي الأندلسي، القيرواني الأصل، الرحالة الجغرافي.

 

ولد أبو حامد الغرناطي بمدينة غرناطة جنوب الأندلس عام 473هـ / 1080م، وفيها نشأ، وتلقّى تعليمه حتى بلغ سنّ النضج، وأخذ العلم على مشايخ عصره وبلده، منهم: أبو عبد الله محمد بن أحمد الرازي، ومرشد بن يحيى المديني، وهبة الله بن الحسين، وطائفة. روى عنه: الشيخ علي بن إدريس الزاهد، وأبو القاسم بن صصرى، والحسن والحسين ابنا الزبيدي، وأبو محمد ابن الأستاذ، والعلامة عماد الدين أبو حامد بن يونس الإربلي، والشيخ شرف الدين أبو العز البلوي، وغيرهم.

 

قال الصفدي: "وكان شيخا فاضلا أديبا، صنف كتابا في العجايب التي شاهدها بالمغرب". وقال المقري: "وكان حافظًا عالمًا أديبًا، وتكلم فيه الحافظ ابن عساكر، وزنّه بالكذب، وقال ابن النجار: ما علمته إلًا أمينًا". ومن شعره:

تكتب العلم وتلقي في سفط *** ثم لا تحفظ لا تفلح قط

إنما يفلح من يحفظه *** بعد فهـم وتـوق مــن غلط

 

وله:

العلم في القلب ليس العلم في الكتب *** فلا تكن مغرما باللهو واللعب

فاحفظه وافهمه واعلم كي تفوز به *** فالعلم لا يجتنى إلا مــع التعب

 

رحلات أبي حامد الغرناطي

وقد عُرف أبو حامد الغرناطي بالذكاء والتدقيق في الملاحظة، ولم يصل إلى سن السابعة والعشرين حتى غادر بلاده في رحلته الطويلة في المشرق الإسلامي والذي لم يعد منه حتى وافاه الأجل. وهي على النحو التالي:

 

رحلته إلى مصر

رحل ابن أبي الربيع أبو حامد الغرناطي حوالي سنة 500هـ / 1106م واتجه نحو المغرب الأقصى، ودخل سجلماسة ثم انتقل إلى تونس، وركب البحر منها إلى الإسكندرية، فوصلها سنة 508هـ ليتّصل بعلمائها، ويأخذ عنهم، فأخذ عن أبي عبد الله الرازي وأبي بكر الطرطوشي، ثم انتقل بعدها إلى القاهرة للسّبب نفسه، إذ من المرجّح أنّه كان يُعدُّ نفسه لرحلة طويلة بضاعته فيها الفقه وعلوم الدين، لذا يُعْتَقدُ بأن رحلته الأولى إلى مصر كانت بقصد الاطلاع والتزود بالمعارف الدينية. ثم عاد أبو حامد إلى الأندلس، ولكنّه لم يقم فيها طويلًا، إذْ غادرها سنة 511هـ / 1117م. ولم يَعُد إليها البتّة. فكانت السنوات الأربع والخمسون المتبقية من حياته ارتحالًا مستمرًّا موصولًا برحلته الأخيرة إلى جوار ربّه.

 

رحلته إلى مصر عبر سردينية وصقلية

حرص الغرناطي في رحلته الثانية عام 511هـ / 1117م على أن يعود إلى مصر بطريق البحر"فمرّ بجزيرة سردينية، فصقلية، إلى أن وصل إلى الإسكندريّة، ثم القاهرة، ممّا يدلُّ على أنَّه لم يقضِ وطره من مصر، فأقام بها زمنًا لينتقل بعدها إلى بغداد. وفي مصر قدم لنا وصفا جميلًا عن جامع عمرو بن العاص وآثار مصر ومسجد بناه الخليفة المأمون وسط النيل ووصف الأهرام والتمساح.

 

رحلته إلى بغداد

 انتقل أبو حامد الغرناطي من مصر مرتحلا إلى ثم وصل الى دمشق ودرس فيها الحديث ثم انتقل الى بعلبك وتدمر، ثم وصل إلى بغداد في عام 516هـ / 1122م. وتذكر الموسوعات أنه قد استقر في بغداد أربع سنوات، ومما لا شكَّ فيه أن إقامة الغرناطي في بغداد لا تختلف في مغزاها عن إقامته في القاهرة أو الإسكندرية من حيث السعي إلى الإفادة من علمائها، والأخذ عنهم. فحضر هناك دروس المحدث الكبير أبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش، وكذلك أبي صادق مرشد بن يحيي المديني، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي. وكان الغرناطي في بغداد تحت رعاية الوزير الأديب الفقيه يحيي بن هبيرة الذي عُرِف بحبّه للعلم، ورعايته لأهله.

