Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

يكذب على فراش الموت!

 حتى وهو على فراش الموت لا ينفك "بيرز" يكذب ببجاحة حين يقول أنه حول فلسطين "أرضه/وطنه الأم؟؟!" لجنة! وأرض خصبة من مالحة!؟؟ بينما اليهودي "أحاد هاعام" عام 1891 قال: "ان البلاد -المقصود فلسطين-يصعب ان تجد فيها ارضا غير قابلة للفلاحة او لم تفلح بعد-واليكم النص من كتابه بعد وفاته ووصيته:
في عام 2016 وقع شيمون بيريز على وصيته وجاء في مذكراته: «أعتقد أن السلام أمر حتمي، لاني افهم اهميته، فهو الذي مكن روادنا من  إقامة وطننا الأم، وهو الذي دفعهم الى الابتكار وتحويل الاراضي المالحة إلى أراض خصبة، والصحراء إلى ارض تنتج الفواكه..؟!

متابعات الانطلاقة (10):قراءات فكرية: صنع العدو، والتجربة الجزائرية

نشر بتاريخ: 2017-06-15

 

 

                             

نشرة مختصة ب(المتابعات)

من الدراسات والأفكار والرؤى

 العربية والعالمية ذات الصلة

بالأمة وفلسطين (العدد10)

 

قراءات فكرية: صنع العدو، والتجربة الجزائرية

1-مراجعة كتاب: صُنع العدو: أو كيف تقتُل بضمير مرتاح؟

2-التجربة الجزائرية-معارضة مستحيلة: سحر نظام الحزب الواحد

 

 

 

 

مراجعة كتاب: صُنع العدو: أو كيف تقتُل بضمير مرتاح؟

 عبد الكريم بدرخان

 

ما العدو؟ هل هو معطى سياسي أم اجتماعي أم ثقافي؟ مَنْ يحدّدُه؟ وما الدور الاجتماعي والسياسي الذي يؤدّيه في المجتمعات المعاصرة؟ هل يجب على الهُوية أن تُبنى بالضرورة ضدّ "الآخر"؟

في كتابه الصادر عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، بترجمة نبيل عجان، يوضّح الباحث والأكاديمي والدبلوماسي الفرنسي بيار كونيسا أنه لا يهدف إلى تحديد طريقة مقبولة أو غير مقبولة للقتل، لكنه يرنو إلى تحليل كيفية نشوء علاقة العداوة، وكيف يُبنى الـمُتخيَّل قبل الذهاب إلى الحرب.

استـهلَّ كونيسا (وهو أستاذ في معهد العلوم السياسية) كتابه بكلام للشاعر الفرنسي هنري ميشو: "إنّ تحديد الأعداء والأصدقاء والتحقّق منهم، يشكّل آلية ضرورية قبل شنّ الحرب. ومن المنطقي أنْ نحاول فهم العجرفة الحربية التي تدفع الناس إلى أن يقتل بعضهم بعضًا بطريقة شرعية. فالحرب قبل كلّ شيء ترخيصٌ ممنوح شرعيًّا لقتل أناس لا نعرفهم، وأحياناً نعرفهم كما في الحروب الأهلية، لكنهم يتحوّلون فجأةً إلى طرائد يجب تعقّبها والقضاء عليها". ثم يستشهد كونيسا بمقولة شهيرة لـ ألسكندر أرباتوف، المستشار الدبلوماسي لـ ميخائيل غورباتشوف: "سنقدّم لكم أسوأ خدمة، سنحرمكُم من العدو". ويضيف أن صناعة العدو هي وظيفة السياسي بعينها، فالعدو هو الآخر، الشر، التهديد، ولا يمكن فصله عن الحياة. وهو يقدّم خدمات كثيرة ويعمل مهدّئًا، خصوصًا عبر المسؤولية التي يمثّلها في قلقنا الاجتماعي. ويمكن لصناعة العدو أنْ ترسّخ الأواصر الجمعية، ويمكنها أنْ تكون مخرَجًا بالنسبة إلى سلطةٍ تواجه مصاعب على الصعيد الداخلي.

يشير الباحث إلى أنه، ومنذ الثورة الفرنسية، لم يعد الملِكُ هو من يحدّد العدو، بل ينبغي تحشيد الرأي العام من أجل ذلك، وتفترِضُ صناعةُ العدوّ مراحل شتى: أيديولوجيا استراتيجية محدَّدة، خطابًا، صنّاعَ رأي نسمّيهم المحدِّدين، وأخيرًا آليات صعود نحو العنف. ويختتم بمقولة لـ نيتشه: "إنّ من يحيا على محاربة عدوّه، من مصلحته أنْ يدعه يعيش".

