Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

الاسلام والقيم

 التربية الدينية (الاسلامية) أن نفهم العقيدة التوحيدية والعبادات وأسس تعاملنا مع المجتمع والدولة والمواطنة والناس، والتحلي بالفضائل والقيم. والاختلاف بين الأديان يقع أساسا بالعقائد والعبادات وهو من "المتميزات" بين الأديان، أما القيم والمعاملات وهي ال90% فهي ما يجمع البشرية جمعاء وفيها (جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).

كيف انتصرت مدينة ميكلين البلجيكية على "الجهادية"

نشر بتاريخ: 2017-04-08


الاندماج والوقاية من الإسلاموية الراديكالية في بلجيكا


على عكس غيرها من المدن البلجيكية يكاد لا يوجد أي أتباع للإسلاموية القابلة للعنف في مدينة ميكلين البلجيكية، البالغة نسبة المسلمين فيها 20%. وهذا خصوصاً بفضل عمدة المدينة بارت سومرز العامل على اندماج جميع السكان –سواء كانوا من أصول مهاجرة أو غير مهاجرة– في واقع المدينة المتعدد الثقافات. ماركوس ماير يسلط الضوء على تجربة نجاح مدينة ميكلين المتميزة في المساواة والاندماج، وبالتالي الوقاية من الراديكالية.


عندما أراد الرجل الملتحي أن يلقي خطبة في مدينة ميكلين الفلمنكية حول الشريعة، لم يُسمح له بذلك. وقد تم إبعاده. وحتى في نادي الشباب، حيث كان يأمل هذا الداعية تحقيق نجاح سهل، لم تجد دعوته إلى القتال باسم الله آذانًا صاغية. لقد عبَّر الشباب بوضوح بعد ظهوره عن رأيهم في مثل هذه الآراء المتطرِّفة، ومن الممكن مشاهدة  ذلك على موقع يوتيوب، حيث يردِّدون مرارًا وتكرارًا بانفراد هذه الجملة: "أنا متطرِّف..." -فاصل- "متطرِّف في التنوُّع". والآن مضى على ذلك خمسة أعوام تقريبًا.

قبل فترة قصيرة، صادفت الذكرى السنوية لهجوم الإرهابيين الاسلامويين في مطار بروكسل وفي مترو الأنفاق، والذي راح ضحيته خمسة وثلاثون قتيلاً. وفي تلك الأيَّام كانت أوروبا لا تزال تعيش ذكرى هجمات باريس، التي وقعت قبل ذلك ببضعة أشهر، والمذبحة في قاعة باتاكلان الموسيقية وكذلك القتلى في مقاهي الشارع. ومنذ ذلك الحين بات من المعروف: أنَّ بلجيكا تعاني من مشكلة الإرهاب. وقد اعترف إرهابيو ما يسمى بتنظيم "الدولة الإسلامية" بمسؤوليتهم عن هذه الهجمات، وقد أفضت آثار المعتدين إلى العاصمة البلجيكية بروكسل، وتحديدًا إلى منطقة مولينبيك.

لكن ليس من بروكسل وحدها هاجر أشخاص إلى الجماعات الإسلاموية المتطرِّفة. فبحسب معلومات وزارة الداخلية البلجيكية حاول نحو خمسمائة شخص من جميع أنحاء بلجيكا الانضمام إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا - وبالمقارنة فإنَّ هذه النسبة أعلى مما عليه الحال في دول الاتِّحاد الأوروبي الأخرى. فمن ألمانيا -الأكبر من بلجيكا بسبع مرَّات- سافر تسعمائة شخص إلى الشرق الأوسط بنية القتال.