 

رحلته إلى قزوين

توجَّه الغرناطي إلى الأصقاع الشمالية بعد أن ناهز الخمسين من العمر، فمرَّ بأبهر إيران سنة عام 524هـ / 1130م.  ثم عبر قزوين شمالي إيران، ويذكر القزويني في تاريخ قزوين أن أبا حامد "كان له معرفة بالعربية ونظم لا بأس به وخط كما يكون"، وذكر أنه سمع بها وسُمع منه مسند أحمد بن حنبل وصحيح البخاري والتاريخ الكبير للبخاري والكنى والأسماء لمسلم بن الحجاج، وذكر القزويني أنه وجد له بخطه:

قد اختلف الروافض في علي *** كما اختلف النصارى في المسيح

وكلهم على التحقيق يهذي *** وما عثــروا على المعنى الصحيح

 

إلى بلاد المجر والبلغار

انتقل أبو حامد الغرناطي من قزوين متَّجهًا إلى البلاد الروسية، فوصل إلى سخسين (سجستين) وهي مدينة على مصب نهر الفولغا (الفولجا) عام 525هـ / 1131م. وفي أثناء إقامته في تلك البلاد قام برحلات ثلاث إلى خوارزم أوزبكستان. ثم وصل إلى بلغار روسيا سنة 530هـ / 1135م، وبعدها توجّه إلى باشغرد التي يرجّح الباحثون أنَّها في بلاد المجر حيث امتلك فيها منزلًا، عام 545هـ / 1150م، وفيها تزوّج ولده الأكبر حامد بسيدتين من أهل تلك البلاد، ولا نعلم شيئًا عن الملابسات التي قادت ولده الأكبر إلى تلك الأراضي، واختيارها مقرًّا للإقامة الدائمة.

 

الغرناطي والدعوة إلى الإسلام بأرض روسيا والمجر

وبطول مقامه بأرض روسيا صار أهلها المسلمين يسألونه في أمورهم، ويحكي في كتابه التحفة ما وقع له في سجستين من أن فقيرا عثر على سوار من ذهب وبحث عن صاحبه فلم يجده، فسأل أبا حامد فأفتاه بأنه حلال له، فامتنع الرجل، فقال له أبو حامد: افد به الأسرى من أيدي الترك، ففرح وقال: بارك الله عليك، فرجت عني كربة. فقلت: أو ليس هنا من أهل العلم من يأمرك بمثل هذا، فقال: ها هنا من أهل العلم من يقول: أعطنا إياه نحن نعرف ما نصنع به، وإنما يريدون أكله. وقد استقر أبو حامد بهذه البلاد طويلا حتى اتخذ فيها دارا وأولادا. ويتكلم عن سكانها ومنهم مغاربة فيقول: "وفي المدينة -أي سجستين- من هم التجار والغرباء وأولاد العرب من المغرب آلاف لا يحصى عددهم"، وهذه إشارة لها قيمتها لمن يريد أن ينطلق منها نحو دراسة هجرات المغاربة إلى بلاد أوربا الشرقية والوسطى وآسيا الغربية والشمالية.

 

وعن دعوته للإسلام والعربية بين أهل تلك البلاد، يقول: "ولما دخلت بين أولاد المغربة أكرموني وعلمتهم شيئا من العلم، وأطلقت ألسنة بعضهم بالعربية، وكنت أجتهد معهم في الإعادة والتكرار في فرائض الصلاة وسائر العبادات، واختصرت لهم الحج وعلم المواريث حتى صاروا يقسمون المواريث".

 

ويذهب حسين مؤنس إلى أن هؤلاء المغاربة من الجماعات التي كانت تقوم بالغزوات على شواطئ أوربا الجنوبية وتستقر في مراكز توالي غزواتها منها لتنطلق بعد ذلك أوربا تعمل لحسابها الخاص أو تدخل في خدمة الدول القائمة. وهذه وجهة نظر، ولها نصيب كبير من الصواب ويبقى على الباحثين واجب البحث عن هؤلاء حتى يتم التعرف عليهم.

