Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

صاح جحا: يا قوم، لا تعجلوا بالتوبة!

 هبت يوماً ريحٌ شديدةٌ فأقبل الناس يدعون الله ويتوبون، فصاح جحا: يا قوم، لا تعجلوا بالتوبة وإنما هي زوبعة وتسكن-اخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي

واشنطن تستجوب «أمير الظل» المضرب عن الطعام! كما يكتب بيروت حمود

نشر بتاريخ: 2017-05-19


 
قروح مزمنة في أمعائك بعدد الأنظمة العربية. تحرك سبابتك المهمومة في فم طفلك. تسمع لدغته الناعمة الوردية. تبحث عن أول سن يجرح من أجل قضية. العضة ثأر. ويعضك عضات ناعمة... يضحك في وجهك. يفهم أنك، يا عبد الله، تدربه الدرس الأول للثوار... جميع الثوار
(مظفر النواب)

يلاحقكَ وجهه كيفما التفتّ. عينان هادئتان ثاقبتان تنظران إليك من زمنٍ وعالم آخر. تتساءل ماذا وراء هذا الحزم كله؟ «وجوه الفلسطينيين هي مرآة قلوبهم»، يردّ عليكَ في إحدى رواياته المهربة من العزل الإفرادي المراقب بعشرات الكاميرات! أمّا قبعته السوداء، التي تبدو كـ«عصبة» رأس، وتظهر لك في غالبية صوره، فتلك حكاية أخرى.

يشبه لاعبي الملاكمة! تبوح لنفسك. فيجيبكَ: «أجل، لقد كنت كذلك. تعلمت الملاكمة في الكويت، وتعلمت الجودو أيضاً، أنا أخاف من فكرة تكسير العظام. رأيت الإسرائيليين يكسرون عظام أبناء شعبي. شاهدت ذلك على التلفاز. أردت أن أكون قوياً، كي لا يكسر أحدهم عظامي. معلمي دربني على الحركة الأخيرة. الحركة الفاصلة، التي تسبّب القتل، لكنه قال لا تستخدمها ضد أحد!».

وماذا فعلت أنت؟ «سألته لماذا تعلمني شيئاً لا يصلح للاستخدام؟ أخذني إلى صحراء في الكويت ودربني على استخدام السلاح! وقال ألستَ فلسطينياً؟ قلت بلا. قال، إذن، عد إلى بلدكَ وقاتل أعداءك».
تبدأ رحلتكَ بلملمة خيوط التفاصيل. كان ذلك بمجرد أن ورد أمام عينكَ خبر يفيد بأنّ محكمة للاحتلال سمحت لنظيرتها الأميركية باستجواب صاحب أطول الأحكام في سجون (إسرائيل)، الأسير عبد الله البرغوثي، قبل يومين عبر تقنية  المؤتمر المرئي=«الفيديو كونفرنس». لماذا فعلت ذلك؟ لأنها تتهمه بالتسبب في مقتل مواطنين أميركيين من ضمن 67 إسرائيلياً، في خلال العمليات التي خطط لها وأدارها في القدس وتل أبيب. تتابع قراءتك: بعد خمس ساعات من استجوابه لم يتمكنوا من أخذ رد واحدٍ منه، حتى اسمه لم يعترف به. ثم؟ رغم إضرابه عن الطعام منذ أكثر من شهر، وحالته الصحية الصعبة، انهال عليه سجانوه بالضرب المبرّح لأنه لم يجب بكلمة واحدة!

المعلومات الواردة على الشكبة العنكبويتة لا تشفي غليلك. ولذلك تطلب من رفاقك في فلسطين أن يصلوك بأحد أفراد عائلته. سريعاً، تمرّ الفوتونات الصغيرة في الكابلات التي تشبك أطراف هذا الكوكب. تريد أن تعرف ماذا وراء ذلك كله؟ من هو هذا الرجل؟ ولماذا هو؟ ترفع زوجة عبد الله، أم أسامة، سماعة الهاتف. تردّ على سؤال «الأخبار» قائلة: «لا نعرف أكثر من المعلومات التي تعرفونها. لم يزره أحد، لم يخبرنا أحد أي شيء عن المحكمة الأميركية، سوى ما هو موجود في وسائل الإعلام».


انهال عليه سجانو الاحتلال بالضرب لأنه لم يجب حتى عن اسمه

هل زاره مندوبو «الصليب الأحمر»؟ السؤال البديهي الذي لا بد أن تسأله لعوائل الأسرى. تضحك أم أسامة، لكن ضحكتها متعبة. تشعر بأنك لا تسمع صوتها، بل يصلك صداه. ليست المشكلة في الاتصال. المشكلة في مكان آخر... في أنها موجودة في مرتبة أخرى من العالم الذي نحيا فيه، وقد لا تنفع فيه الأوصاف التي نطلقها على الأشياء التي في عالمنا.

