Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

الاسلام والقيم

 التربية الدينية (الاسلامية) أن نفهم العقيدة التوحيدية والعبادات وأسس تعاملنا مع المجتمع والدولة والمواطنة والناس، والتحلي بالفضائل والقيم. والاختلاف بين الأديان يقع أساسا بالعقائد والعبادات وهو من "المتميزات" بين الأديان، أما القيم والمعاملات وهي ال90% فهي ما يجمع البشرية جمعاء وفيها (جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).

كيف تم تحريم الديمقراطية واعتبارها ضد الإسلام؟ ) ( من الخوارج الى المودودي فقطب)

ابو الأعلى المودودي
نشر بتاريخ: 2017-04-07
 

منذ عصر النبوة لم يخل المجتمع الإسلامى منذ عصر النبوة من وجود الغلاة أو المتطرفين سواء أكان ذلك فى اتجاه الإفراط أو فى اتجاه التفريط على الرغم من أن الآية القرآنية جاءت واضحة وقاطعة فى إثبات وتقرير صفة «الوسطية» للأمة الإسلامية «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا»، ورغم أن الوسطية تكاد تكون هى الملمح الأبرز من بين الملامح التى رافقت فجر الدعوة الإسلامية، وتجسدت بمنتهى الوضوح فى الشخصية الأولى فى هذا الدين وهو نبى الإسلام الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

إلا أنه منذ عصر النبوة لم يخل المجتمع الإسلامى من وجود بعض الغلاة أو المتطرفين، سواء أكان ذلك فى اتجاه الإفراط أو فى اتجاه التفريط.

فكتب الحديث تحدثنا عن هؤلاء الصحابة الذين استقلوا أعمالهم الصالحة، فعزموا على صيام النهار أبدا وقيام الليل دائما واعتزال النساء والزواج والإنجاب نهائيا.. وقد رفض النبى «ص» هذا الاتجاه قائلا: «أما إنى أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنى أصوم وأفطر وأقوم وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى».

وسواء كانت المسألة إفراطا أو تفريطا فقد جاء عن النبى «ص» أنه قال «إياكم والغلو فى الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو فى الدين».

ولكن نستطيع أن نقول إن هذا الغلو الذى نتحدث عنه لم يأخذ أى شكل تنظيمى أو حتى جماعى.. بل كانت الحالة أشبه بما نطلق عليه اليوم «حالات فردية».

وليت الأمر توقف عند هذا الحد.. فقد تطورت فكرة الغلو والتطرف حتى أخذت شكلها «التنظيمى» مع أحداث الفتنة الكبرى وظهور تيار الخوارج ورفعه شعار «الحاكمية».. فمنذ التحكيم فى الصراع بين الخليفة الراشد على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان ومن معه من أهل الشام، وعندما هتف الخوارج فى معسكر على «لا حكم إلا لله»، مكفرين بذلك الذين ارتضوا التحكيم والحاكمية البشرية فى هذا الصراع السياسى.. كانت العقلانية الرائعة والوسطية الإسلامية الملهمة حاضرة على لسان على بن أبى طالب الذى أجابهم «إنها كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله.. ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر» (نهج البلاغة).

نستطيع أن نقول بشكل قاطع إن هؤلاء الخوارج قد أسسوا فى التاريخ الإسلامى «فكر الغلو والتطرف المنظم والجماعى عندما خانتهم عقولهم وبصائرهم فجعلوا حاكمية الله سبحانه وتعالى التى هى قضاؤه وتشريعه الحدودى الدائم والثابت نافية ولاغية لحكم البشر وإدارتهم لشؤون الحياة والدولة والسياسة والاجتماع.. ونسى هؤلاء أنه إذا كانت الحاكمية والتشريع لله فإن للإنسان أيضا حاكمية وتشريعات، ولكل منهما مجال غير الآخر.. فتشريعات البشر تتحرك ضمن شرع الله الحدودى لربط الواقع بالدين ولإيجاد حكم للأشياء المستجدة، حسب ما يراه العقل صوابا ومصلحة دون تجاوز لتلك الحدود الثابتة.. ومن ثم فيمكن اعتبارها قومية وجزئية ومؤقتة للمجتمع الذى وضعت له تلك التشريعات.. وما دام لها صفة البشرية فقد تكون بارة، وقد تكون فاجرة، لأنها لا تتمتع بالعصمة التى تتمتع بها شريعة الله ولا الأنبياء المرسلون.