 

ولاشك أن المهمة الكبرى التي اضطلع بها أبو حامد هي إنقاذه لهؤلاء الآلاف من المغاربة ونشره للإسلام بينهم من جديد، وكان من نتيجة ذلك كما يقول: "فعددهم اليوم أكثر من عشرة آلاف، وكان يخطب في يوم الجمعة ظاهرا وباطنا لأن ولايتهم عظيمة". وقد ارتفعت مكانته هناك "فكان بمثابة الرئيس الروحي للمسلمين"، يدافع عنهم ويتوسط بينهم وبين ملك باشغرد. ومن ذلك أن أبا حامد لما رأى بعض المسلمين يشربون الخمر دعاهم إلى تركه وأباح لهم الجواري وأربعة من الحرائر، وقد استجابوا لدعوته. مما جعل الملك ينكر عليه دعوته ويقول له: ليس هذا من العقل لأن الخمر يقوي الجسد وكثرة النساء تضعف الجسد والبصر، ودين الإسلام لا يكون على وقف العقل.

 

فكان من جواب أبي حامد أن النصراني يشرب الخمر على الطعام بمنزلة الماء فلا يسكر، والمسلم إذا شربه فهو يطلب السكر فيذهب عقله فيزنى ويقتل ويكفر ويبيع سلاحه وفرسه، فإن أمر بالغزو فلا يجد سلاحا، وأما الجواري والنساء فإن أولاد الجنود جنودك، والخير في  كثرتهم. وهكذا -بحيلة- استطاع أبو حامد أن يمنع المسلمين من شرب الخمر، وذاك أسلوب في الدعوة نهجه في بلاد بعيدة عن المراكز الإسلامية وتحت حكم غير المسلمين.

 

العودة إلى بغداد ثانية

ترك الغرناطي باشغرد عام 553هـ / 1158م عائدا إلى سخسين، وذهب إلى خوارزم ثم قصد مكة المكرمة قاصدا أداء فريضة الحج 555هـ / 1160م، ثم عاد من رحلته الآسيويّة الأوروبيّة إلى بغداد سنة 554هـ / 1159م بعد غيابٍ دام نحو ثلاثين عامًا، ليحلّ ضيفًا مرةً أخرى على الوزير ابن هبيرة، فأكرمه وأمده بالمال، فألف الغرناطي لمكتبة هذا الوزير كتاب "المغرب عن بعض عجائب المغرب".

إلى الموصل

وبعد ثلاث سنوات نجده في ضيافة الشيخ معين الدين عمر بن الخضر الأربيلي بالموصل. وهذا الشيخ الذي أثنى عليه أبو حامد ثناءً جميلًا، هو الذي حثّه على تدوين مشاهداته وتجاربه في كتاب ينتفع به الناس. فأجابه إلى طلبه بتأليف كتابه "تحفة الألباب ونخبة الإعجاب"، وذلك سنة 557هـ.

 

الوفاة في دمشق

ثم انتقل من العراق إلى الشام، فأقام بحلب عدّة سنوات، ليتوجَّه بعدها إلى خراسان، ويعود بعد ذلك إلى دمشق، حيث تُوفي فيها في صفر سنة 565هـ / 1170م. وقد نيَّف على التسعين.

 

طريقته وأسلوبه

اهتم أبو حامد الغرناطي بوصف أخبار المستبعدات والغرائب والعجائب، أمثال المسعودي والمقدسي، وفي مؤلفاتهم أحاديث الخرافة والمستحيلات، ونجدهم يؤكدون أنهم رأوا ذلك بالعين وذلك لشدة ولعهم بالعجيب الخارق وفرط إيمانهم بقدرة الله تعالى على كل شيء، علما أن أحاديث أبي حامد الغرناطي حافلة بالغريب وما يخرج عن حد التصديق، ثم نجده يؤكد أنه رأى ذلك بنفسه أو اختبره بيده، والحقيقة أن أبا حامد رجل فاضل عاقل بعيد عن الكذب والشعبذة، ولا تفسير لأعاجيبه وتهويلاته إلا بتأثير روح العصر، وقد انعكست حياة أبي حامد الغرناطي الحافلة بالحوادث والحركة والنشاط والتنقل والتهجر على كتاباته، التي كانت أغرب بكثير من الأعاجيب التي أوردها في مؤلفاته. وقد قدم أبو حامد الغرناطي وصفا حضاريا عن الأماكن التي زارها والعجائب والغرائب  بأسلوب ممتع وجميل ومفيد.