بعد المقدمة، يدخل كونيسا في مباحث الكتاب (الواقع في 318 صفحة) الثلاثة: أولًا؛ ما العدو؟، ثانيًا؛ وجوه العدو، ثالثًا؛ تفكيك العدو.

 

أولًا؛ ما العدو؟

في هذا المبحث يقلّب كونيسا الرؤى والتصوّرات والأفكار بحثًا عن مقاربة معقولة لماهيّة العدو وطبيعته، وللعوامل التي تساهم في نشوئه وتشكُّله وتبلْوُره. فتراهُ يستشهد بآراء لمفكّرين وفلاسفة من جهة، ويذكّر بحوادث وحروب وقعت في القرن العشرين من جهة ثانية، ثم يلقي الضوء على أهمية وجود العدو ودوره في المجتمعات المعاصرة، وبعدها يتحدّث عمَّن سمّاهم "مُحدِّدي العدو".

في الفصل المعنون بـ "العدو موضوع سياسي"، يعرض الباحث تفسيرين لنشوء ظاهرة العداوة، الأول لـ هوبز الذي يفترض أنّ الناس يتصرّفون بصورةٍ عنيفة، وأنّ التنظيم المشترك وحدَهُ يكبحهم. ويرى أنّ الإنسان قد يكون اجتماعيًّا قسرًا وليس بطبعه، وأنّ العدو بالنسبة إليه مُعطىً طبيعي. وتخلُص هذه النظرية سريعًا إلى العبارة الشهيرة: "الإنسان ذئب الإنسان"، وتعتبر أن الحالة البدائية هي حالة "حرب الجميع ضد الجميع"، وفي هذه الحالة يكون الإنسان محكومًا بغريزة البقاء فحسب. وفي مقابل هوبز، يقف روسّو الذي رفضَ المنهج الذي يجعل من الحرب النظامَ الطبيعي للمجتمع البشري، ورأى أنّ الناس لا يكونون أعداءً إلا في الوضع الظَّرْفي للحرب بين الدول التي يشاركون فيها بوصفهم جنودًا، وليس في الحالة البدائية.

ويضيف الباحث (الذي كان مديرًا للجنة الشؤون الاستراتيجية في وزارة الدفاع الفرنسية) أنّ مفكريّ الاستراتيجيا المعاصرين؛ لم يسعوا كثيرًا لمعرفة كيف يحدّد مجتمع ما أعداءه، واكتفوا بتكرار عبارة كلاوزفيتز "الحرب ليست سوى مواصلة السياسة بوسائل أخرى".

في فصل "قانون الحرب: من الأفضل ارتداء بزة عسكرية"، يشير الباحث إلى أن الحرب الحديثة نزاع بين دولتين تملكان جيوشًا نظامية، ويندمج الجندي الذي يرتدي البزة العسكرية ضمن تسلسلٍ هرمي يتلقّى فيه الأوامر من أعلى، فيصبح بذلك غير مسؤولٍ جزائيًّا عن الجرائم التي يرتكبها. ويخضع الطرفان المتحاربان إلى اتفاقيات جنيف 1949 التي تحمي الجنود وأسرى الحرب، وبالتالي يكون وضعُهم مضمونًا لممارسة القتل دون مساءلة. أما المسلّح الذي لا يرتدي بزة عسكرية، فيمكن معاملته كـ "مجرم". وهذا ما استغلَّهُ الحقوقيّون الأمريكيّون لتبرير انتهاكات السجن والتعذيب في أبو غريب وغوانتانامو، إذ قالوا: "بما أن الحرب على الإرهاب ليست حربًا على دولة، فإن الاتفاقيات لا تطبَّق على هؤلاء الناس الذين تمّ اعتقالهم في الطرف الثاني من العالم". وهكذا ابتكروا فئة قانونية جديدة غير معروفة في القانون الدولي أسموها "المحارب غير الشرعي"، وهذه الفئة لا تشملها قوانين حماية الجنود، ولا قوانين حماية المدنيين.

ويخلُص الباحث إلى أنّ قانون الحرب يمثّل حتى الآن العدالة التي يطبّقها القويّ على الضعيف.

في فصل "العدو هو أنا آخر"، يرى الباحث أن العدو جزءٌ من متخيَّل جمعي خاصّ بكل جماعة، وأنه يلبّـي حاجاتٍ اجتماعية متعددة، منها الحاجة إلى الهُوية، أي تعريف "الذات" من خلال تعريف "الآخر". والحاجة إلى توطيد الأواصر ضمن الجماعة، ويعطي مثالًا عن ذلك: " لن تتوحّد باكستان التي تمزّقها الحروب الأهلية إلا عبر العدائية للهند". وكذلك الحاجة إلى تهدئة حالات القلق الاجتماعي، مستشهدًا بقول دوركهايم: "حين يعاني المجتمع، يشعر بالحاجة إلى أنْ يجد أحدًا يمكنه أنْ يعزو إليه ألَـمَه، وينتقم منه لخيبات أمله".

