Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

وصابروا

 اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
صدق الله العظيم

استحالة تقسيم فلسطين: بين الاستعمار والاستعمار الاستيطانيّ .. كما تكتب كوثر قديري

نشر بتاريخ: 2017-05-19
 

  
في العام 1947، اقترحت الأمم المتّحدة تقسيم فلسطين، وأبقت على هذا الخطاب منذ تلك الفترة. وقد وُلدت من رحم المفاوضات السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة وسيرورة عملٍ كاملة كان يُفترض أن تؤدّي إلى أن تتحوّل الدولتين وضعاً قائماً. وحتّى حركة حماس قرّرت أن تعدّل في ميثاقها لتجعل التزامها بحلّ الدولتين رسمياً أكثر مما كان عليه.

ولعقودٍ مضت، تحوّلت المطالبة بحلّ الدولتين في فلسطين شعاراً. لكن وعلى الأرض، سعت إسرائيل إلى تعثير حلّ الدولتين بشكلٍ منهجيّ ومنظّم لتقويض أي إمكانيّة لقيام دولة عربيّة فلسطينيّة مستقلّة ذات سيادة.

وتفرض إسرائيل سيطرة، مباشرة وغير مباشرة، على كل الأراضي والمناطق بين البحر المتوسّط ونهر الأردن – من خلال التطهير العرقيّ، الاستعمار، المصادرة، التحكّم بالسكّان، إلى جانب الاعتداءات الدمويّة وغيرها من الأساليب. وهي تفرض الوقائع على الأرض، وتشرعن استعمارها قانونياً من خلال جهاز القضاء "الديمقراطيّ" فيها.

الوضع القائم في فلسطين اليوم ليس نتيجة فشل المفاوضات، بل هو ناتج عن صيرورةٍ متكاملة لأحداث جرت في الشرق الأوسط قبل الحرب العالميّة الأولى، وخلالها وبعدها، وما زالت جارية. وهي تتألف وتتركّب من الدمج بين الاستعمار الإمبرياليّ والاستعمار الاستيطانيّ. فكيف دفع الدمج بين الاستعمارين، الاستيطانيّ والإمبريالي، نحو اقتراح التقسيم من قبل القوى الاستعماريّة ومن بعدها المجتمع الدوليّ، وكيف يجعل هذا الدمج، هو بذاته، مقترحات التقسيم مستحيلة.
 
الاستعمار والتقسيم
 
عُرض تقسيم فلسطين لأوّل مرّة في تقريرٍ رسميّ أصدرته "اللجنة الملكيّة لفلسطين" في العام 1937- على الرغم من أن هذا الطرح كان متداولاً لفترات طويلة سابقة. اعتمدت اقتراحات اللجنة المعروفة بأسم "لجنة بيل" على عدم توافق الطموحات الوطنيّة العربيّة واليهوديّة، إذ جاء في التقرير: "يبدو أنّ التقسيم يمنح ولو فرصةً للسلام الدائم. ولم نلمس مثل هذه الفرصة في أي خطةٍ أخرى". اقتُرح التقسيم باعتباره أداة لحل الصراع، وقد استخدمته بريطانيا سابقاً في القضيّة الإيرلنديّة قبلها بسنوات.
أما الادعاء ب"عدم التوافق بين الطموحات الوطنيّة"، واعتبار هذا الحلّ أهون الشرور، فهي الادعاءات المركزيّة في معظم عمليّات التقسيم، بل وتشكّل حجر الأساس في نظريّة التقسيم.
 
دفع الدمج بين الاستعمارين، الاستيطانيّ والإمبريالي، نحو اقتراح التقسيم من قبل القوى الاستعماريّة ومن بعدها المجتمع الدولي، فكيف يجعل هذا الدمج، هو بذاته، مقترحات التقسيم مستحيلة
 
حمّل التقسيم "معنى سياسيّ" ودخل المعجم السياسيّ مع نهاية القرن الثامن عشر فقط، مع تقسيم بولندا (ثوماس ج. فريزر، 1984، ك.ج. رانكين 2006)، ويُمكن تعريفه على أنه: "(...) مقترح خارجيّ لفرض حدودٍ جديدة تقطع وطناً قومياً لجماعةٍ واحدةٍ لتشكّل بهذا وحدتين منفصلتين على الأقل، تحت سلطات وسيادات مختلفة (بريندان أوليري، 2006)". إن مصطلحات مثل الاقتراح الخارجيّ، والفرض، والحدّ الجديد، والفصل، والوطن القوميّ السابق.. هي عوامل مركزيّة في مفهوم التقسيم (جو كليري 2002، لويس كريزبرغ 2000).

تكمن أهميّة أن يكون التقسيم "اقتراحاً خارجياً"، كما يُشير رادا كومار، بأنّه "تاريخياً، فإن التقسيمات الإثنيّة حدثت إمّا بموجب السياسة الإستعماريّة فرّق تسُد أو في سياق النقل الاستعماريّ للسلطة" (كومار، 2000). من جهته، يشرح جو كليري، أنّه "في دوره الأساسيّ، يظهر أن التقسيم يحدث غالباً حيث – نتيجة الحكم الاستعماريّ أو الانهيار العسكريّ التام في زمن الحرب - تفقد المجتمعات سيطرتها على مصيرها السياسيّ، وتكون خاضعةً لإرادة القوى الخارجيّة" (جو كليري 2002).