 

مؤلفات أبي حامد الغرناطي

ومؤلفات أبي حامد الغرناطي تنتمي إلى المصنفات الكوزموغرافية، وتعني الجغرافيا بأوسع معانيها، أي الكتابة عن الكون من وجهة نظر جغرافية. فقد كان أبو حامد الغرناطي يهتم بذكر المعلومات والملاحظات التي رآها أثناء رحلاته عن الأقطار التي يتحدث عنها، بل إنه يصف البلدان وصفا دقيقا ذاكرا حدودها وسكانها وكافة المعلومات عنها، وكذلك العجائب والأساطير الخاصة بتلك الأقطار، ولم يكن أبو حامد جغرافيا صرفًا أو عجائبيـًا خالصًا ولا رحالة فحسب، إنما هو ذلك كله.

 

وقد حفلت كتابات أبي حامد الغرناطي بمعلومات دقيقة عن جهات شرقي ووسط قارة أوربا ولاسيما بلاد المجر، ولعل من أهم الجغرافيين المسلمين الذين تحدثوا عن شعوب حوض الفولجا الأدنى ومنطقة بحر الخزر -قارة آسيا- كان أبو حامد الغرناطي. وقد اهتم العلماء الروس خاصة برحلة أبي حامد الغرناطي إلى بلاد الفولجا الأوسط والأدنى، وكذلك حديثه عن شعوب القوقاز، ومازال كتابه: تحفة الألباب ونخبة الإعجاب الذي ألفه بالموصل عام 557هـ / 1162م يظفر باهتمام المستشرقين، وبخاصة مستشرقو روسيا لما فيه من معلومات دقيقة وعجائب عن تلك المناطق .

 

ومما يُعلي من قيمة مؤلفات أبي حامد الغرناطي أنها تروي مشاهدات شخصية بضمير المتكلّم، وهي مكتوبة بعفوية تجعلها أكثر قربًا من نفس القارئ، وهذا ما نبحث عنه بشغف في مدوّنات الرحّالة ورصدهم لأخبار البلاد وأحوال العباد.

 

ومن أشهر مؤلفات أبي حامد الغرناطي: "تحفة الألباب ونخبة الإعجاب"، و"المُغْرِب عن بعض عجائب المَغْرِب"، و"نخبة الأذهان في عجائب البلدان"، وله مجموع في "شرح أصول التوحيد" مخطوط في الظاهرية. وهناك كتب أخرى تنسب له لكنها ليست من تأليفه مثل: "عجائب المخلوقات"، و"تحفة الكبار في أسفار البحار".

 

كتاب المغرب عن بعض عجائب المغرب

في رحلة طويلة كان له فيها دور كبير في التعريف بالمغرب والأندلس، وقد كان يشعر بمدى الجهل بالمغرب الإسلامي من طرف أهل المشرق، وعبارته "ومولدي بالمغرب الأقصى بجريرة تعرف بأندلس فيها أربعون مدينة، ومولدي في مدينة تسمى غرناطة"، فيها يتجلى بوضوح مدى ما يشعر به من أن المغرب غريب عن المشارقة لا يعلمون عن حضارته إلا القليل.

 

ولعل هذا الشعور كان من الدوافع التي دفعته إلى تأليف كتابه "المغرب عن بعض عجائب المغرب"، وما أورد فيه من ذكر أعاجيب تتنزل منزل ألف ليلة وليلة. وربما كانت لغة التهويل هي الوسيلة لجذب القارئ وتعريفه، وهو نفسه بعد رواية تلك المغريات يقول: "والعاقل يعرف الجائز والمستحيل"، على كل حال، فقد ألف أبو حامد كتابه في المشرق ليعرف أهله ببلاده المغرب، لكنه لا يتحدث عن المغرب فقط بل يستطرد لينتقل إلى مواضيع مختلفة منها الفلك ووصف بلاد أخرى.