في "الحرب العادلة"، يضيف أنّ المجتمعات الغربية ترمي إلى شرعنة استخدام القوة تحت مبرّر "الحرب العادلة"، أي يجب على هؤلاء الذين نهاجمهم أن يكونوا قد استحقّوا الهجوم عليهم بسبب خطيئة ما. وهذا ما كان قد بيّنه رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير، مدّعيًا أن صدام حسين يملك صواريخ يمكن نشرها خلال 54 دقيقة. وهذه هي الحجّة التي اتّبعها المحافظون الجُدُد لابتكار مبدأ "الحرب الاستباقية"، فمن خلال هذا المبدأ يمكن للولايات المتحدة أنْ تتخذ قرارًا أُحاديًّا بشنّ الحرب حين تتوافر شروط "الحرب العادلة"، وهي المصلحة العامة والدولة المارقة.

في فصل "الاستراتيجيون: المجمع العسكري-الثقافي"، يشير الباحث إلى التوسُّع الكبير الذي شهدته مؤسّسات التفكير الاستراتيجي في الكمّ والأهميّة، ويرى ثلاثَ عِلَلٍ لوجودها: 1) توصيف تهديد ما وفهم آلياته. 2) تبرير نظام الدفاع وتشكيل الجيوش. 3) جعل استخدام القوة شرعيًّا. وبما أنّ الحصول على تأييد الرأي العام عاملٌ أساسيّ للتعبئة من أجل الحرب، برزَ دورُ الاستراتيجيين غير الرسميين، أو مَنْ سمّاهم "الميثولوجيين"، ومهمّة هؤلاء وضع تعريف لهوية الجماعة. قد يكون هؤلاء أشخاصًا أو مجموعات، ينسبُون إلى أنفسهم الهوية الجماعية، جاعلين من خيارهم خيارَ الجماعة. إنه بناءٌ أسطوري يختلط فيه الواقع مع المتخيَّل وفق صيغ مركّبة ومختلفة، فهُم يُعيدون تدوير مواضيع تاريخية قديمة، ويصنعون منها ميثولوجيا جديدة. يخترعون "حقوقًا تاريخية" وكأن التاريخ لا يُغيّـر المعطيات باستمرار.

 

ثانيًا؛ وجوه العدو:

وبما أنّ العدو بناء وصناعة، يحاول كونيسا في المبحث الثاني وضعَ تصنيف لأنواع مختلفة من حالات العداء. مع الإشارة إلى عدم وجود نوعٍ نقيّ من بينها، إذ غالبًا ما تختلط الأنواع المختلفة في صراع واحد:

1) "العدو القريب" والمقصود به نزاعات الحدود بين الدول المتجاورة. 2) "الخصم العالمي" وهو المنافس في خصومة قوتين تعطيان لنفسيهما نزعة عالمية، كما في حالة الحرب الباردة. 3) "العدو الحميم" أي الحرب الأهلية التي تبدأ عبر الكلمات وتنتهي بالقتل الاستباقي: أنْ نقتُلَ قبل أنْ نُقتَل. والحرب الأهلية هي صراع الـ "هُم" في مواجهة الـ "نحن" في فضاء مغلق، مع العلم أن الفريقين متشابهين. 4) "العدو البربريّ" وهو الشعب المستعمَر في نظر المستعمِر. 5) "العدو المحجوب" وهو ناتج عن الإيمان بنظرية المؤامرة، والاعتقاد بوجود قوى خفيّة تحرّك الشعوب وتحدّد مصيرها. 6) "حرب الخير ضد الشر" وهي لا تقتصر على النزاعات الدينية؛ إذ هي أيضًا حرب الأنظمة الشمولية العلمانية في القرن العشرين. فالأيديولوجيات قاتلة مثل الديانات، ويصبح فيها الآخر هو الشرّ المطلق، بل هو الشيطان. 7) "العدو الـمُتصَوَّر" وهو فعل إمبريالي للقوى العظمى حين لا تجد عدوًّا يُجاريها، فتُعلن الحرب الشاملة ضدّ مفاهيم معينة، مثل الحرب ضد انتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب. 8) "العدو الإعلامي" وهو يشكّل الحالة الأحدث في الفراغ الأيديولوجي والاستراتيجي لما بعد الحرب الباردة، والتي يجتاحها الإعلام، إذ تتفوّق الصورة على النصّ.