وبناءً على ذلك فإنَّ كلَّ مدينة بلجيكية تقريبًا فَقَدَت العشرات من سكَّانها لدى الميليشيات الإرهابية: فقد اِلتحق بالميليشيات الإرهابية من مدينة أنتويرب ستةٌ وسبعون شخصًا، ومن مدينة فيلفورد -التي تبلغ مساحتها نصف مساحة ميكلين فقط وتقع جنوبًا على بعد عشرين كيلومترًا- سبعةٌ وعشرون شخصًا، ومن مدينة مولينبيك المعروفة بسمعتها السيئة كـ"بؤرة الإرهاب" واحدٌ وثلاثون شخصًا، ومن جميع أنحاء بروكسل مائةٌ وسبعة عشر شخصًا. ولكن في مدينة ميكلين لا يزال الأهالي لا يريدون معرفة أي شيء عن الجماعات الإسلاموية. فمن المفترض أنَّ ثلاثة أشخاص فقط سافروا من هناك إلى القتال. ولفترة طويلة تمكَّنت "لؤلؤة فلاندر" -مثلما يتم تمجيد هذه المدينة البالغ عدد سكَّانها خمسة وثمانين ألف نسمة- من الحفاظ على وحدة جميع مواطنيها. إذًا ما الذي يُحبط في مدينة ميكلين دعوة الإرهابيين إلى القتال، التي تجد في أماكن أخرى آذانًا صاغية؟

 بارت سومرز، عمدة مدينة ميكلين البلجيكية. Foto: DW
"شعور إيجابي بالارتياح" و"أمن من خلال الوقاية": مؤسَّسة "عُمداء المدن" في لندن ترى أنَّ بارت سومرز، عمدة مدينة ميكلين، صنع من هذه المدينة "المهملة" واحدةً من المدن "الأكثر جاذبية" في بلجيكا؛ وعلى ما يبدو فقد جعل في الوقت نفسه الإسلاموية الراديكالية غير جذَّابة بالنسبة لسكَّان مدينته.

يجب التدخُّل عندما يبدأ شخص ما بمغازلة الأفكار المتطرِّفة

حتى بداية الألفية كانت مدينة ميكلين تشتهر بكونها "أقذر مدينة في ولاية فلاندر". وكانت نسبة الجريمة فيها مرتفعة: وفي كلِّ عام كانت تشهد مئات من جرائم السطو والسرقات وكسر السيَّارات. أمَّا اليوم فقد أصبحت شوارعها نظيفة، ومن النادر أن تُشاهَد فيها حتى أعقاب السجائر. انخفضت في هذه المدينة نسبة الجريمة، وذلك مثلما يُقال بفضل وجود شبكة كثيفة من كاميرات المراقبة.

غير أنَّ مؤسَّسة "عمداء المدن" في لندن ترى أنَّ هذا التطوُّر يعود إلى عمدة ميكلين، الذي يُفترض أنَّه أفضل رئيس بلدية في العالم. تقول هذه المؤسَّسة إنَّ بارت سومرز، عمدة ميكلين، صنع من هذه المدينة "المهملة" واحدةً من المدن "الأكثر جاذبية" في بلجيكا؛ وعلى ما يبدو فقد جعل في الوقت نفسه الإسلاموية الراديكالية غير جذَّابة بالنسبة لسكَّان مدينته.

"هذه معركة تتجدَّد في كلِّ يوم"، مثلما قال بارت سومرز ذات مرة في صباح يوم سبت. وعندما يبدأ شخص ما بمغازلة الأفكار المتطرِّفة، يجب علينا التدخُّل، بحسب تعبير العمدة بارت سومرز، الذي يترأس بلدية ميكلين منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.

وهو يفعل ذلك بنجاح كبير، بحيث أنَّ حتى وزراء داخلية دول الاتِّحاد الأوروبي يريدون أن يعرفوا كيف يمنع سكَّان مدينته من التحوُّل إلى إسلامويين متطرِّفين. فرانسواز شيبانز، عمدة "بؤرة الإرهاب" المفترضة مدينة مولينبيك، تنظر في بعض الأحيان باستغراب إلى ميكلين، حيث يبدو أنَّ ما لا يسير بشكل جيد في مدينتها يعمل بنجاح هناك، ألا وهو: وضع حدّ لتطرُّف الأفراد.