المسيرة التاريخية لمصطلح «الحاكمية»:
- إذا كان المصطلح قد ظهر مع فرقة الخوارج فى أثناء أحداث الفتنة الكبرى ووقائع معركة صفين.. فإنه ولحسن الحظ فقد غاب هذا المصطلح وتوارى عن أدبيات الفكر الإسلامى مع طى التاريخ الإسلامى لصفحة الخوارج كجماعة خارجة على النظام فى صورة سلسلة من الثورات المسلحة.

- وظل المصطلح وشعاره متواريا ومطويا فى أودية النسيان، حتى ابتعثه ورد إليه الروح من جديد أبو الأعلى المودودى الذى صاغ فكره عن الحاكمية فى مؤلفاته الرئيسية التى كتبها ما بين سنة 1937م-1941م ومن أشهرها كتاب «الحكومة الإسلامية» وكتاب «الإسلام والمدنية الحديثة».. ومن بعد المودودى، وإذا ما انتقلنا إلى المنطقة العربية، وعلى وجه الخصوص مصرنا الغالية التى كانت تموج حينذاك بالتيارات السياسية والحزبية بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، فلم يكن لتجربة المودودى فى القارة الهندية أى تأثير يذكر فى مسارات الحركة حينذاك. ولكن عندما وقعت الفتنة بين الجماعة ورجال الثورة، وتوسعت دائرة الاعتقالات الوحشية فى التعامل مع قيادات الفكر والاجتهاد الحركى من قبل رجالات النظام الناصرى، فكانت ردة الفعل هى عملية التنظير لمفهوم الحاكمية من داخل السجن الحربى، فقام الأستاذ سيد قطب بالنظر والتحديق فى مفهوم الحاكمية، كما قدمه المودودى فى شبه القارة الهندية، فوجد أن فيه الخلاص إذا أحسن استعماله واستخدامه لإدارة الصراع بين الجماعة وخصومها، وتثوير المجتمع وتجييشه لحسم الصراع لصالح الطرح الإسلامى ضد الطرح الناصرى القومى.

وبالفعل تمكن الأستاذ سيد من إعادة صياغة مفهوم الحاكمية حتى جعله منهجا عقديا، وشعارا سياسيا، واستطاع الرجل أن يضفى الطابع العقدى على المفهوم ليكون مترادفا لكلمة التوحيد وأصل الإيمان. وقد ضمن تصوره الشامل للحاكمية فى كتابه المهم والخطير «معالم فى الطريق» الذى ألفه فى ظروف بالغة القسوة داخل ظلمات السجون.

ولسوء الحظ كانت تلك الكتابات هى السبب الأول وراء نشأة جماعات التطرف والغلو الإسلامى المعاصر مثل «التكفير والهجرة» و«الجهاد» و«الناجون من النار» و«القطبيين» وغيرها من الجماعات التى تغذت وشربت من تلك الكتابات وما تضمنتها من أفكار...

الكارثة فى الموضوع أن هذه الجماعات لم تنتبه أو لم تعقل أن هذه الأفكار التى طرحها أبو الأعلى المودودى قد ظهرت ونمت فى واقع هندى وهندوكى له ظروف وملابسات سياسية وحضارية خاصة ومعقدة.. فقد كتب المودودى كلماته تلك قبل تقسيم شبه القارة الهندية وظهور باكستان كدولة مستقلة سنة 1947.

وقبل هذا التقسيم كان المسلمون هناك أقلية عددية لا تتعدى نسبتهم 25% من السكان، وكانت الحاكمية البشرية فى ذلك الوقت وهذا الواقع إما سلطة الاستعمار الإنجليزى وإما السلطة الهندوكية التى لا يشك المودودى فى كفرهما معا.. ولذلك فقد رأى المودودى أن الحاكمية البشرية التى تثمرها الديمقراطية والانتخابات النيابية هى كارثة على الإسلام والمسلمين بشبه القارة الهندية.. ولذلك فقد حرم الانتخابات ورأى الديمقراطية نقيضا للإسلام.. وطبيعى جدا أن يلعن الرجل هذه الديمقراطية التى سوف تأتى بحاكمية بشرية هندوكية «بحكم الأغلبية» تقهر الهوية الإسلامية والشخصية الحضارية الإسلامية.

وقد سجل المودودى ذلك فى كتاب «الإسلام والمدنية الحديثة» حيث قال:
«إنى أقول للمسلمين بصراحة إن الديمقراطية القومية العلمانية تعارض ما تعتنقون من دين وعقيدة.. ولا انسجام بينهما فى أمر مهما كان تافها، لأنهما على طرفى نقيض».