ثالثًا؛ تفكيك العدوّ:

يرى الباحث أنّ العيش من دون عدوّ للدولة أمرٌ صعب، لكنه ممكن. وبما أن العدو بُنية، فمن الممكن تفكيكه. ولذلك يقترح آليات يمكن للدولة اتباعها لتفكيك عدوّها المصنوع، مثل تغيير الخطاب نحو التهدئة والدعوة إلى السلام، ومثل المصالحة التي تبدو صعبة وفعّالة في آن معًا، ومثل الخروج من حالة الخلافات الحدودية. وهنا يستشهد باتفاقية "شينغين" التي فتحت الحدود بين الدول الأوروبية، فمن خلالها زالت الخلافات الحدودية بين ألمانيا وفرنسا، إذ صارت حدود فرنسا اليوم هي مطار شارل ديغول.

أما في حالة الحروب الأهلية، فيمكن تفكيك العدو عن طريق النسيان والصفح والعدالة. بالنسبة إلى النسيان والصفح، فقد أثبتت التجارب السابقة عدم جدوى مثل هذه التدابير، لأنّ قوانين العفو العامّ تشلّ جهدَ البحث عن الحقيقة وتؤدّي إلى تناقض. إذ لا تُنسى أعمال العنف من جهة، ولا يُتّخذ أيُّ إجراء قضائي بحقّ مرتكبيها من جهة أخرى. أما بالنسبة إلى العدالة، فيعرض الكاتب نوعين من العدالة في مرحلة الخروج من الحروب الأهلية: 1) العدالة الترميمية: وهي اقتصاصية هدفها إقامة العدل، تركّز على المتّـهمين والمواجهة بين الدفاع والاتهام، تعالج هذه العدالة مسألة "العدو المذنب"، استنادًا إلى الضحايا والعلاقات فيما بينهم وبين مرتكبي الجرائم بحقهم. 2) العدالة التعويضية: وهي غير اقتصاصية، تقتصر مهمتها على الانتقال من الحرب إلى السلم، أو من نظام استبدادي إلى الديمقراطية.

وفي خاتمة الكتاب، يقول كونيسا: "سيكون صُنع العدو خلال العقود المقبلة قطاع إنتاج ضخم". ويذكّر أن بناء العدو عملية اجتماعية سياسية، ولذلك فإنّ مسؤولية النخب السياسية والثقافية لا تقلّ عن مسؤولية الأنظمة.

تعقيب:

ما تجدر الإشارة إليه بعد قراءة كتاب "صنع العدو"، هو سِعَة ثقافة مؤلّفه وغزارة عِلْمه، ولا يقتصر ذلك على حقل من حقول المعرفة، بل يشمل التاريخ والفلسفة والسياسية والقانون والاقتصاد والإعلام. كما يلفتُ الكتابُ النظرَ إلى موضوعيّة كاتبه الشديدة وحياده، إذ انتقد الديمقراطيات الغربية أكثر مما انتقد الأنظمة الاستبدادية، ولم يرحم ممارسات الدول الاستعمارية (بما فيها بلده فرنسا) تجاه شعوب العالم الثالث.

وفي المقابل، كرّر الباحثُ بعضَ الأفكار في أكثر من موقع، وانتقل أحيانًا من موضوع إلى آخر بشكلٍ يعوزه الترتيب. كأنْ يأتي بمثالٍ من أجل توضيح فكرة ما، فيأخذهُ السردُ إلى فكرة أخرى غير التي طرح المثال من أجلها.

يُذكر أنّ لـ كونيسا كتابان آخران في الفكر الاستراتيجي، هما "دليل الجنة" 2004، و"آليات الفوضى" 2007.

 

 

 

 

 

 

التجربة الجزائرية-معارضة مستحيلة: سحر نظام الحزب الواحد

   مليكة رحال

    

   

يُمثّل عام 1962 على المستوى السياسي ولادة الجزائر المستقلة بقيادة جبهة التحرير الوطني التي انتصرت في تنافسها على جميع الأحزاب السياسية الأخرى. وكان الحزب الشيوعي الجزائري الحزب السياسي الوحيد الذي تجنّب الهزيمة الساحقة والحلّ في سياق التنافس مع جبهة التحرير الوطني.

لجأ الحزب الشيوعي الجزائري إلى العمل السري سنة 1955 بعد أن حظرته السلطات الفرنسية. أنشأ وحداته المقاتلة ذات العدد الصغير التي دُعيتْ "مقاتلون من أجل الحرية". وتضمّنت اتفاقية الحزب الشيوعي الجزائري مع جبهة التحرير الوطني في حزيران/يونيو 1956 دمجًا لقوة الحزب الشيوعي المقاتلة في جيش التحرير الوطني، ومقاطعة أية صلات عضوية مع قيادة الحزب التي بقيت في الجزائر (1). وفي نهاية الحرب تألفت هذه القيادة من حفنة ناشطين فقط بينهم الصادق هجرس والعربي بوهالي. وكان مشروعهم هو المحافظة على الأشكال المختلفة للتعبئة غير المسلحة لدعم الثورة. بمعنى من المعاني بفعلهم لهذا كانوا يعارضون فكرة أنّ الكفاح المسلح هو الشيء الوحيد الأساسي. 

