Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

الاسلام والقيم

 التربية الدينية (الاسلامية) أن نفهم العقيدة التوحيدية والعبادات وأسس تعاملنا مع المجتمع والدولة والمواطنة والناس، والتحلي بالفضائل والقيم. والاختلاف بين الأديان يقع أساسا بالعقائد والعبادات وهو من "المتميزات" بين الأديان، أما القيم والمعاملات وهي ال90% فهي ما يجمع البشرية جمعاء وفيها (جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).

تجديد الخطاب الديني وقراءة التاريخ

نشر بتاريخ: 2017-04-06

 

تحدثنا في المقالات السابقة عن الفرق بين الشريعة والفقه، وبينا أن الفقه في مجال المعاملات، أي الأمور الدنيوية، يمثل الأحكام الناتجة عن فهم عقل الفقيه البشري للنص داخل واقع محدد بظروف المكان والزمان، هذا الفقه يتحول إلى شريعة بمجرد إقرار هذه الأحكام والعمل بها، ومن ثم يعد تغيير الأحكام الفقهية الدنيوية بتغير الظروف والأحوال دليلا على صفة المرونة والتغير والتطور في الشريعة.
واليوم نتطرق لقضية الدولة، التي تعكس علاقة الإسلام بالسياسة، وتعد من أعقد القضايا التي واجهت وما زالت تواجه العقل العربي الإسلامي، حيث يرى البعض أن الإسلام ـ ونقصد بالإسلام هنا نصوصه التأسيسية من قرآن وسنة، مضافا إليه تجربة المسلمين التاريخية ـ يأمر بشكل معين من الحكم والدولة.
لغويا لم يعرف الفقه الإسلامي السياسي مصطلح الدولة بمعنى شعب متعدد الديانات والأعراق، يعيش في أرض ذات حدود، ويخضع لنظام حكم سارٍ على كافة أفراده دون تمييز، فمصطلح الدولة كان يستخدم في تجربة الحكم الإسلامية وكذلك في أدبياتها دلالة على الأسرة الحاكمة مثل الدولة الأموية والدولة العباسية ودولة هارون الرشيد، وكلمة دولة مشتقة من فعل الدوران والتعاقب أي التداول، بمعنى أن الأسر الحاكمة تتداول الحكم فيما بينها، ويؤيد ذلك المعنى قوله تعالى: "وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" (آل عمران، آية 140)، وكذلك قوله سبحانه بشأن عدم تداول المال بين الأغنياء فقط: "كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ" (الحشر، آية 7).
في هذا السياق يرى المفكر السوري عزيز العظمة في كتابه الألماني "أسلمة الإسلام" أن كلمة دولة في التجربة الإسلامية تعني نوعا خاصا من الترابط الوراثي، أي ملكية السلطة والقوة داخل أسرة واحدة، ولم ترد كلمة "دولة" إلا في مجال التأريخ للأسر الحاكمة (ص 63)، ويلتقي هذا الرأي مع تعريف المؤرخ المغربي عبد الله العروي لكلمة دولة في كتابه الماتع الشهير "مفهوم الدولة" بأنها "الجماعة المستقلة بالسلطة المستأثرة بالخيرات وتعني في نفس الوقت الامتداد الزمني لتلك الاستفادة" (ص 89)، أي أن لفظ الدولة يعني الأسرة الحاكمة وكذلك فترة حكمها، فعندما نقول الدولة الأموية نعني شخوص أسرة الأمويين الحاكمين، أو فترة حكمهم.
 هذا ولم يرتبط مصطلح "الدولة" بالإسلام كدين؛ فلم يعرف التاريخ الإسلامي مصطلح "دولة الإسلام" وإن كانت صفة "إسلامي" ـ بحسب أستاذ الإسلاميات الألماني الشهير راينهارد شولتسه (Reinhard Schulze) في مقاله  "الإسلام والسلطة – التوظيف السياسي للدين" ـ قد وردت في حق الدول بمعنى الأسرة الحاكمة، تفريقا لها عن غير الإسلامية، فوصف الدولة الإسلامية يعني الأسرة الحاكمة التي تدين بالإسلام، ولعل هذا يظهر دلالة عبارة "حكم الإسلام" أو "الحكم الإسلامي"، فلم يكن الإسلام هو من يحكم، بل حكام بشر معتنقون دين الإسلام، فالإسلام هنا وصف لديانة الحكام، وليس لسلوكهم ولا لنظرية حكم.