«الصليب الأحمر؟! عندما تسأل موظفيه عن حال أسيرك يبدؤون بالتأفف، ويتهربون منك... لقد ذقنا المُر معهم. في خلال سنوات أسر زوجي الخمس عشرة زرته ثلاث مرات فقط! أولها كانت بعد 7 سنوات من عزله الإفرادي الذي استمر لعشرة أعوام».
تختنق على السماعة الأخرى من الهاتف. أي سؤال يُسأل لزوجة لم ترَ زوجها سوى ساعة ونصف ساعة في خلال 15 عاماً متواصلة؟ هل عرفتِ أنهم ضربوه بعدما لم يجبهم عن أي سؤال؟ لا تعرف كيف تخرج الكلمات من فمك، ولماذا تزيد الهم على هذه المرأة الصابرة المحتسبة.
«نعم»، تجيب بحزم، قبل أن تتابع كأنها تردّد جملاً قالتها آلاف المرات أمام الصحافيين والسائلين: «لقد ضربوه في السابق، حققوا معه لمدة ستة أشهر متواصلة، مع أن القانون يسمح بـ90 يوماً فقط. لم يضربوه فحسب، بل شبحوه على الكرسي، طوال هذه المدة، مع حرمانه النوم لأيام متواصلة، كذلك أفلتوا الكلاب المسعورة عليه».
تكمل المرأة حكاية زوجها، فيما تحاول تكوين صورة عن حالة عبد الله، متسائلاً: أي صخرة هو هذا الإنسان؟ يصلك جوابه هذه المرة، من عبد الله نفسه: «التقيت مع الموت وجهاً لوجه، تحدثت معه، لكن الله لم يكتب لي الشهادة، فعندما شارفت على الموت في أقبية التحقيق، رأيت ملاك الموت يبتعد. الله لم يرد ذلك ببساطة».
أصعب موقف في خلال الزيارات؟ تجيب أم أسامة: «أول مرة زرته كانت بعد سبع سنوات من سجنه الإفرادي والمعزول. لا يمكنني وصف الشوق الذي كنت أراكمه طوال هذه السنوات. وعندما رأيته، صدمت! كان شاباً وفجأة أقابله والشيب يغطي رأسه. استجمعت قواي، يومها، وبدأت بإخباره عن أحوال الأهل والأبناء... لكن الأصعب بالنسبة إلي، هو حين رأى أطفاله، وخاصة أصغرهم، صفاء، التي كان عمرها شهراً يوم اعتقاله!».
كيف كُشف «السيد أنطوان من بيت لحم»؟ «كانت تالا بين ذراعيه. طبيب العيون الذي كان سيعالج مرض عينيها لم يأتِ في موعد كان قد حدد سابقاً. اعتذر، وأجّله لساعة. ولذلك قرر الاستفادة من الوقت المؤجل، فذهب إلى مكتب سمسار العقارات الذي كان عليه إيجاد شقة جديدة للعائلة. عائلة (السيد أنطوان من بيت لحم) المطارد منذ 15 شهراً». تحكي زوجة عبد الله، تفاصيل اليوم الذي اعتقل فيه زوجها، وهي التفاصيل التي كتبها الأسير البرغوثي في روايته «أمير الظل: مهندس على الطريق».
كانت تالا بين ذراعيه اللتين صنعتا العبوات والأحزمة الناسفة، وزنّرت بطون الشرفاء من المقاومين الاستشهاديين، وقتلت عشرات الإسرائيليين. ذراعاه اللتان لا ترتجفان، هما نفسهما اللتان كانتا تهمّان بوضع تالا على مقعد السيارة، فقد كان عليهما مواجهة الكلاب البوليسية، قبل أن تفاجآ بالأصفاد الحديدية التي كبلتهما، وبجنود الاحتلال الذين خطفوا جسده، بعدما رموا الطفلة أرضاً، في أحد مواقف السيارات في مدينة رام الله.
إنه الخامس من آذار، والبرد ينخر في عمق الجسد. الشرطة الفلسطينية تجد طفلة وحيدة في موقف للسيارات. تأخذها وتسألها عن اسمها، لكن الطفلة تعرف أنها تالا أنطوان. لا يوجد شيء اسمه تالا أنطوان. كل ما كانت تقوله الطفلة، رغم مرض عينيها، أنها رأت كلاباً وكلاباً، وكلما سألوها أين تسكنين؟ أجابتهم إجابة مختلفة، فالوالد مطارد من منزل إلى آخر.
أمّا أم أسامة، فكان المرض قد أقعدها في الفراش مع الابن إلياس (أسامة) والأخت الصغرى مريانا (صفاء) ابنة الشهر. تعرفت الجدة إلى تالا بعدما عمموا صورة الطفلة الضائعة. قالت هذه تالا! لكن، الأم عرفت بعد وقت طويل. كان ذلك كله بسبب سمسار العقارات، السمسار الذي كان عميلاً للاحتلال ووشى بعبد الله!
«لقد اختلط لحم جسده مع الإسمنت، وصار مدفوناً تحت بناية. نال جزاءه، هذا عقاب العملاء». هكذا يجيب عبد الله عن مصير العميل الذي وشى به مختصراً الحكاية.
كان ذلك كله، قبل أكثر من خمسة عشر عاماً بكثير. حين عاد عبد الله مهندساً من كوريا الجنوبية، بعد مدة، عرف كيف يفك شيفرة الاتصالات الكورية ويتواصل مع أهله بالمجان، ثم عاد إليهم مهندساً مكانيكياً، وأخيراً حصل على تصريح للدخول إلى الضفة (كان قد فقد مواطنته الفلسطينية بسبب سكنه في الكويت، ولذلك يعامل على أنه أسير أردني كونه يحمل الجنسية الأدرنية)، ثم انضم إلى «كتائب القسام»، وخلف الشهيد يحيى عياش، وأدار عشرات العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة... ثم يأتي عام 2003 ويحاكم 67 مؤبداً مدى الحياة، وخمسة آلاف ومئتي عام!
 
 

 
Developed by