Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

في رد البغي نصر

 " وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ"
صدق الله العظيم

حلف الفضول (الديانات الثلاث في أبوظبي)

نشر بتاريخ: 2017-05-15

في أبوظبي انطلقت هذا الأسبوع قافلة السلام والوئام بين الديانات الإبراهيمية، من خلال اجتماع ما يزيد على ثلاثين من أبرز رجال الدين الأميركيين من الديانات الثلاث، استضافهم منتدى تعزيز السلم في إطار مشروع عبر عنه العلامة الشيخ عبد الله بن بية بحلف الفضول «للوئام والسلام السعيد بين الأديان».

اختيار أبوظبي نقطة انطلاق للمشروع لم يكن اعتباطياً، بل يعكس صورة دولة الإمارات بلد تسامح وحوار وانفتاح وتعايش بين مختلف الملل والجنسيات والقوميات، كما أنها ترعى وتستضيف منتدى تعزيز السلم ذاته الذي بلور مقاربة جديدة في الحوار الديني تفادت أخطاء وثغرات الحوارات الدينية السابقة التي عانت من خللين رئيسيين هما: عقبة التباين في المنطلقات العقدية، وتركة الصدام التاريخي.




وهكذا انطلقت مقاربة منتدى تعزيز السلم من مبدأ المشتركات الإنسانية ومفهوم المواطنة الكونية، سعياً إلى استلهام المدونات النصية والتراثية لكل واحدة من الديانات في ترجمة وصياغة هذه المقومات الفكرية والقيمية المشتركة، وهو الجهد الذي قام به الشيخ بن بية من خلال قراءته المعمقة لصحيفة المدينة التي كرست فكرة التضامن الإنساني الكوني في ما وراء الاختلاف الديني، وقد عكس الإعلان الصادر عن المنتدى 2016 هذه الرؤية الإسلامية المبتكرة التي رحب بها كل ممثلي الديانات الأخرى.

بهذا الخصوص، أستحضر ما لاحظه المفكر التونسي محمد الطالبي الذي رحل عن عالمنا الأسبوع الماضي- وهو من أوسع الناس تجربة في الحوار الديني- أن الحوار بين ممثلي الديانات إذا اتجه إلى النقاش اللاهوتي المتصل بالقبليات الاعتقادية أفضى إلى الفشل المحقق، وإن بقي في مستوى أدبيات التعايش تحول إلى مجاملات دبلوماسية زائفة.

وللخروج من هذا المأزق، ثمة مسالك ثلاثة للحوار الديني يمكن استكشافها في مستوى الجذور العقدية، والتقاليد التأويلية، والمنظور القيمي. في هذه المحاور الثلاث لابد أن يخرج الحوار من أحد منزلقين: المنزلق الإبستمولوجي المتعلق بنمط المعرفة الدينية، والمنزلق الاختلافي الجذري الذي لا يرى في التجربة الإيمانية أي مضامين بُرهانية كونية.

فإذا كانت الحقائق الدينية المتضمنة للاعتقادات الأساسية الجوهرية لا مكان فيها للنظر العقلي النقدي، بل إن صدقيتها ترجع لمعايير الثقة والشهادة والتصديق، فإن في الأنساق الدينية مضامين قيمية ومعرفية تخضع للتداول المشترك ويمكن صياغتها بلغة العقل العمومي حسب عبارة هابرماس، وهي بهذا المعنى مادة للحوار والتبادل. ليس المقصود هنا هو الوصول إلى توافق ملزم حسب النموذج المنطقي الكلاسيكي أو الإبستمولوجي الوضعي، بل يمكن الاكتفاء بما عبر عنه الفيلسوف الأميركي «تشارلز تايلور» بـ«قبول التوافقات المعقولة» أو «الإجماع التركيبي».

بخصوص الجذور العقدية المشتركة، يتعين التنبيه إلى أن الديانات الإبراهيمية تلتقي في خصائص أربعة مميزة كان لها تأثير كبير في الفكر الإنساني: عقيدة الخلق التي تكرس ذاتية الإنسان، ومقولة المطلق التي تؤسس لمقولة الحرية باعتبارها خروجاً عن حتمية الطبيعة، ومركزية الكتاب التي تؤسس لتقليد التأويل، وعقيدة الجزاء التي تؤسس لأفق التاريخية، أي الخلاص عبر الزمن. إن هذه المعاني ليست من اختصاص الديانة المسيحية أو التقليد اليهودي المسيحي كما يذهب إلى ذلك البعض، بل هي جلية بارزة في الإسلام عقيدة وتراثاً، كما أنها تبين بأن الحضارة الإنسانية الحديثة هي في أصولها الجوهرية من نتاج وأثر الديانات الإبراهيمية.

وإذا كان الدين لم يعد يشكل المحور المرجعي للقيم الجماعية في الغرب (وهو في ذلك استثناء محدود داخل العالم)، فإن الحالة العلمانية لم تلغ دور الدين والحاجة إليه في الرهانات القيمية الجوهرية في مجتمعات انحسرت فيها كل البدائل الأيديولوجية والمؤسسية التي أريد لها أن تعوض وظائف الدين، ومن هنا الحديث المتجدد عن «المجتمعات ما بعد العلمانية» (هابرماس وتايلور) التي يستعيد فيها الدين حقه في الرجوع إلى الميدان العمومي وفق قواعد التعددية القائمة.

ومن هنا يمكن للديانات الثلاث أن تتعاضد وتتعاون في هذه الرهانات الجديدة، بإعادة الاعتبار لقيم الحياة والكرامة الإنسانية والتضامن الإنساني المهددة، دون أن يعني الأمر كسر قوالب التنوع العقدي والمعياري التي تفصل بين هذه الديانات. وكما يقول ريكور لا معنى للغيرية دون الذاتية، كما لا يمكن للدين أن يحاور الدين الآخر ويستضيفه دون أن تكون له ذاتية مميزة قائمة، فالكائن الذي لا هوية له لا يمكن أن يشارك في السياق الكوني الذي يقتضي أن تكون له خصوصياته التي يطل منها على الكونية.

لقد أطلق منتدى تعزيز السلم على مبادرته الجديدة تسمية «حلف الفضول» الذي هو في أصله حلف قرشي سابق على الإسلام قام على قيم أخلاقية إنسانية أقرها الإسلام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لو دعي إليه في الإسلام لأجابه، وفي استعادة هذا المشروع تحقيق ملموس لمقاصد الدين في التسامح والحوار.

السيد ولد أباه
Developed by