Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

الوسيلة الوحيدة الفعّالة لقطع دابر الاستبداد

 يقول الشيح عبدالرحمان الكواكبي: (إنَّ الوسيلة الوحيدة الفعّالة لقطع دابر الاستبداد هي ترقّي الأمَّة في الإدراك والإحساس، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتحميس. ثمَّ إنَّ اقتناع الفكر العام وإذعانه إلى غير مألوفه، لا يتأتّى إلا في زمنٍ طويل)

ماكرون والنظام الفرنسي الجديد

نشر بتاريخ: 2017-05-16
 

أصبح القاطن الجديد لعرش الإليزيه منذ يوم الأحد الماضي هو إيمانويل ماكرون (39 عاماً)، وبذلك يصبح هو أصغر رئيس سناً في تاريخ فرنسا.

وحياة إيمانويل ماكرون شبيهة بألبوم صور متعدد الألوان كما تصفه لنا قناة «فرانس 24». بدأها بمسار تعليمي ناجح في أبرز المدارس والمعاهد الفرنسية، وهي معهد «هنري 4» بباريس ثم معهد العلوم السياسية أيضاً في المدينة نفسها (2001)، ثم المدرسة العليا للإدارة بمدينة ستراسبورغ (2002-2004)، إضافة إلى مؤسسات تعليمية عريقة أخرى. ‬وخلال ‬مشواره ‬الدراسي، ‬وقع ‬إيمانويل ‬ماكرون ‬قبل ‬أن ‬يتجاوز ‬الـ16 ‬سنة ‬في ‬غرام ‬مدرسة ‬للغة ‬الفرنسية، ‬تدعى ‬برجيت ‬ترونيو، ‬والتي ‬تكبره ‬سناً ‬بعشرين ‬سنة.




وقد لعبت هذه السيدة دوراً أساسياً في تألق نجم ماكرون سواء على الصعيد المهني أم السياسي. فبعد تخرجه من المدرسة العليا للإدارة في 2004، عمل كمفتش عام للمالية لمدة ثلاث سنوات، ثم انتقل بعد ذلك ليعمل في لجنة مهمتها إيجاد سياسة مالية تدعم الاقتصاد الفرنسي تحت رئاسة جاك أتالي، مستشار الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران.
وفي 2008، غادر ماكرون عالم الإدارة العليا والتحق بمصرف «روتشيلد» ليكتشف أسرار البنوك والمالية. وفي 2012، التحق بالرئيس السابق فرانسوا أولاند، وعمل مستشاراً اقتصادياً إلى غاية 2014، ليعينه أولاند بعد ذلك وزيراً للاقتصاد محل «أرنو مونتبورغ» الذي استقال من منصبه. ودامت فترة ماكرون الوزارية سنتين (2014-2016) قبل أن يؤسس حركته «إلى الأمام» ليستقطب بذلك عشرات الآلاف من المساندين، غالبيتهم من الشباب الذين يرون فيه رجل المرحلة من دون منازع، إلى أن وصل إلى كرسي الرئاسة في قصر الإليزيه.

وأعرف بعضاً من الاستراتيجيين الجامعيين الذين عملوا معه في الحملة الانتخابية، وعندما كنت أسألهم عن حظوظ الفوز، ما كان أحد منهم يتكهن ولو لثانية واحدة بأنه سينعم بهذا الفوز الكبير! ولا أحد إطلاقاً كان يتصور أن التيارين السياسيين التقليديين اللذين طبعا تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، وأعني بذلك اليمين واليسار، سيخفقان في بلوغ الشوط الثاني من الانتخابات الرئاسية... ولذا فإن ما جرى زلزال سياسي كبير، لأن حتى بعض أصوات اليمين واليسار صوتت لهذا الرئيس الشاب، وبمعنى آخر، فإن الفرنسيين تغيرت نظرتهم تجاه السياسة وأهلها. وهناك أزمة الحزب ومصداقية التمثيل في واحد من أعرق البلدان الديمقراطية في العالم. وقد نجح الرئيس الشاب بذكاء في إقناعهم بضرورة التغيير الذي يجب ألا ينال فقط القشور، وإنما البنية الداخلية للحزب والإيديولوجية والدولة والاقتصاد والمجتمع.

والمهم من هذه العملية السياسية الطويلة والفريدة من نوعها أن اليمين المتطرف لم يصل إلى السلطة، والمهم أيضاً أن الموجة اليمينية المتطرفة والقومية التي بدأت تجتاح بعض الدول الديمقراطية التقليدية، لم تصب فرنسا، لأنها لو أصابتها، لتغيرت أوروبا عن بكرة أبيها، ولتوقف الاتحاد الأوروبي، ولشهدنا صراعات داخلية لا يمكن أن تخمد. ولأثرت على اقتصادات العديد من الدول الأوروبية والدول المتوسطية والعربية على السواء، ولأصابت العدوى جل الدول المجاورة التي ستدخل في سياسات حمائية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً... كما أن الملايين من المهاجرين العرب والأفارقة، الذين يعدون بالنسبة للعديد من دولهم الأصليين المورد المالي الأول لها، سيجدون أيضاً أنفسهم بين سندان السياسات الأمنية الجديدة، ومطرقة الكراهية الرسمية لهم.

وعندما أعلنت عن النتائج الرئاسية، كان البعض يتنظر تكذيباً وتحذيراً من مارين لوبين، زعيمة اليمين المتطرف، ولكنها أخذت الكلام مباشرة بعد الإعلان لتعترف بهزيمتها، وتشكر الـ11 مليون فرنسي الذين صوتوا لها، وتهنئ الرئيس ماكرون على انتخابه، وتدعو إلى مراجعة الذات لاستمالة الفرنسيين الذين لم يصوتوا لها... فهي على رغم إيديولوجيتها المتطرفة، اعترفت بالهزيمة واستسلمت لقواعد اللعبة السياسية... ولنتصور لو كان الأمر يتعلق بدولة إفريقية وعربية؟ لقامت الدنيا ولم تقعد، ولاتهمت شياطين الجن وعالم الإنس بالتدخل والتزوير!

وأنت عندما تتبع الخطاب السياسي لدى المرشحين في الدول الغربية تكتشف واقعيتهم، إذ ينطلقون من الواقع السياسي، وليس من الخيال السياسي كما هو الشأن عند العديد من المرشحين في الأقطار العربية. وهذا الواقع يفرض على كل مرشح الالتزام بالقوانين السامية للبلد، أي الدستور قولاً وعملاً. وقد يعارضون في حملتهم الانتخابية بعضاً من بنوده التي لم تعد صالحة، ولكنهم لا يتجرؤون أبداً على تجاوز روح تلك البنود لأن في ذلك تقليلاً من أهمية ثقة الشعوب ومبدأ الخضوع الجماعي لرغبة أصوات الناخبين.


د. عبدالحق عزوزي
Developed by