 في ذات السياق يرى المفكر المغربي عبد المجيد الصغير في كتابه الهام "المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية" أن وصف كثير من الملوك والسلاطين أنفسهم بألقاب ربطوها بالدولة مثل معز الدولة، عضد الدولة، ناصر الدولة، ركن الدولة، فخر الدولة، نظام الدولة، ولي الدولة، عماد الدولة، سيف الدولة، معين الدولة وأمين الدولة الخ، يشير إلى أن لفظ الدولة هنا يرتبط بالقوة وبالقهر وبالشوكة أكثر من ارتباطه بالأمة أو الجماعة أو وحدة النظام والإدارة.(ص 117)
ومع دخول مصطلح دولة بالمعنى الحديث في اللسان العربي لم يجد له خلفية فقهية لأن الفقه الإسلامي  يقوم على فكرة وحدة "الدولة" التي تحكم العالم الإسلامي كله أي الخلافة، ومن ثم تجاهل الفقه وضع أي قواعد تنظيمية لعلاقات الدول الإسلامية مع بعضها البعض، كما ذكر السنهوري في كتابه "فقه الخلافة" (ص 247)، أي أن مفكري الاسلام قديما وحديثا لم يتناولوا الدولة كإشكالية نظرية، ولم يبحثوا عن ماهيتها السياسية في الاجتماع الوطني، وانشغلوا فقط بالحديث عن علاقتها بالدين وبالأمة، وبكونها قضية هوية.
وثمة شواهد عدة على أن فكرة الدولة الوطنية ليست من الأهداف التي سعى إليها الفقه والفكر الإسلامي السياسي، حيث لم يربطا الأرض بشعب بعينه ذي روابط حضارية وثقافية ودينية ولغوية معينة، ولكن ربطاها بالدين والدعوة إليه، ومن ثم جاء التقسيم العام للأرض إلى "دار إسلام" و"دار حرب"، ولم يتحدثا عن شعب ذي خصائص معينة انطلاقا من قواعد الاجتماع البشري، ولكن عن "أمة" رابطها الوحيد هو العقيدة الإسلامية دون وطن جغرافي محدد. 
رغم كل ما سبق نجد مفكري الإسلام السياسي يؤكدون أن تاريخ الإسلام عرف مفهوم الدولة، وذلك عبر استخدامهم كلمة "دولة" رديفا، وأحيانا بديلا لكلمة "خلافة" كما فعل محمد عمارة في كتابه "نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام"، كما أن الإسلاميين لا يقدمون تعريفا دقيقا لطبيعة "الدولة الإسلامية ذات المرجعية الإسلامية" التي يتغنون بها؛ فهذا يوسف القرضاوي يعرفها فقط عن طريق أهدافها المرجوة: "إن دولة الإسلام 'دولة عقدية فكرية' دولة تقوم على عقيدة ومنهج [...] وظيفتها تعليم الأمة وتربيتها على تعاليم ومبادئ الإسلام، وتهيئة الجو الإيجابي والمناخ الملائم، لتحول عقائد الإسلام وأفكاره وتعاليمه إلى واقع عملي ملموس" (من فقه الدولة في الإسلام، ص 19)، وهو تعريف يتصف بالعمومية والطوباوية، ولا يقدم ما يساعد في الصياغة العملية للدولة كنظام إدارة.
من جانبه ينفي محمد عمارة صفة الدينية عن الدولة، بينما يصر على وصفها بأنها إسلامية - وكأن الإسلام ليس دينا – من حيث المرجعية التي تعتمد على الشريعة، وبأنها مدنية النظام وتقوم على ثلاثة أركان: الله، الأمة والخلافة، وبعيدا عن لفظ الأمة الذي لا يتفق مع مفهوم الدولة كما سنبين في مقال لاحق، يؤكد هذا كله ضبابية الصورة حول مفهوم الدولة، وعدم التفرقة بينها وبين الخلافة من جانب، ويوحي بوجوب إقامة الخلافة من جانب آخر، رغم أن عمارة يرى أن الجانب السياسي كله متغير، ومنه بطبيعة الحال الدولة التي هي الخلافة بحسب استخدامه.
وللحديث بقية عن معضلة الدولة وشواهدها المعاصرة.

 د. عاصم حفني
 
Dr. Assem Hefny
Akademischer Rat
Centrum für Nah- und Mittelost- Studien (CNMS)
مركز الدراسات الشرق أوسطية
Universität Marburg
Developed by