 

وأهم ما في الكتاب وصفه للبلاد التي أقام بها أكثر عمره التي بآسيا وأوربا الممتدة من خوارزم إلى سهل المجر "وهو كلام دقيق يعتبر من الأسانيد العلمية التي يمكن الاعتماد عليها في التاريخ لهذه النواحي ووصف خصائصها الجغرافية سواء كانت طبيعية أو بشرية".

كتاب تحفة الألباب ونخبة الإعجاب

دوّن الغرناطي كتابه "تحفة الألباب ونخبة الإعجاب" بالموصل سنة 557هـ / 1162م، وجعله في أربعة أبواب:

- الباب الأول: في صفة الدنيا وسكانها من إنسها وجانها.

- الباب الثاني: في صفة عجائب البلدان وغرائب البنيان.

- الباب الثالث: في صفة البحار، وعجائب حيواناتها، وما يخرج منها من العنبر والقار.

- الباب الرابع: في صفات الحفائر والقبور، وما تضمنته من العظام إلى يوم النشور.

 

ففي الباب الأول يتحدّث باختصار عن الأرض، المعمور منها والمغمور، وما تحتويه من أصناف الإنس والجن، والحيوان والنبات.

 

ثم يذكر في الباب الثاني عجائب البلدان وغرائب البنيان، بادئًا بإرم ذات العماد التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، والمنسوب بناؤها إلى شدّاد بن عاد، وما أنفقه في بنائها من المعادن الثمينة، والكنوز النادرة، ليجعل منها بديلًا عن الجنّة التي كان يَعدُهُ بها هود عليه السلام بعد الموت، ثم اختفاء هذه المدينة في طرفة عين عقابًا لشدّاد على طغيانه وكفره. ثم يذكر قصة مدينة النحاس التي بنتها الجن لسليمان بن داود في فيافي الأندلس بالمغرب الأقصى، وما بذله موسى بن نصير لمعرفة حقيقة هذه المدينة. يلي ذلك حديث بحيرة الجن، وما جرى بين موسى بن نصير ومنسك بن النغرة من ولد يافث بن نوح. كما ذكر صنم قادس الذي بناه ذو القرنين في مجمع البحرين الأطلسي والمتوسط وسدّ يأجوج ومأجوج وعظمة بنائه ومنعته، وسدّ البر من أرض شروان إلى بلاد اللان بطول مئة فرسخ.

 

وما بنته العرب من الأوابد كقصر غُمْدان، وكنيسة القليس، وما خلَّفه الفرس من البنيان العجيب مثل: شادروان تُسْتَر، وقصر بهرام جور قربَ همذان، وقصر اللصوص بقرمايسين، وقنطرة سنجة، وأهرام مصر، ومنارة الإسكندرية، ومنارة عين شمس، وغير ذلك من عجائب البنيان.


ثم تحدّث في الباب الثالث عن البحار، وما تشتمل عليه من عجائب المخلوقات، وما يخرج منها من العنبر والقار، وما في جزائرها من النفط والنار. ويذكر في هذا الباب أشياء عاينها بنفسه، وأخرى سمع بها أو قرأ عنها، وكلّها ممّا يدخل في باب العجائب والغرائب. فأم الحيَّات مثلًا رآها بعينه، وخاض معها معركة خاسرة، أما حكاية الرخّ الذي في جزائر الصين فهي مما سمع به، أو قرأ عنه في الكتب.

أبو حامد الغرناطي بين المؤرخين العرب والمستشرقين

حظيت تحفة الغرناطي باهتمام المستشرقين الغربيين، والمستعربين الروس منذ نهايات القرن الثامن عشر، في الوقت الذي لم تحظَ فيه باهتمام يذكر من قبل الدارسين العرب والمسلمين في القديم والحديث.

 

وأول من أعمل النظر في هذا الكتاب هو المستشرق الفرنسي الكبير رينو الذي أبدى تحفّظه إزاء القيمة العلمية لهذا الكتاب، حيث أشار إلى أن المؤلف كان بوسعه أن يقدّم خدمات كبرى في محيط الجغرافية والتاريخ الطبيعي، لو أنه جمع إلى طبيعته المتشوّفة إلى المعرفة نصيبًا من الاطلاع وروح النقد.