وعلى ما يبدو فإن دراسة علاقة الحزب الشيوعي الجزائري مع حركة جبهة التحرير الوطني تثير أسئلة كثيرة حول طبيعة جبهة التحرير الوطني وحول التعددية والإجماع داخل الحركة الوطنية الجزائرية أثناء حرب الاستقلال. إن هذه الأسئلة لم تعد جديدة. على أي حال فإن دراسة الحركة الشيوعية بعد عام 1962 تثير أسئلة مشابهة عن فترة ما بعد الاستقلال وذلك بسبب وجودها المستمر: ما هي طبيعة جبهة التحرير الوطني؟ هل هي حزب أم جبهة أم ربما حزب طليعيّ؟ تثير أيضًا أسئلة تتعلق بطبيعة النظام الجزائري في الأعوام الأولى للاستقلال: هل كان نظامًا اشتراكيًا؟ وإذا كان كذلك فلماذا قُمِعَ الشيوعيون؟ وأخيرًا تثير أسئلة حول قوة الإجماع الذي يحيط بجبهة التحرير الوطني، وبالتالي حول إمكانية معارضة نظام جبهة التحرير الوطني.

بعد أن حُظر الحزب الشيوعي الجزائري عاد بشكل متدرج إلى النشاط العلني في الفترة المتوسطة التي تلتْ اتفاقيات إفيان في آذار/مارس 1962. نجح الشيوعيون في جذب أعضاء جدد إلى الحزب وفي إعادة نشر الصحيفة الشيوعية "الجزائر الجمهورية" Alger Républicain. كان نجاحهم مذهلاً مما أقلق سلطات جبهة التحرير الوطني الجديدة التي كانت ما تزال متقلقلة؛ وفي بداية تشرين الثاني/نوفمبر 1962 بعد خمسة أشهر من الاستقلال فحسب، حُظر الحزب الشيوعي الجزائري ثانية بالرغم من أن الشيوعيين أنفسهم "تم التساهل معهم".


كان الانقلاب العسكري سنة 1965 والذي جلب بومدين إلى السلطة هو الذي غيّر الأمور. اختار جزء من قيادة الحزب الشيوعي الجزائري إنشاء منظمة معارضة للانقلاب هي منظمة المقاومة الشعبية من خلال تحالف مع الجناح اليساري لجبهة التحرير الوطني. نتيجة لهذا تم اعتقال قادة منظمة المقاومة الشعبية وكان معظمهم من الشيوعيين وعُذّبوا ووُضعوا قيد الإقامة الجبرية لعدة سنوات مما أدى إلى القضاء على الحزب الشيوعي الجزائري. في العام 1966 أنشأوا تنظيمًا شيوعيًا جديدًا هو حزب الطليعة الاشتراكية الذي كان وبقي سريًا إلى أن أُرسيَ نظام تعدد الأحزاب سنة 1989.

مهام البناء الوطني

حين سُئلَ عن انخراطه في العمل الشيوعي في الماضي روى سالم كيف "عاد" إلى الجزائر (البلد الذي لم يزره أبدًا) من مرسيليا حيث وُلد لعائلة مهاجرة. (2). وصل على متن زورق في خريف 1962، وعلى الفور بدأ التدريس في مدرسة بسبب الحاجة الماسة إلى المدرّسين بعد رحيل الفرنسيين. فيما بعد توظّف في صناعة السياحة حيث كانت هناك حاجة لاتخاذ قرارات إستراتيجية حول كيفية إدارة البنى التحتية الموجودة (التي غالبًا ما تخلى عنها المالكون الفرنسيون) وأي نمط من السياحة يجب أن يُطَوَّر في المستقبل. صار مدافعًا عنيدًا عن السياحة الشعبية الوطنية، ولكنه لم يتمكن من الانتصار على مؤيدي سياحة دولية أكثر ترفًا. اعتُقل سالم* وعُذِّبَ في أعقاب انقلاب 1965 العسكري وبقي في سجون بومدين لعدة سنوات. حين أُطلق سراحه في النهاية عاد (ربما بشكل مفاجئ) للعمل في إدارة أخرى تابعة للدولة. وكمثل سالم* أصرّ معظم الناشطين الشيوعيين السابقين على أهمية انخراطهم في عملية بناء الدولة المستند إلى شعور قوي بالواجب والذي كان سياسيًا ومهنيًا في آن واحد معًا. في مذكراته يشدِّد هنري أليغ Henri Alleg على المهمات التي كانت تنتظر الوطنيين بعد نهاية الحرب والصراعات الداخلية لسنة 1962:

كانت الجزائر كلّها تتطلّع بتصميم نحو المستقبل إلى نقطة بدت فيها الأحداث الدموية التي تلت الاستقلال ككابوس بعيد الآن فحسب. شعر الجميع بنوع من السعادة الغامرة، أن لديهم واجبًا أخلاقيًّا كي يلبوا نداء القادة ويطووا أكمامهم ويشاركوا في إعادة بناء البلاد. في غضون بضعة أشهر حُرثت الأرض المهجورة وزُرع ثلاثة ملايين هكتار. أعدنا بناء القرى المدمّرة وتدبرنا إزالة مدن الصفيح، عالجنا مسائل التربية والصحة والبطالة. وكي نمنع الجفاف أطلقنا مشروع إعادة تحريج، وفي جوّ احتفائيّ، ذهب مئات آلاف الجزائريين نساء ورجالاً، شبانًا وشيبًا وجميعهم متطوعون كي يزرعوا الأشجار في الأراضي التي عرّتها ريح الصحراء شاعرين بالفرح لأنهم يبعثون الحياة من جديد في الأرض. (3)

إن المهمات التي ذكرها هنري أليغ مشابهة لتلك التي شدّد عليها ناشطون آخرون في الحزب الشيوعي الجزائري وفي حزب الطليعة الاشتراكية الذين أجريتُ مقابلات معهم: كانت الزراعة (كان هناك شعور خاص بضرورة العمل وإلحاحيته بما أن عملية الحرث إذا لم تتم في الخريف فإن إنتاج عام كامل سيضيع مؤديًا إلى نتائج كارثية) وإعادة البناء بعد الدمار الذي سببته الحرب، والتعليم والصحة وإعادة التحريج البؤرة الرئيسية في "مهمات البناء الوطني".


في جوهر هذه المهمات كان هناك بناء الدولة. والواقع أنّ كثيرًا من المسارات المهنية لكثير من الناشطين الشيوعيين هي متاهة من الاختصارات (الألفاظ الأوائلية) التي تشير إلى كثير من الهيئات الإدارية للدولة التي عملوا فيها. كان كثير منهم قد تلقوا تعليمًا جيدًا، وقام الحزب بتوجيه آخرين مما مكنهم من استخدام مهاراتهم الوظيفية التي حصّلوها عبر تجربتهم كناشطين. بلّغوا دومًا عن نشاطهم المهني للحزب وانتظروا توجيهات الحزب وخاصة حين كان الأمر يتعلق بالقرارات الإستراتيجية. نتيجة لهذا وفي نظام الحزب الواحد اشترك أعضاء حزب الطليعة الاشتراكية في إدارة الدولة وأحيانًا على مستوى عال جدًا، وهذا يثير سؤالاً فيما إذا بالرغم من الاعتقال والتعذيب كانوا في الحقيقة معارضين للنظام.

معارضة مستحيلة

جاك شوكرون شيوعيّ غادر الجزائر سنة 1967. سألته إن شعر أنه كان في المعارضة ضد النظام أو جبهة التحرير الوطني. كان جوابه الأول بسيطًا:" كنا جميعًا ثوريين". واصل بحماس الإشارة إلى رئيس الجزائر الأول الذي من جبهة التحرير الوطني أحمد بن بلة: "كنت بن بلاويٍّ بالطبع. كان جميع الشبان بن بلاويّين. ألقى بن بلة الخطابات الأكثر إدهاشًا. كان يقول:"إنّ قطار الثورة يسير على سكة الاشتراكية".

وعلى نحو أكثر تحديدًا يذكر أعضاء في جبهة التحرير الوطني ميالين إلى اليسار كمثل محمد الحربي الذي أصرّ كم كانت وجهات نظرهم السياسية متشابهة،"لم نستطع أن ننظر إليه كخصم!" أضاف:"تولّد لدينا انطباع بأننا كنا نتحرك نحو انصهار لجميع الثوريين"، هكذا وصف التقارب السياسي الذي وصفه فيما بعد قادة حزب الطليعة الاشتراكية الذين سمّوا الجناح اليساري في جبهة التحرير الوطني بـ "الجناح الثوري الديمقراطي".

تم إحياء هذه الصلة بين جبهة التحرير الوطني والدولة من جديد وعلى نحو مدهش حتى بعد الانقلاب العسكري سنة 1965 (بالرغم من القمع والسجن والتعذيب)، حين اعتمد بومدين على حزب الطليعة الاشتراكية كي يعزز إصلاحاته ذات الطابع اليساري كمثل الثورة الجزائرية وتأميم النفط والغاز سنة 1971. مثلاً، إن كتائب المتطوعين التي أُرسلت إلى المناطق الريفية من أجل دعم الفلاحين في أعمالهم ونشر إيديولوجيا تدعم الإصلاح الزراعي نظّمها حزب الطليعة الاشتراكية. كانت تلك أيضًا الأعوام التي أرسل فيها الشيوعيون الذي سُجنوا منذ 1965 رسائل إلى الرئيس عبّروا فيها عن دعمهم للثورة الجزائرية وموقف بومدين القوي ضد إسرائيل.