ولكن مع ذلك فإنَّ مدينتي ميكلين ومولينبيك متشابهتان: لهما تقريبًا المساحة نفسها، والمزيج الثقافي نفسه. بارت سومرز يعرف الأرقام: يعيش في ميكلين أشخاص منحدرون من مائة وثمانٍ وعشرين جنسية، وعشرون في المائة من السكَّان هم مسلمون. وثلث الأطفال هناك لديهم والدان مسلمان. إذًا ما الذي يميِّز المدينتين بعضهما عن بعض؟  حول ذلك يقول عمدة ميكلين البالغ من العمر اثنين وخمسين عامًا: "التعايش أوجد هنا جُدران حماية مرتفعة أكثر مما عليه الحال في أي مكان آخر. المتطرِّفون لم يجدوا لدينا أية أرضية يستطيعون فيها تجنيد الشباب".

شعار نادي الشباب "Rojm" وهو نادي الشباب الوحيد في نادي ميكلين البلجيكية.Foto: http://rojm.be
إغلاق الأبواب في وجه الجهاديين: قام نادي الشباب "Rojm" في الماضي بإبعاد بعض الدعاة السلفيين. وهو نادي الشباب الوحيد في ميكلين، التي لا يوجد فيها نادي شباب مغربي أو أرميني أو تونسي، بل يوجد فيها فقط نادي "Rojm". وعمدة مدينة ميكلين، بارت سومرز، يجد ذلك رائعًا. ولو أنَّه سمح بإنشاء نادي شباب لكلِّ جنسية من المائة وثمانٍ وعشرين جنسية في مكلين، لكان من الممكن أن يسفر ذلك عن إيجاد "شارع مليء بنوادي الشباب"، وهذا أمر غير معقول.

لا يوجد سوى نادي شباب واحد - للجميع

في ميكلين لا وجود للوسط الجنائي، الذي يمنح مدينة مولينبيك سمعتها السيئة. ففي وسط مدينة ميكلين لا تُشاهَد مجموعات الشباب المتسكِّعين في الشوارع، الذين لا تفصلهم سوى فكرة بسيطة عن اقتراف الحماقات. والشباب في ميكلين يلتقون ببعضهم على سبيل المثال في نادي الشباب "Rojm"، حيث قاموا بإبعاد داعية سلفي.

وهو نادي الشباب الوحيد في مدينة ميكلين، التي لا يوجد فيها نادي شباب مغربي أو أرميني أو تونسي، بل يوجد فيها فقط نادٍ واحد، هو: "Rojm". وبارت سومرز يجد ذلك رائعًا. ولو أنَّه سمح بإنشاء نادي شباب لكلِّ جنسية من المائة وثمانٍ وعشرين جنسية في مكلين، فمن الممكن أن يسفر ذلك عن إيجاد "شارع مليء بنوادي الشباب"، وهذا أمر غير معقول.

يقول عمد مكلين إنَّ عدم ميول الشباب هنا إلى اقتراف الحماقات يعود بحسب رأيه إلى الثقة والشعور بأنَّهم "مواطنون". ويضيف أنَّ مَنْ يشعر بأنَّه جزء من المجتمع، يتولَّ المسؤولية. وفي المقابل إنَّ مَنْ يعِش في غيتو، سواء كان هذا الغيتو حقيقيًا أو شعورياً، لا يشعر بهذه الثقة، ولا يتولى بالتالي أي مسؤولية.

"الأمن يبدأ بالوقاية"

يحاول رئيس بلدية ميكلين أن يكون قريبًا من المواطنين والاستماع إليهم. وسياسته ليست يمينية ولا يسارية. وهو يركز على ملف الأمن الداخلي المهم بالنسبة للمحافظين، ويدعم في الوقت نفسه التنوُّع في المجتمع، وهو مطلب أقرب إلى اليسار. وبارت سومرز، الليبرالي، يفكِّر بشكل براغماتي. وعندما تنعكس كاميرات المراقبة بشكل إيجابي في معدلات الجريمة، لا يعبأ لانتقاد المراقبة. وفي هذا الصدد يقول: "نحن نحاول تجربة الكثير هنا في ميكلين".