 

وقد أيّد هذا الرأي المستعرب الكبير كراتشكوفسكي في تاريخه للأدب الجغرافي العربي، وعزا ذلك إلى أن محيط اطلاع المؤلف لم يكن واسعًا، فهو لم يبرز من مصادره إلى جانب القرآن إلا عددًا ضئيلًا جدًّا من المؤلفات، أمَّا مادته الجغرافية ففقيرة للغاية ومضطربة، كما أن ميله للغرائب واضح ملموس حيث لا يمكن إنكاره. ولكن عرض الغرناطي في رأي كرامرز تميّز بالحيوية والتفنن، ويمكن بعد تمحيصه تمحيصًا دقيقًا استخراج نتائج طيّبة في مختلف النواحي.

 

أما المستشرق الألماني جورج جاكوب فقد رأى "ان التحليل الدقيق لرواياته المنسوبة إلى محيط الأساطير قد يكشف في كثير منها عن أسس واقعية، وعن دقَّته الكبيرة في الملاحظة". كما وصف المستعرب الروسي دورن التحفة بأنها عمل في غاية الأهميّة، وانه ليمكن "استخلاص حقائق جديدة وقيّمة من بين العجائب والغرائب التي ينطوي عليها الكتاب".

 

لكنّ الآراء السَّابقة تختلف مع ما رآه المستشرق الفرنسي سلفستر دي ساسي الذي عدَّ الكتاب غير ذي قيمة كبيرة، وهو في ذلك يتَّفق مع ما قاله فانيان: من أن تحفة أبي حامد ليست إلا "مجموعة من العجائب لا قيمة لها".

 

أما كراتشكوفسكي الخبير في الجغرافية العربية فقد رأى أنه لا يمكن تجاهل الغرناطي في تاريخ الأدب الجغرافي، فهو يورد أسماء رواته بدقّة، ويتحدَّث عن نفسه بضمير المتكلّم، ولهذا يمكن التفريق بسهولة بين مصادر مادّته. وكثير ممّا يورد على لسان الغير لا يمثّل في الواقع أهمية ما، وذلك لسهولة تصديقه للعجائب، واعتقاده فيها.

ولكنّه على أي حال يبذل دائمًا قصارى جهده لتوسيع نطاق معلوماته، ففي القاهرة مثلًا يتجاذب الحديث مع أحد أهل الحجاز عن عجائب الهند والصين حيث أمضى ذلك الرجل هناك أربعين عامًا، وفي بغداد يستفهم من أحد مسلمي صقلية عن ثوران بركان إتنا وفي هنغاريا يجمع أخبارًا مفصّلة من أهل البلاد عن القسطنطينية والمشكلات السياسيّة فيها. وتنال أهمية خاصّة روايته لما رآه بعيني رأسه، وهو يمثّل ثلث الكتاب بالتقريب، واهتمامه بالأبنية والمعالم المختلفة، وقد خلّف لنا مقدارًا ملحوظًا من المعطيات الطريفة.

 

كما يرى كراتشكوفسكي أن الغرناطي قدّم معطيات قيّمة عن بعض بلدان أوروبا، كذكره للألمان تحت اسم نامس، وحكايته عن هنغاريا التي تُلقي ضوءًا عن أصل المسلمين الهنغاريين ووضعهم، كما يرى أن وصفه لروما ينطبق على القسطنطينية لا رومة نفسها. أما معطياته عن حوض الفولغا الأوسط والأدنى، وعن شعوب القوقاز فهي تمثّل أهمية كبرى. كما نالت اهتمامًا كبيرًا قصّته عن تجارة العظام المندثرة التي نَشطت بين سكان الفولغا وخوارزم.

 

وفي رأيه أن مؤلف الغرناطي اكتسب شهرة لدى جمهرة القرّاء من بعده لجمعه بين معطيات واقعية، وضروب من العجائب مختلفة في وحدة كوزموغرافيّة راقت للأجيال التالية ممّا جعل كلًا من القزويني، وابن الوردي، وابن إياس، والدميري، والأبشيهي ينقلون شذرات منه. ولكن نَقْل هذه الشذرات لا يعني حُكْمًا على صحّة ما ذكره الغرناطي أو كذبه، بقدر ما هو إغناء لموضوعات تتّصل بباب الغرائب والعجائب على نحو ما.