ولكن إذا كان الجناح اليساري في جبهة التحرير الوطني وأعضاء حزب الطليعة الاشتراكية قريبين هكذا، هل كان هناك أي شيء محدّد في كون المرء شيوعيًا؟ شرح علي* وهو ناشط سابق في الجزائر:"يجب أن يعرف الناس ما هو الشيوعي: إن الشيوعي شخص لا يسرق وغير جشع ولا يحتقر الناس هذا هو الشيوعي. إنه شخص ما يستخدم نقوده الخاصة من أجل الخير العام إنه الشخص الذي يساعد الناس". أضاف علي* أثناء المحادثة:"إن الاشتراكية بالنسبة لي هي التعليم الإجباري والعمل والحياة الجيدة والأكل الجيد والمساواة التي هي أكثر أهمية من أي شيء آخر".


إن غياب إشارات نظرية إلى الماركسية مذهل في كثير من السرديات رغم أنه من المرجّح ناجم عن انهيار الأنظمة الشيوعية في نهاية الثمانينيات. إن الإشارة الضمنية خلف الإصرار على المظاهر الأخلاقية للانخراط السياسي الماضي هي على ما يبدو نقد للوضع السياسي الحالي في الجزائر. وعبر التشديد على التعليم والكرامة والمساواة، إن رؤية الحراك الشيوعي التي تتبدى اليوم قريبة جدًا إلى الرؤية النوستالجية للدولة الجزائرية تحت حكم بومدين في السبعينيات. بتعبير آخر فإن سرديات الناشطين السابقين لا تشكل إشارة إلى الشيوعية كنظرية بقدر ما هي إشارة إلى فترة مفترضة من الزمن: ما بعد الاستقلال وفترة بومدين.

ثورة 1962

مشيرًا إلى الأعوام الأولى (أو حتى الأشهر الأولى) للاستقلال أخبرني جاك شوكرون عن تنظيم الأندية السينمائية ومشاهدة الأفلام ومناقشتها ومناقشة الكتب والسياسة في الستينيات: "كان فورانًا مستمرًا. عشنا ثلاث حيوات في واحدة، لم ننم كثيرًا. كان وقت إثارة لا يُصدّق: كنا مقتنعين أننا كنا سنبدع شيئًا ما".

وإذا ما عدنا إلى مُقتطف هنري آليغ، الذي أوردناه سابقًا عن قائمة مهمات بناء الدولة التي تنتظر الوطنيين، هناك شيء آخر يحدث في النص:

كانت الجزائر كلّها تتطلّع بتصميم نحو المستقبل، إلى نقطة بدت فيها الأحداث الدموية التي تلت الاستقلال ككابوس بعيد الآن فحسب. شعر الجميع بنوع من السعادة الغامرة، أن لديهم واجبًا أخلاقيًّا كي يلبوا نداء القادة ويطووا أكمامهم ويشاركوا في إعادة بناء البلاد. في غضون بضعة أشهر حُرثت الأرض المهجورة وزُرع ثلاثة ملايين هكتار. أعدنا بناء القرى المدمّرة، تدبرنا إزالة مدن الصفيح، عالجنا مسائل التربية والصحة والبطالة. وكي نمنع الجفاف، أطلقنا مشروع إعادة تحريج، وفي جوّ احتفائيّ، ذهب مئات آلاف الجزائريين، نساء ورجالاً، شبانًا وشيبًا، وجميعهم متطوعون، كي يزرعوا الأشجار في الأراضي التي عرّتها ريح الصحراء شاعرين بالفرح لأنهم يبعثون الحياة من جديد في الأرض. (4).

إن ما يصفه هنري أليغ هو جوّ احتفالي مشابه، الإثارة، الإفراط في النشاط، قلة النوم، والإحساس بعيش أكثر من حياة واحدة. إن سالم* الرجل الذي من مرسيليا والذي وصل إلى الجزائر في خريف 1962 ذُهلَ على الفور وتولّد لديه شعور قوي بالانتماء: قال إن الناس كانوا ظريفين وأخويين بشكل مدهش. "كان هذا ما كنت أحلم به في يوتوبياتنا. فالمجتمع الذي كنا ننشده، كان هنا".