ويرى الباحثون بأنّ التقسيم لم يحدث في كل الصراعات التنافسيّة الإثنيّة - القوميّة، وإنما حدث تحديداً في المناطق التي كانت خاضعةً للاستعمار، أو لأي نوع آخر من السلطة الخارجيّة – والهيئات الدوليّة واحدة من هذه السلطات - التي لطالما فاقمت هذه الصراعات الإثنيّة - القوميّة. هناك نقاش مطروح عن صلاح التقسيم كحل للمنافسة النزاعيّة الإثنيّة - القوميّة، بالنظر لما يثيره دائماً من معارضة ضمن المجتمعات والمناطق المعنيّة بالأمر" (ثوماس ج. فرازر، 1984).

زاد اهتمام الباحثين بهذا الشأن أكثر وأكثر بعد اتفاقيّة دايتون للسلام عام 1995 في يوغوسلافيا سابقاً. واحدة من أهم المساهمات في هذا الحقل المعرفيّ هي دراسة ثوماس ج. فرازير الصادرة عام 1984 حول تقسيم إيرلندا، والهند، وفلسطين كجزء من دائرة السيطرة و/ أو التأثير للمملكة المتّحدة. كل واحدة من هذه الحالات كانت تتميّز بكونها جزءاً من "النظام البريطاني"، وفي كل حالة من الحالات طُرح التقسيم على أنّه أداة متبنّاة لـ"حل المشاكل" في محاولةٍ لتلبية الطموحات السياسيّة المتنازَعة. في فلسطين، حيث وُجدت حركتان "وطنيّتان" متنازِعتان تحت الحكم البريطانيّ (نديم روحانا)، كانت واحدة من هاتين الحركتين، وهي الصهيونيّة، حركة استعمار استيطانيّ. أكثر من ذلك، حصّلت هذه الحركة شرعيّةً تامّة من القوّة الاستعماريّة الحاكمة، ومن الهيئات التي تبعت هذه القوّة الاستعماريّة.
 
الاستعمار الاستيطانيّ، من الإقصاء إلى التدمير

لا يزال السؤال عما إن كانت الصهيونيّة حركة استعمار استيطانيّ يثير جدلاً في بعض الأوساط. هذا بالأساس بسبب افتراضات عامّة حول الإستعمار والاستعمارية ومنتوجهما – المستعمَرة. يُفترض عموماً أن المستعمرة هي بالضرورة منطقة مرتبطة ومعتمدة على متروبول أو عاصمة (ماكسيم رودينسون، 1981). وقد استخدمت الحركة الصهيونيّة هذا الادعاء لدحض الملاحظات على طابعها الكولونياليّ، في حين اعتُرف بحقيقة أنّ الاستعمار كان جزءاً من المشروع الصهيونيّ (جوزيف مسعد، 2006): عرضت الحركة الصهيونيّة مشروع إقامة دولة يهوديّة من خلال الاستعمار، على أنه جزءاً من العالم الإستعماريّ الأوروبيّ، بينما كانتا نُسخ "اشتراكيّة" لهذا المشروع تعرض المشروع الصهيونيّة كواحد من المشاريع المساهمة في محاربة الامبرياليّة ونظام رأس المال العالميّ. لاحقاً، وبعد أن كانت تعرض مشروعها بدايةً على أنه استعماريّ، عرضت المؤسسة الصهيونيّة مشروعها على أنّه حركة تحرّر وطنيّ لتؤسسه بوصفه مناهضاً للاستعمار بطبيعته، أي حتّى لو أنه تأسس من خلال الاستعمار، إلا أنه ليس استعمارياً!"

كان الفلسطينيّون والعرب متنبّهين إلى الطبيعة الاستيطانيّة الاستعماريّة للصهيونيّة قبل مدة طويلة من تطوّر دراسات الاستعمار الاستيطانيّ، وقبل أن يتشكّل المصطلح المستخدم اليوم. عرفوا أن الصهيونيّة حركة تهدف إلى إقصائهم وصولاً إلى الحلول بدالهم في فلسطين. وكانوا متنبّهين إلى أن هذا المشروع لا يمكن اعتباره بمستوى الاستعمار البريطانيّ نفسه.

وفعلاً، لا بدّ للاستعمار الاستيطانيّ أن يواجه كظاهرةٍ عالميّة فريدة، تتميّز عن استعماريّة المتروبول (لورينزو فيراشيني 2010، باتريك وولف 1999، وغيرهم). ويتفق الباحثون في الاستعمار الاستيطانيّ على الطابع الاستعماريّ الاستيطانيّ للصهيونيّة.