 

على أن بعض المؤرخين العرب أصدروا بحق الغرناطي أحكامًا سريعة ومقتضبة لا تقوم على أساسٍ من الاستقصاء والتحليل، فمنهم من أثنى عليه، ومنهم من اتهمه بالكذب. فالمَقرّي يقول: "إنه رأى عجائب في بلادٍ شتّى، ونسبه بعض الناس بسبب ذلك إلى ما لا يليق، وصنّف في ذلك كتابًا سمّاه تحفة الألباب، وكان حافظًا عالمًا أديبًا".

 

أما ابن عساكر فقد وصمه بالكذب. في حين أن معطيات الغرناطي تسوّغ الرأيين معًا، إذ ذكر وقائع رآها بأمِّ عينه أثبت البحث صحّة بعضها، مثلما ذكر أمورًا يصعب تصديقها لأنها تدخل في باب الخوارق والأساطير. كالعملاق -المار ذكره- الذي رآه في باشغرد، والسمكة التي يضيق بها مجمع البحرين مضيق جبل طارق فترجع إلى البحر الأسود المحيط الأطلسي! وسوف يرى القارئ في هذا الكتاب مشاهدات عدة يصعب تصديقها.

وممّا يجدر ذكره أن الغرناطي ألَّف كتابه بعد أن نيّف على الثمانين، جامعًا بين دفّتيه خلاصة نصف قرن ممّا عاينه خلال ترحاله في بلاد الله الواسعة، فمن منَّا لا تخونه الذاكرة في مثل هذه السن؟

 

وربَّ قائل يقول: لعلَّ الغرناطي كان قد دوّن شيئًا من مشاهداته في أوراق متفرّقة، ثم قام بجمعها وتصنيفها في ما بعد، وهذا أمر ممكن، ولكنَّ ما قدّمه صاحب الكتاب من أنَّه ألَّفه بناء على اقتراح من الشيخ الأربيلي الذي أشار عليه بذلك خشيةً على ما كان يرويه على مسامع الناس من الضياع.

 

ومع كل ذلك فلا بدَّ من أن نسجّل للغرناطي إعجابنا بتلك الروح المغامرة، والهمّة العالية التي لا تعرف الكلل، وهذا الفضول العلمي الذي يدلّ على رغبة حثيثة في الاطلاع والتنقيب عن الغريب والعجيب في هذا العالم، من قبل رجل تجاوز الخمسين من العمر جرؤ على اقتحام هذه الأصقاع النائية، وتحمّل مشاقَّ السفر والترحال، والإقامة في بلادٍ مغايرة متعدّدة الأعراق، واللغات، والأديان، والعادات، وهو لا يمتلك -على الأرجح- سوى الإسلام سلاحًا في هذه الرحلة الطويلة الشاقّة يحمله بين جنبيه ليعلّمه، وينشر تعاليمه بين أقوام أكثرهم حديث عهد به، وهم بحاجة إلى من يوضّح لهم معالمه، ومراميه، والعمل به على نحو جليّ.

___________________

المصادر والمراجع:

- القزويني: التدوين في أخبار قزوين، المحقق: عزيز الله العطاردي، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: 1408هـ / 1987م.

- الذهبي: تاريخ الإسلام، المحقق: عمر عبد السلام التدمري، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة: الثانية، 1413هـ / 1993م.

- الصفدي: الوافي بالوفيات، المحقق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، الناشر: دار إحياء التراث – بيروت، عام النشر:1420هـ / 2000م.

- المقري التلمساني: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، المحقق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر- بيروت.

- الزركلي: الأعلام، الناشر: دار العلم للملايين، الطبعة: الخامسة عشر، مايو، 2002م.

- قاسم وهب: رحلة الغرناطي أبي حامد من الأندلس الى الشام وبلاد المجر والبلغار، جريدة الحياة اللندنية، العدد (14542)، تاريخ النشر: 12 ذي القعدة 1423هـ /  15 يناير 2003م.

- محمد بشير حسن راضي العامري: دور الرحالة المشارقة والمغاربة وأهل الأندلس في نقل مظاهر التواصل الحضاري إلى الولايات الإسلامية عبر التاريخ، جامعة بغداد / كلية التربية - بنات.

- نماذج من الدعاة: أبو حامد الغرناطي، مجلة دعوة الحق المغربية، العددان 179 و180.
Developed by