إن جميع هذه العناصر: الأمل بالمستقبل والسعادة الغامرة والإثارة وحيوية تلك الأعوام الأولى ذكّرتني بقوة بعمل عالم الاجتماع هنري ديروش Henri Desroche في السبعينيات. مناقشًا إميل دوركهايم Émile Durkheim، وصف هنري ديروش بزوغ حركات ألفيّة (ويوتوبيات سياسية التي كما يقول تخدم بطرق مشابهة).(5). وهي تبزغ دومًا كما يزعم ديروش في فترات الإثارة الكبرى والفوران والاهتياج الفكري والروحي، أزمنة الابتكار السياسي والخيال والطاقة الكبيرة والتي هي شبيهة جدًا بما وصفه الذين حاورتُهم عن الستينيات والسبعينيات في الجزائر. إن إميل دوركهايم نفسه كتب قائلاً إنه يتوق إلى تجريب فترة من الزمن كهذه حين تُخترع الآلهة وتُولد المُثُل وتبقيك اليوتوبيات مستيقظًا: "سيأتي يوم تجرب فيه مجتمعاتنا ثانية ساعات الفوران الإبداعيّ الذي تنشأ أثناءه مُثُل جديدة". إن توق دوركهايم هنا يذكّر بالنوستالجيا التي عبر عنها كثير من الناس (ما وراء الدوائر الشيوعية) إلى فترة بومدين.

قلنا نحن المؤرخون في غالب الأحيان إنّ جبهة التحرير الوطني بنتْ شرعيتها السياسية عبر تجسيدها (بشكل كامل قدر الإمكان) لتجربة حرب الاستقلال الدموية. ما أقوله هنا هو أن هناك (بينما يبقى هذا صحيحًا على نحو كامل) شيئًا آخر دعّم جبهة التحرير الوطني وجعل من معارضتها وجهًا لوجه أمرًا صعبًا جدًا و(آثمًا) كما فعلت بضعة تنظيمات. 

كم سيكون من الصعب معارضة حزب (وفي الواقع نظام) نجح ليس فقط في تمثيل الحرب بل أيضًا في أن يكون في قلب اللحظة. لحظة اتّسمت بحماس شديد للاستقلال في السياق الأممي للاشتراكية والعالم ثالثية والوحدة الأفريقية. لحظة هي (في ذاتها) ثورية بمعنى أنها في الحقيقة ألفيّة.

يستدعي هذا سؤالَ أين انتهت هذه الفترة الثورية. أين بدأ هذا المرهم الألفيّ الذي يحمي حركة التحرر الوطني بالتلاشي جاعلاً الأمر أقل صعوبة بالنسبة للرجال والنساء "الذين يمارسون السياسة" كي ينظروا إلى أنفسهم كمعارضين للنظام؟ هل حدث هذا بعد انقلاب 1965 العسكري؟ أو بعد وفاة بومدين في 1978-79؟ أو أثناء التمرد وأعمال الشغب في الثمانينيات؟

يروي جاك شوكرون قصة كاتب ياسين الذي كان أيضًا في حزب الطليعة الاشتراكية قائلاً إنه طُلب منه أن يكتب في الصحافة الفرنسية بعد قمع أعمال شغب تشرين الأول/أكتوبر 1988 على يد الجيش الجزائري، إلا أن كاتب ياسين رفض ذلك لوقت طويل. وبالرغم من أنه كان ينتقد النظام بحدّة في أجواء خاصة فإنه قال لشوكرون إنه من المستحيل كتابة أي شيء ضد الدولة الجزائرية. في النهاية نشر مقالاً في اللوموند وهو عبارة عن نص قصير وغامض وغريب بعنوان "تمت خيانة جبهة التحرير الوطني". قال فيه: "قلتُ سابقًا وكتبت ما أفكر به. إن الجزائري الواعي لا يمكن أن يقف أبدًا ضد جبهة التحرير الوطني التي ندين لها بالاستقلال". (6). وعلى عكس الشبان الذين خرجوا إلى الشوارع في تشرين الأول/أكتوبر كان السحر ما يزال يعمل لرجال جيله.

                                                                      ترجمة أسامة إسبر   

 

هوامش:

(1) (Hafid Khatib, 1er Juillet 1956: L’accord FLN-PCA (O.P.U, n.d.

إن كيفية اندماج الشيوعيين في جيش التحرير الوطني قصة طويلة لا مجال لذكرها هنا؛ ولكن من الضروري ذكر أن حركة التحرير الوطني صفّت عددًا منهم جسديًا.

(2) إن الأسماء الأولى المشار إليها بنجمة تم تغييرها لإخفاء أسماء الأشخاص المشاركين.

(3) Henri Alleg, Mémoire algérienne: Souvenirs de luttes et d’espérances (Paris: Stock, 2005), 361.

(4) Ibid.

(5) Henri Desroche, Sociologie de l’espérance (Paris: Calmann-Levy, 1973).

(6) Yacine Kateb, “Le FLN a été trahi,” Le Monde, October 26, 1988.


 

 www.noqta.info


 

Developed by