Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

الوسيلة الوحيدة الفعّالة لقطع دابر الاستبداد

 يقول الشيح عبدالرحمان الكواكبي: (إنَّ الوسيلة الوحيدة الفعّالة لقطع دابر الاستبداد هي ترقّي الأمَّة في الإدراك والإحساس، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتحميس. ثمَّ إنَّ اقتناع الفكر العام وإذعانه إلى غير مألوفه، لا يتأتّى إلا في زمنٍ طويل)

أزمــة راتــب .. كما تكتب سما حسن

نشر بتاريخ: 2017-04-20
 

 قديما قال جدي رحمه الله أن الوظيفة الحكومية إن لم تغن صاحبها فهي تستره، وقال المثل الشعبي المصري "إنْ فاتَكْ الميري تْمرَّغْ في تْرابُه"، ويعني أن عليك أن تعض يديك ندما على فقدان الوظيفة الحكومية، أما المثل الذي قاله أبي قبل سنوات بعيدة وقبل أن تصل الأوضاع في غزة إلى ما آلت إليه فهذا المثل هو أن " الوظيفة في فم الأسد".....

هذه الأمثال والمقولات كانت تنطبق على الوظائف الحكومية مهما كان الراتب الشهري الذي يجنيه الموظف منها، فهي كانت تضمن له الحياة المستورة وتضمه إلى الطبقة المتوسطة، كما تضمن له سنوات التقاعد، وكذلك إعالة الأُسرة بعد وفاته وان كانت تجود بأقل القليل، إلا أنها كانت تقي عائلة الموظف شر السؤال، ولذلك ظل البحث عن وظيفة هو الشغل الشاغل للمواطن مهما كلفه من انتظار، بل إن الآباء والأمهات ظلوا يشترطون فيمن يتقدم للزواج من بناتهم أن يكون موظفاً محترماً ببذلة وربطة عنق كواجهة اجتماعية سرعان ما تغيرت الظروف في النظرة لها بسبب التغيرات التي حدثت في العالم أجمع، وإن كان البعض ينظر للتجارة بأنها ثلاثة أرباع الرزق أو ما أشبه من نسبة كبيرة كباب من أبواب العمل.

ودون الإشارة للوظائف الحكومية إبان الحكم المصري ثم الاحتلال الإسرائيلي لغزة نصل الى ما حدث مؤخراً على الساحة الفلسطينية بخصوص الخصومات التي طالت موظفي السلطة الفلسطينية في غزة والذين يقدر عددهم بالآلاف ما بين عسكري ومدني، وبالنظر لهذه الأعداد الضخمة ودون الدخول في نقاشات سياسية فيجب أن ننوِّه إلى أن هؤلاء يعيلون عائلات أُخرى بصورة أو أخرى ويمنحون بذلك جزءاً من رواتبهم لهم، ولذلك فانتظار الراتب في أول كل شهر ليس هو حلم وأمل الموظف بل هو حلم والديه المسنين، وحلم شقيقه المريض وحلم ابنه المتزوج والذي لم يجد عملا ومر به قطار العمر فقرر والده أن يزوجه ويمنحه جزءاً من راتبه عملا بمقولة "رزقنا ورزقك على الله".

ومن منطلق هذا المثال وقعت أكبر كارثة في غزة، فلو نظرنا إلى هذا الأسلوب المتبع نجد أنه ينطبق على من يستلمون مخصصات مالية كل ثلاثة أشهر من وزارة الشؤون الاجتماعية، وكذلك من يستلمون مخصصات بصفتهم جرحى وذوي شهداء وأسرى، فإن هؤلاء جميعاً وبسبب تردي الوضع الاقتصادي في غزة أصبحوا يعيلون أكثر من أُسرة، وينفقون رواتبهم في اكثر من اتجاه، وطالما كنت أُحذر بأن الاعتماد على الراتب الذي يحصل عليه هؤلاء وتوسيع نطاق توزيعه، والدخول في مشاريع زواج وبناء وشراء بيوت وسيارات، وغيرها من الاتجاهات كفيلة بأن تغرق أصحابها في لحظة ويجدون أنفسهم قد وقعوا في ورطة لا فكاك منها.

 للأسف الشديد، وبعد أن سبق السيف العذل أصبحت هذه الشريحة في ورطة كبيرة، ليس بسبب الخصم لأن هؤلاء كانوا قادرين على تدبر حياتهم وحياة اسرهم بما يتبقى من نزر يسير من رواتبهم، ولكنهم أصبحوا متورطين لأنهم عملوا بمبدأ أنه كلما زاد الدخل فإن سقف النفقات يتسع، فتغيرت حياتهم ونمط معيشتهم، وأصبح الموظف الذي تزوج في بيت عائلته يبحث عن شقة لابنه لكي يستقل فيها، فتباعدت أواصر اللحمة والترابط الاجتماعي التي كانت تشتهر بهما غزة، وكثرت المشاكل الأسرية والعائلية على عكس ما كان يتوقع حين يبتعد الابن عن عائلته الأُم، لأن مصدر الدخل ظل واحداً وزادت المصروفات والنفقات.

 فعلى سبيل المثال كان هناك موظف في الخمسين من عمره يبكي على باب أحد البنوك بسبب الخصم الذي نال راتبه، والسبب كما يقول أنه ينفق على ولديه المتزوجين من هذا الراتب، ويدفع إيجار شقتين لهما، وبذلك فمصيبته مضاعفة، وليست قاصرة على عائلته، وهذا ينطبق على عشرات الأُسر في غزة للأسف، حتى العائلات التي تتقاضى مخصصات الشؤون الاجتماعية، فهي قد اشتركت ضمن مشاريع مؤسسات تيسير الزواج لتزويج أحد الأبناء، وأصبحت عليها التزامات مالية شهرية يجب تسديدها وإلا تعرضوا للسجن والملاحقة بالكمبيالات والشيكات أمام القانون.

المختصر المفيد أننا في غزة للأسف قد اعتمدنا على الرواتب حتى غرقنا، وقد نسينا أن غزة مليئة بالخير وأن على أهل غزة الا ينتظروا المعونات ولا الكوبونات لا في أول كل شهر ولا في رمضان ولا في الأعياد، فغزة لو لم تكن قوية وزاخرة بالخير لما جاورت البحر كل هذا العمر، ولكنها بحاجة لمن يأخذ بيدها لكي تتعلم صيد السمك، هناك وسائل كثيرة لزيادة مواردها وإغناء شبابها، وإشباع أطفالها، وربما تكون "مجزرة الرواتب" كما يطلق عليها ورغم أنها أسقطت الدموع في كل بيت فلسطيني هي شرارة البداية نحو نهضة اقتصادية لن تقوم إلا على أيدي الشباب والرجال وكل من عليهم عدم الانتظار. 
Developed by