وهكذا حاول إقناع أولياء الأمور غير المهاجرين بإرسال أبنائهم إلى مدارس يذهب إليها في المقام الأوَّل أطفال من أصول مهاجرة. وقد نجح ذلك في أربع مدارس من أصل ست مدارس، مثلما يقول: وهذا نجاح جزئي فقط، لكن يجب على المرء الاستمرار في ذلك. استثمر بارت سومرز في منطقة كانت سمعتها في السابق سيئة، وعمل على إصلاح الشوارع وبناء المنازل والمستشفيات والقاعات الرياضية. على الرغم من أنَّ هذا -بحسب تعبيره- يُرهق الميزانية، غير أنَّه ينعكس في "شعور إيجابي بالارتياح".

يُشاهَد في مدينة ميكلين رجال الشرطة في الشوارع وهم راكبون خاصةً على الدرَّاجات الهوائية، بناءً على طلب مديرهم العام، لأنَّ ذلك يُسهِّل بناء التواصل والثقة مع الناس. "الأمن يبدأ مع الوقاية"، كما يقول بارت سومرز. ولذلك فهو يطلب من موظفيه التعامل أيضًا بشكل مكثَّف مع المجرمين الشباب. وحول ذلك يقول يجب عليهم محاسبتهم على كلِّ شيء تافه، وحتى على عدم وجود طفَّايات حريق أو حقيبة إسعافات أولية قديمة في السيارة.

لم يستغرق الأمر أسبوعين، مثلما يقول بارت سومرز، حتى تعهَّد المجرمون الشباب بالتحسُّن. وفي الوقت نفسه وفَّرت لهم البلدية وظائف ومساكن. والآن لم يعد المُتسبِّبون في خلق المشكلات الكبيرة يخلقون أية مشكلات. وعلى الرغم من أنَّ هذه الطريقة مكلفة -بحسب قول بارت سومرز- ولكنها آتت أكلها.

حزن وتضامن مع ضحايا تفحير في بروكسل. Foto: Reuters
الحزن والتضامن مع ضحايا الإرهاب الإسلاموي الراديكالي في بلجيكا: سلسلة من التفجيرات في المطار ومحطة لمترو الأنفاق أصابت بتاريخ 22 / 03 / 2016 بروكسل حتى النخاع. حيث قُتِلَ عشرون شخصًا في محطة مترو الأنفاق "ميلبيك" وأربعة عشر شخصًا في مطار زافينتيم.

اندماج الأهالي القدماء في الواقع المتعدِّد الثقافات

وكذلك كان من المجدي توظيف "الإخوة الكبار". هكذا يُسمُّون الطلاب، الذين استخدمهم بارت سومرز، حتى يكونوا قدوة للأشخاص الأصغر سنًا في الملاعب الرياضة من خلال الالتزام بالقواعد والقوانين. أثناء ذلك استمرَّ أعضاء نادٍ رياضي بجمع القمامة من حول منشأتهم الرياضية، إلى أن باتت المنطقة نظيفة.

وفي هذا الصدد يقول رئيس النادي الرياضي إنَّه طلب من رياضيي ناديه أيضًا أن يجتهدوا في المدرسة، أو أنَّه لن يسمح لهم بأن يُتعبوا أنفسهم في الملعب. وهذا النادي اسمه "سلام". وبحسب هذه التحية العربية تعتبر جميع الجنسيات موضع ترحيب في هذا النادي.

وهكذا يتعامل بارت سومرز أيضًا مع المواطنين الجدد. فالعنصرية والتمييز غير مقبولين. وهو يطالب باندماج الجميع، وحتى الأهالي القدماء - "وتحديدًا في هذا الواقع" الذي تلتقي فيه في مدينة ميكلين بالذات ثقافات كثيرة.

وبالنسبة لرئيس بلدية ميكلين لا يوجد في مدينته سوى مجتمع واحد فقط. وحول ذلك يقول إنَّ كلَّ مَنْ يعيش هنا يُعدُّ من مواطنيها، بصرف النظر عن امتداد جذوره. فهو على سبيل المثال مواطن ميكليني من الجيل الرابع عشر. ويصف نفسه بقوله: "غير أنَّني أوَّل شخص من أسرة سومرز يعيش في ميكلين المتعدَّدة الثقافات".

 

ماركوس ماير

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: زود دويتشه تسايتونغ /  موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

Developed by