Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

سعادة الشاعر

 السعاده إحساس رائع يدركه اﻻنسان بقدراته فهو يحول الظﻻم نورا باضاءة شمعه .. ويهزم اليأس بكلمه ..
ويبعث اﻻحﻻم لتملأ الوجدان فرحا
الشاعر شهاب محمد

هل الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟

نشر بتاريخ: 2017-05-06

 

 
هذا سؤال ناقشه الأخ رشيد في الحلقة 491 من برنامجه الجريء (سؤال جريئ)،والحق أنه كان قويا-كعادته- في الطرح والتحليل والمناقشة،ذكيا-كدأبه- في الخلوص والاستنتاج لما يريده من تسويد وجه الإسلام والانتصار لمعتقده وأنصاره،ولكن ما لا يريد رشيد الاعتراف به هو كم من قوي غوي! تغويه قوته فترديه في المهالك،تماما كفرعون القوي الذي أغوته قوته فاقتحم البحر الذي لم يفتح له وإنما انفتح لعدوه..هكذا هذا الأخ يمارس قوته الحجاجية ضد الإسلام ومقدساته،فتنقلب عليه فتفضح تعمده للإفتراء والعدوان والتزوير وعدم الإنصاف في المناظرة والتحقيق في الدراسة،وهي صفات ينبغي أن يتنزه عنها كل باحث نزيه،مهما كان معتقده. إن الهدف الأساسي لرشيد من سؤال هذه الحلقة والذي أراد أن يرسخه بعد رميه حبائله جاء في قرابة ختام الحلقة أي58:55 تقريبا حيث قال "إن هذا السؤال هو الذي سينقذ المسلم من هذا السجن الكبير المسمى إسلام"!

وهو يعني ما يعني مما جند له نفسه، هذا الأخ المنقذ المخلص! الذي خلصه يسوع من سجن الإسلام كما يقول دائما..إذن فالاسلام سجن كبير! وأيضا فقد جاء في ثنايا الحلقة شيء من السخرية بالاسلام ما تنفطر منه السماء وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا،قوله عن الإسلام:"خلِّلوه –من المخلل المرقد- واحشوه –من المحشي- وفرجوه –أي ضعوه في الفريدج والثلاجة- في الدقيقة 22:10 تقريبا وكرر نفس السخرية عن آية "الحرابة" في 45:07 تقريبا قال "هذا النص مخلل في الثلاجة لا يطبق على أرض الواقع في كل البلدان الإسلامية"، بالاضافة إلى حكمه على أولياء الأمور الذين لا يطبقون بعض الحدود مثلا أنهم "لا يستطيعون لأنهم يخجلون من هذه النصوص" 56:29،وكذلك قوله:"القرآن غير صالح .. ممكن يدخل للسجن في بعض الأماكن" إلخ ما جادت به قريحته الحجاجية وما نفس به و روَّح به على أتباعه ومحبيه،وما غمز به رب العالمين وانتقصه به في صفته العليم والحكيم المذيل بهما بعض آيات الأحكام التي احتج بها..والحال أنه يدافع عن حقوق المسيحيين في المغرب،فلا أدري كيف يتم له ذلك مع هذا الإستفزاز الذي سيؤول إلى حروب ،لا قدر الله.

