Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

في رد البغي نصر

 " وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ"
صدق الله العظيم

مؤتمر في ميلانو بعنوان "اللغة العربية وآدابها".. حراك ثقافي مستقل في أوروبا

نشر بتاريخ: 2017-03-18

   
 
 - ميلانو - عماد فؤاد
ثلاثة أيام كاملة من الجلسات الأدبية والنقدية والشعرية والفنية في الجامعة الكاثوليكية بمدينة ميلانو الإيطالية، كانت كفيلة لأوقن أن الحراك الثقافي العربي صار مطلباً ضرورياً في أوروبا الراهنة، أوروبا التي تزايدت فيها الأحزاب اليمينية وتطرفت، في محاولة منها لمجابهة التطرف الإسلامي الذي ضرب باريس وبروكسل وبرلين وغيرها إرهاباً، تطالبنا اليوم بمثل هذه الفعاليات الثقافية التي تقدم لغتنا العربية وثقافتنا الإسلامية بشكل يجاري العصر، ويشتبك مع تغيراته المستمرة والموارة على أرض الواقع.

 
كانت أيام "المؤتمر الدولي الثالث للغة العربية وثقافاتها" بمدينة ميلانو الإيطالية، والذي انعقد بجامعتها الكاثوليكية في الفترة من 9 إلى 11 مارس (آذار) الجاري، مناسبة حقيقية لنكتشف أن علينا اليوم كعرب، ألا نستسلم للدفاع المستمر عن ديننا وثقافتنا، محاولين نفي الإرهاب عنا، وأن علينا أن نقدم ثقافتنا وأدبنا العربي إلى الآخر، بكل ما يحمله هذا الأدب من أسئلة لا تجد لها إجابات، وإجابات لا تجد لها أسئلة.



شارك في المؤتمر الذي ينعقد للعام الثالث على التوالي، بمبادرة فردية من المصري وائل فاروق، أستاذ الأدب العربي بالجامعة الكاثوليكية في ميلانو، شعراء وروائيون وباحثون ومبدعون من 9 دول عربية، إلى جانب عدد من الباحثين والمستشرقين من فرنسا والنمسا وإسبانيا وإيطاليا، شاركوا على مدى ثلاثة أيام من الفعاليات اليومية والمكثفة، في أكثر من جلسة نقدية وأدبية وشعرية، أمام جمهور متعدد المستويات واللغات والأعمار، في محاولة منهم لتقديم الثقافة والأدب العربيين إلى المستمع الإيطالي، دارساً للغة العربية وباحثاً ومترجماً ومستشرقاً.

مثل هذه المؤتمرات تنعقد عادة في بلداننا العربية يوماً بعد يوم، دون أن تترك أثراً، تقام وسط أروقة وزارات الثقافة العربية وفي قاعاتها الباردة، دون أن يسمع بها أحد، دون محاولة حقيقية للخروج بها إلى الهواء الطلق، هواء الجامعات والمعاهد الدراسية والمؤسسات المعنية بالتواصل المباشر مع الجمهور، وهو ما فعلته الجامعة الكاثوليكية في ميلانو الإيطالية بمؤتمرها هذا، وفعله وائل فاروق أستاذ الأدب العربي بالجامعة، ومن خلفه فريق كامل من طلبة اللغة العربية الذين يدرسون على يديه، رأينا فتيات وفتيان إيطاليين يتحدثون معنا اللهجات العربية المختلفة، فهذه جوليا التي تحكي العامية الأردنية لأنها درست في عمان، وهذه إليزا التي تتحدث العربية الفصحى وقليلاً من الدارجة المصرية، وهذه إيلينا بياجي المتخصصة في ترجمة المتصوفة المسلمين، وعلى رأسهم بن عربي والحلاج والنفري، تتحدث مزيجاً من اللهجات أثناء المداخلات كما لو كانت ولدت في إحدى القرى العربية.