ولكن ماذا بعد التقسيم سنة 1947 وقيام دولة باكستان الإسلامية المستقلة؟

فى باكستان ذات الأغلبية المسلمة، أسهم المودودى فى الانتخابات وفق قواعد الأغلبية والنظام النيابى.. لماذا؟ لأن الحاكمية البشرية هنا ستكون إسلاميه محكومة بحدود الشريعة الإسلامية وثوابتها ومقاصدها.. وبدأ المودودى فى هذا الواقع الجديد يتحدث عن «الديمقراطية الإسلامية»، ويتغنى متباهيا وفخورا بـ«ديمقراطيتنا العريقة»، وأكد أنه «ليس هناك عاقل يعارض هذه الديمقراطية».

نعود بعد هذا الإيضاح إلى الجماعات الدينية المتطرفة والتى نشأت متأثرة بكتابات أبى الأعلى المودودى وسيد قطب، فنجد ونكتشف:
1- أن لفظة الحاكمية لا وجود لها أصلا، لا فى الكتاب ولا فى السنة الصحيحة.. وها هو ذا المستشار حسن الهضيبى المرشد العام الثانى لجماعة الإخوان المسلمين يقول فى كتابه الأشهر «دعاة لا قضاة»: «ونحن على يقين أن لفظة الحاكمية لم ترد بأى آية من الذكر الحكيم، ونحن فى بحثنا فى الصحيح من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام لم نجد منها حديثا قد تضمن تلك اللفظة فضلا عن إضافتها إلى اسم المولى عز وجل».

2- أن هذه الجماعات قد بدأت وانطلقت من بعض -نعم بعض- عبارات المودودى وقطب التى كتبت فى الظروف التى ذكرت سابقا مع تجريد تلك العبارات عن الحاكمية من ملابستها السياسية الخاصة التى أفرزتها.

3- قامت هذه الجماعات بتحويل تلك العبارات وتلك الأفكار إلى «دين ثابت» صالح للتطبيق فى أى مكان. فكانت المشكلة أن هذه الجماعات حاولت تطبيق هذه العبارات والأفكار وتفعيلها فى واقع عربى يمثل المسلمون فيه أكثر من 95% من السكان، فتحول للأسف الفكر السياسى النسبى والمرتبط بالواقع الذى يثمره ويحدد طبيعته وتطوره، إلى دين ثابت صالح للتطبيق فى كل زمان ومكان!

4- أن أفراد تلك الجماعات اعتمدوا فى قراءتهم للمودودى وقطب على «الاجتزاء»أو «الانتقاء حسب الهوى» فاكتفوا بالعبارات التى تنفى أى حاكمية بشرية.. وتعمدوا إغفال صياغات أخرى للرجلين، كانا فيها أكثر توفيقا وتوازنا.. فالمودودى عند ممارسته للديمقراطية نراه وقد تحالف مع حزب الرابطة بقيادة (محمد على جناح) مؤسس دولة باكستان الحديثة، شيعى المذهب، علمانى الفكر والتوجه، ثم تحالف مع أخته (فاطمة جناح) فى الكتلة البرلمانية المعارضة.. وفى الانتخابات الرئاسية الباكستانية التى أجريت فى مطلع عام 1965حين اتفقت كل الأحزاب السياسية المعارضة لحكم أيوب خان على ترشيح فاطمة جناح لتلك الانتخابات لكونها شخصية بارزة كأخت شقيقة للقائد المؤسس للدولة، فإننا نجد مجلس شورى الجماعة الإسلامية بقيادة المودودى يوافق على هذا الترشيح كوسيلة وخيار ضرورى لإنقاذ البلاد من فساد وديكتاتورية أيوب خان.. وفى ظل تلك الممارسة نراه أيضا وقد أعلن أن هناك فى الإسلام حاكمية بشرية مقيدة بمبادئ الشريعة وثوابتها ومقاصدها.. أى أنها حاكمية مشروطة ومضبوطة بالشريعة. وهذا ما أكده سيد قطب فى تبنيه للحاكمية حين قال: «ومملكة الله فى الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية فى الأرض رجال بأعيانهم -هم علماء الدين- كما كان الأمر فى سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة كما كان الحال فى ما يُعرف باسم الحكم الإلهى المقدس!! ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هى الحاكمة، وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة». والحاكمية -بهذا المعنى- تنفى السلطة الدينية، ولا تنفى أن يكون للبشر دور فى التشريع، إنما هى تمنع أن يكون لهم استقلال وتفرد بالتشريع من دون الله، وهذا ما لا يقبله أى مسلم أو يرضاه.

ادارة التحرير في مركز آفاق للدراسات
Developed by