أما ردنا على هذا الأخ، فلا يمكن أن نفصِل فيه الذاتية عن الموضوعية في النقد،لأن طريقته في نقد القرآن فرع عن المنهجية الفكرية التي يتميز بها ،فكلما لاك شيئا من الاسلام بفمه إلا أتى بحكم تهويلي بإطلاقات كلية و لكن بالإستدلال عليها بحجج جزئية،مما يفقده خاصية مهمة في البحث العلمي وهي الإستقراء التام أو الأغلبي لقضايا جزئية ولكنها ذات امتدادات فكرية متشعبة ،فيأتي ويستخلص منها أحكاما عامة سلبية تقرع الاسلام والقرآن. فما معنى أن تتساءل عن صلوحية القرآن والإسلام لكل زمان ومكان ولا تأتي إلا ببعض شرائع الإسلام؟كلها مرتكزة على أحكام عملية متعلقة بتدبير التدرج في التشريع وتطور المجتمع والسياسة الشرعية والعلاقات الدولية وميزان القوة ومراتب الايمان،فإن الاستشهاد بحرب المشركين بعد انسلاخ الأشهر الحرم،وقتال أهل الكتاب وأخذ الجزية منهم وملك اليمين وأحكام الميراث وحد الحرابة وحد السرقة وحد الزاني وضرب النساء.. في تسع شواهد ذكرها في الحلقة وزعم أن لديه الكثير،كل ذلك أبعاض من الإسلام والقرآن،فهل يعود الجزء المعطل من شرع الله على الكل وهو الاسلام والقرآن بالإبطال؟خاصة ونحن نعلم أن الإسلام شرائع كثيرة ، فلم يتعرض رشيد إلى عقيدة التوحيد الإسلامية النقية التي تنقض اعتقاده،ولا إلى بقية العقائد،بالسؤال هل تصلح أم لا تصلح وهو يرى أتباع المسيحية في الشرق والغرب كيف تستهويهم عقيدة التوحيد في الاسلام! ولا إلى عبادات الإسلام كالطهارة والنظافة والتجمل والصلاة والتعبد والزكاة والصيام.. ومعاشرة الأزواج في ظل الحقوق والواجبات المتبادلة، ولا إلى أحكام أسرية أخرى ولا إلى أخلاق الاسلام الفردية والأسرية والإجتماعية و لا إلى أخلاقيات الإسلام في العلاقات الدولية ..

مع أنه شهد بنفسه على محاورة عالم إنجليزي دخل الإسلام ،ليس بسبب معجزة انشقاق القمر ولكن بسبب آية الربا،المهم أنها أسرته بجمال أحكامها.والشواهد على مصداقية أحكام الإسلام مستعصية على النكران..كل هذه المحاسن فإن رشيد مستعد لكي يفتري على الناس ويقول إنها مأخوذة من الحضارات المجاورة للعرب أو أخذها نبي الاسلام من أهل الكتاب أو ...لا بد أن يدنسها بشيء من السخرية أو يغطيها بنوع من المراوغة..مثل ما زعم في هذه الحلقة أن "الصلب" من عادات العرب ولم يعرج على الحديث عن صلب المسيح -الذي يؤمن بأنه ربه- من طرف الرومان وأحبار اليهود في الدقيقة 52:46 من الحلقة تقريبا،لأنه ليس من مقاصده آنئذ،وكما زعم أن تعدد الزوجات وتوريث الذكر مثل حظ الأنثيين،من حضارات الجاهلية،لأنه مغرم بقاعدة ضرب الاسلام بإثبات أنه منتسخ من حضارات أخرى مجاورة،أما أن يتذكر بأن الله رب الكل وأنه يوحي بشرعه إلى كل الأجناس عبر رسله ،وأن اطراد محاسن الأعمال في الأمم من مقتضى (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) فلا يلتفت إلى هذه الحقيقة.

وجوابا عن تساؤلاتك بتلك الشواهد الجزئية المذكورة، وإعطاءً لتفسير آخر عنها غير تفسيرك المغرض،أقول إن أمرها يخضع إلى شيئين اثنين،إما إلى عمد وتفريط و تقصير من أولياء الأمور وعامتهم ،أو إلى فقه مقاصدي في شرائع الإسلام وتنزيله وإعماله من لدنهم،كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لَتُنْتَقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتُقِضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا: الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ»،فها هو الذي جاء بالاسلام أخبرنا أن بعض أحكامه ستعطل،فمعذرة إليك لا نحتاج منك دروسا تشرحها على هواك!خاصة وأنك لم تسامحنا على هناتنا وهفواتنا بل رقصت على جراحنا زمنا طويلا،ولا بد لكل راقص من سقطة!وكذلك من مصائبنا ما حذرنا منه نبينا:" «إن الله لا يرفع العلم بقبض يقبضه، ولكن يقبض العلماء بعلمهم، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فحدثوا، فضلوا وأضلوا»،وهذا من مخرجات الفكر الخارجي،نحن نعرف هذا ولكن ليس هو الوجه الحقيقي للإسلام،لأن ما لم تنصفنا فيه هو الشهادة بخاصية الواقعية في الإسلام ،وأول من طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ،أذكرك فقط بحاله في مكة ومقتضيات التصرف بأحوال الضعيف الحكيم وحاله في المدينة،لكن الكل يشهد بمقاصد الإسلام الأصلية،وبالمقصد من إرسال الرسول وتنزيل القرآن،( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)،ويكفي أن أذكرك بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد ،هل ضربه رسول الله؟