هذه الفعالية الثقافية هي الأضخم من نوعها في أوروبا بحسب علمي، فليس هناك مؤتمر أوربي يخصص بكامله للغة العربية وآدابها إلا في ميلانو، والمدهش أن ينعقد المؤتمر على مدى أعوامه الثلاثة الماضية بتمويل فقير ومحدود من الجامعة، دون أي دعم مادي مقدم من أية دولة عربية، حتى أن أغلب المشاركين فيه من نقاد وباحثين ومبدعين، عرباً أم أجانب، شاركوا على نفقاتهم الخاصة، تكبدوا مشاق الرحلة لأجل المشاركة في المؤتمر لأهميته عربياً في اللحظة الراهنة، رأينا شاعر إسبانيا الكبير أنخل خيندا يأتي ليقرأ ورقته عن تأثير الشعر العربي على جيل 27 في الشعر الإسباني، تحت عنوان "أخيلة المثاقفة وبلاغتها"، وإلى جواره كلاً المبدعين والكتاب والنقاد عماد عبد اللطيف ومنتصر القفاش وأحمد عبد اللطيف، واستمعنا للناشر العراقي صمويل شمعون يتحدث حول صورة العربي في الإعلام الغربي خلال الأعوام العشرين السابقة، وإلى جواره آراء ومشاركات مختلفة في القضية ذاتها، شارك فيها سيد محمود رئيس تحرير جريدة القاهرة المصرية، ومونيكا ماجوني رئيس التلفزيون الإيطالي، وفؤاد منصور رئيس تحرير جريدة الأهرام إبدو الناطقة بالفرنسية.

يأتي هذا المؤتمر بجهود فردية وسعي حثيث من الناقد المصري وائل فاروق، لتأسيس معهد مستقل للدراسات العربية والإسلامية بجامعة ميلانو الكاثوليكية، في محاولة منه لجعل ميلانو، التي تعتبر العاصمة الاقتصادية لإيطاليا، عاصمة أيضاً للثقافة العربية، فمقاطعة لومبارديا التي تضم ميلانو تضم اليوم أكثر من 300 ألف مواطن من أصول عربية، ينتمي معظمهم إلى دول الشمال الإفريقي، إلى جانب سوريا وفلسطين ولبنان والعراق، ومن ثم تأتي أهمية هذا المؤتمر، الذي يجب أن يدعم من قبل العديد من الدول العربية، لأن هذا هو الحل الأمثل في لحظتنا العربية الراهنة، لتقديم ثقافتنا العربية والإسلامية في شكلها الصحيح، من خلال مراكز بحوث وجامعات أوروبا، غير ذلك، سنكون مثل النعام الذي يأنس بدفن رأسه في الرمال.

كان من اللافت أيضاً أن يشارك مشروع "كلمة" للترجمة، التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، في المؤتمر، تحت إشراف عبد الله ماجد آل علي، المدير التنفيذي لقطاع دار الكتب بالإنابة في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، فرأينا العديد من كتب مشروع "كلمة" يهدى إلى مكتبة الجامعة، كنواة أولى لتأسيس مكتبة القسم العربي في حال تم تأسيسه رسمياً، وهي المشاركة التي تأتي أيضاً في إطار احتفاء مشروع "كلمة" بعامه العاشر، ورصيد من الإصدارات يتجاوز الـ 900 كتاب مترجم في مختلف مجالات المعرفة، تمت ترجمتها عن أكثر من 13 لغة، وحضرت افتتاح معرض الكتاب المرافق للمؤتمر مارتا كارتابيا نائب رئيس المحكمة الدستورية الإيطالية، ورئيس هيئة الإذاعة والتليفزيون الإيطالي مونيكا ماجوني ، ومدير الجامعة الكاثوليكية في ميلانو ماريو غاتي، إلى جانب عدد من كبار مفكري العالم العربي والشعراء والأدباء والفنانين والباحثين والمستشرقين المشاركين في المؤتمر.

مؤتمر مثل هذا، لا يجب أن يقام مرة واحدة في العام، ولا أن تحتكره مدينة أوروبية دون غيرها، علينا أن ندعم مثل هذه المبادرات وأن نرعاها، فهي السبيل الوحيد لتقديم ثقافتنا العربية بشكلها الصحيح، دون تبريرات أكل عليها الزمان وشرب، ودون شوفينيات عربية لا تغني ولا تسمن من جوع.
Developed by