استخدام كلمات مثل "فشل" أو "انسداد" في العمليّة السلميّة قاصر عن نقل الحقيقة. إنها استخدامات خاطئة لفهم طبيعة القوى التي تقود نحو الوضع القائم وتستمر في إنتاجه. الاستعمار الاستيطانيّ لا يبحث عن شرعيّة من الشعب الأصلانيّ، ولا يُمكن أن تقدّم الشعوب الأصلانيّة مثل هذا التنازل أبداً
 
على خطى مكسيم رودينسون، فإن هؤلاء الباحثين توصّلوا إلى تعريف الصهيونيّة كحركة استعماريّة استيطانيّة والتسليم بالإقصائيّة والتدمير الكامنين في الاستعمار الاستيطانيّ ولا سيما في الصهيونيّة. أما بالنسبة لباتريك وولف (2006)، فإن المستعمرات الاستيطانيّة إما أن تكون "قائمة على تهجير الأصلانيّين من الأرض، (أو مبادلتهم عليها) من خلال أنماط التدمير والنقل القسريّ". تعتمد أيديولوجيا الاستعمار الاستيطانيّ على القوة العاملة، بالتناقض مع الاستعمار الإمبرياليّ الكلاسيكيّ. وينعكس هذا من خلال سياسة العمل اليهوديّة، وتحديداً في تنظيم العمل اليهوديّ في كل المناطق والمصالح، ومن خلال منع عمالة العرب حتّى وإن جاء هذا المنع باستخدام العنف. عملياً، اعتمد تطوّر الصهيونيّة في فلسطين بشكلٍ مباشرٍ على "الإقصاء الشامل للقوى العامل العربيّة الأصلانيّة الأقل كلفةً، ونودي بهذا الإقصاء من كل العمل في كل قطاعات الوسط اليهوديّ في الاقتصاد المحليّ". (غرشون شافير في أوري رام، 1999). من المؤكد أن هذه النزعة الإنفصاليّة الإقتصاديّة كانت حجر الزاوية في بناء مجتمع استيطانيّ مستقل ومتجانس، وصولاً إلى القبول الرسميّ للتقسيم. يدّعي شافير بأن الاستعمار الإسرائيليّ كان يمكن ممارسته بطريقتين فقط: "أعلى حدّ من الحصريّة المناطقيّة، والاستنتاج المنطقيّ من هذا المبدأ هو إزالة العرب الفلسطينيين، أو التقسيم المناطقيّ لأرض إسرائيل/ فلسطين، نحو تطوّرين منفصلين للوطنيّتين الفلسطينيّة والإسرائيليّة". بدأت الحركة الصهيونية بالاختيار الواقعيّ للطريقة الثانية، بينما أبقت الطريقة الأولى في بالها وفي تخطيطها كما يظهر من رسائل بن غوريون إلى ابنه بعد نشر خارطة التقسيم في العام 1937.
 
قبول التقسيم وشرعيّة الاستعمار والاستعمار الاستيطانيّ
 
باعتبارها حركة استعمارٍ استيطانيّ، لا يُمكن للصهيونيّة ولمنتوجها ــ إسرائيل ــ التوقّف عن سياسات الغزو والتهجير إلى أن تتحقق كلّ الطاقة الكامنة فيها، حتّى احتلال كل فلسطين كما يقول البعض، والسيطرة على أوسع مساحة من الأراضي بأقل عددٍ من العرب.

استخدام كلمات مثل "فشل" أو "انسداد" في العمليّة السلميّة قاصر عن نقل الحقيقة، إنها استخدامات خاطئة لفهم طبيعة القوى التي تقود نحو الوضع القائم وتستمر في إنتاجه. إن الاستعمار الإستيطانيّ لا يبحث عن شرعيّة من الشعب الأصلانيّ، ولا يُمكن أن تقدّم الشعوب الأصلانيّة مثل هذا التنازل أبداً.

بقبول مبدأ التقسيم في نهاية السبعينيّات، وقبوله رسمياً في العام 1988، اختارت منظمة التحرير الفلسطينيّة أن يكون للفلسطينيين صوتاً على طاولة المفاوضات، و"إنقاذ ما يمكن إنقاذه" والانضمام إلى دائرة الدول الوطنيّة. وفي الوقت ذاته، منح ذلك شرعيةً تامةً للاستعمار وللتقسيم الإثنيّ كما منح الشرعيّة لحركة الاستعمار الاستيطانيّ وممثليها.

أما اليوم، ومع تواصل التمسك بحل الدولتين، فإن السلطة الفلسطينيّة، والأمم المتّحدة، وكلّ الداعمين لهذا الحل يتجاهلون الطبيعة الاستيطانيّة الاستعماريّة للصهيونيّة ولإسرائيل، ما يشرعن بهذا الاستعمار، ويكرّم الموروث الاستعماريّ وفوق كل هذا، يعزز الخطاب الإسرائيليّ.

لقد قدّم الاستعمار مبادئ التقسيم والاستعمار الاستيطانيّ، أما مناهضة الاستعمار فتنادي بالتفكير والتطوير لتصوّرات مناهضةٍ للتقسيم من أجل هزيمة الاستعمار الكولونياليّ.
* باحثة في تاريخ الصهيونية، من أصل تونسي. حائزة على دكتوراه من جامعة إكستر بإشراف ألان بابيه
Developed by