والشاب الذي نال من امرأة كل شيء من مقدمات الفاحشة إلا هي،ونزل في شأنه قرآن بأن يصلي طرفي النهار وزلفا من الليل(إن الحسنات يذهبن السيئات) ولم يعنفه رسول الله ،هل تظن أن مثل هذا إذا حدث في المجتمع اليوم يعامل مرتكبه بمثل تسامح النبي؟لا يمكن لأن هناك قواعد للإجتهاد والتنزيل ومقاصد للأحكام ومقامات للمُشرع تتفاوت بين السماحة والشدة ،كل حادث في زمان ومكان بحسبه،و هل تعتقد أن كلما وقعت إساءة لشيء من مقدسات الاسلام تمسكنا بسماحة الاسلام من غير أن ننتصر؟ ولكن الثابت الذي لا تستطيع إنكاره وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما امتلك القوة لم يستعملها أعني مع "الطلقاء" مثلا ،لأنه متمسك بالأصل الذي أصله الله له وهو الرحمة،وإذا لم نحارب الناس إذا لم يحاربونا أو نحد الناس الحدود المعروفة ،لغياب الشروط الذاتية والموضوعية،فهذا هو الأصل أعني السلام والعفو والسماحة ،فهل تريد منا أن نكون مجانين فنقوم بحرب الأمم على ضعفنا وتداعي الأكلة علينا لنثبت للعالم أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان،سنثبت عندئذ أننا انتحاريون مجانين،أم هل تريد أن يُستعجل بحدِّكَ أنت نفسك حد الردة المعطل حتى تقتنع بصلوحية الإسلام في الزمان والمكان،

وأخيرا إن مثلك في طرح هذا التساؤل كمثل من يغطي الشمس بالغربال – كما يقال- ،تطرح هذا السؤال في القرن الواحد والعشرين وأنت تعلم أن بلاغ الاسلام بلغ ما بلغ فيهما بجماله وسماحته ويسره،بماذا ساد وانتشر الاسلام في أمريكا مثلا؟بحكم السيف أو بحكم النور والخير الذي دخل القلوب سمحا وطوعا؟ومثلك-أيضا- كمثل من لا تصل إليه شمس الظهيرة،فيشك هل هي واقعة على سقف بيته أم يذهب ينقضه ليتأكد من رؤيتها،فما ضر الاسلام إذ عطلت بعض أحكامه سفاهة أو حكمة!؟ فحاول أن تجيب على سؤالك من كل زوايا النظر،مستخدما مناهج الإسلاميين وغيرهم في الاستقصاء والنظر والمقارنة ومعرفة ما هو ثابت مما هو متغير،فإنك سترى كثيرا مما سخفت فيه أدلتك قد تم مناقشته قبلك والتنبيه إلى ما حصل فيه من تجاوزات لبعض الطوائف الضالة،سواء من يُعمِل النصوص الشرعية في غير محلها من خوارج الماضي والحاضر،أو من دعاة العصرانية أو ممن ينادون بقرآن جديد فيه (للأنثى مثل حظ الذكرين) أو ممن يشغبون على الإسلام منذ قرون مديدة وتساءلوا –مستهزئين- مثل سؤالك،فلو أنصفت لتساءلت هل "الشرائع الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان"؟،وحينئذ كنا سنتفق معك في بعض الشرائع التي لها مناط خاص،أو توجيه خاص من مقتضى حكم الدولة أو ظروف الدعوة أو قدر الصولة.هداك الله.

عبد المجيد المرواني*

*أستاذ العقيدة والدراسات الاسلامية،جامعة الجوف،المملكة العربية السعودية.
Developed by