Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

عيدٌ فطر رضيٌ

باسم أسرة موقع نقطة وأول السطر
بمناسبة عيد الفطر نتمى لأمتنا العربية والاسلامية 
سمو الأهداف ونبيل الانجازات
 ولدولتنا فلسطين الاستقلال الوطني الناجز
ونتمى لكم الصحة والسلامة والرضا والعقل المستنير.

دراسة مركز الانطلاقة (5): مستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية من وجهة نظر إسرائيلية

نشر بتاريخ: 2017-03-10

فلسطين-القدس-نقطة-من مركز الانطلاقة للدراسات في فلسطين نقدم لكم الدراسة الخامسة للباحث عليان الهندي

  مستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية-من وجهة نظر إسرائيلية

 رفضت الرواية الصهيونية ودولة إسرائيل من بعدها، الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني في فلسطين، الذين اعتبرتهم أقلية من الفلاحين وقبائل بدوية متنقلة لا وطن لها. ونتيجة لذلك، رفضت الاعتراف بوجود حركة وطنية فلسطينة، وفضلت تحديد مصير فلسطين والفلسطينيين مع بريطانيا، قبل عام 1948، بصفتها الدولة المحتلة والمنتدبة، ومع الولايات المتحدة الأمريكية بعد عام 2000 من خلال الرسائل المتبادلة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أريئيل شارون والرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأبن.

ومع احتلال ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة) في حرب حزيران ونكسة عام 1967، وفشل إسرائيل في طرد الفلسطينيين منها، دخل قادة الدولة العبرية في نقاش وجهدلم يتوقف حتى هذا اليوم حول السلطة والقيادة التي تتمناها للشعب الفلسطيني.

أما السلطة، فكانت سلطة الحكم الذاتي التي تعطى فيها الشئون المدنية للسكان الفلسطينيين، فيما تتولى إسرائيل بنفسها الشئون الأمنية الداخلية، كما هو الحال في السلطة الوطنية الفلسطينية منذ عام 2000 وحتى اليوم، والسيادة الخارجية على كل فلسطين التاريخية، في حال تم التوصل لحل نهائي، إن كان ثنائيا أو إقليميا.

وفي مجال القيادة، تفاوضت مع بعض الدول العربية مثل الأردن (معظمها كانت مفاوضات سرية) ومع مصر في مفاوضات علنية، ومع قيادات فلسطينية محلية، وحاولت تصنيع بعضها فلسطينيا، في إطار سياسة "العصا والجزرة"، لتولي قيادة سلطة الحكم الذاتي. لكن في نهاية المطاف، فشلت إسرائيل في مساعيها لايجاد قيادة فلسطينية على مقاسها، ما دفعها لتقديم "مقترح محسن" لحكم ذاتي، ومفاوضات للتوصل إلى حل نهائي، ما دفع بقيادة منظمة التحرير للموافقة على المقترح، معتبرة إياه مقدمة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف !.    

تطرح المقالة الحالية الموقف الإسرائيلي المتعلق بمستقبل السلطة الفلسطينية، من دون ذكر مواقف الأطراف الأخرى، خاصة الفلسطيني،الذي يطمح إلى تحويل السلطة لدولة مستقلة ذات سيادة، وليس دولة وهمية وفق الفهم الإسرائيلي. كذلك لن يتم التطرق لموقف المجتمع الدولي، الرافض بشكل مطلق ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل من أجل التوصل لحل يلبي الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. 

تصنيع وطرد

مع صمت المدافع، اتضح لدولة إسرائيل حجم المشكلة التي ورثتها نتيجة شنها عدوان عام 1967 على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية. الأمر الذي دفعها لطرح مشاريع وحلول هدفها الأساسي التخلص من السيطرة على الشعب الفلسطيني، وتحويله لمواطنين في دولة أخرى. وفي حال الفشل، تمكين الفلسطينيين من حكم أنفسهم في إطار ما لحكم الذاتي، يحكم فيه الفلسطينيون أنفسهم، في حين تبقى السيادة الشاملة والشئون الأمنية والسياسة الخارجية تحت السيطرة الإسرائيلية[1].

وفي السياق المذكور، كانت خطة ألون (الخطة غير الرسمية للحكومة الإسرائيلية) المحاولة الأولى لتسليم الشعب الفلسطيني لسلطة المملكة الأردنية الهاشمية. لكن المشروع فشل، بعد أن اتضح لإسرائيل أن الأردن لا يمانع بتسلم السيطرة على الشعب الفلسطيني، لكنه يريد إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الرابع من حزيران عام 1967 بشكل أو بآخر[2].

وجرت المحالة الثانية في نفس الفترة، عندما قدم رئيس بلدية الخليل الشيخ محمد على الجعبري اقتراحا يقضي بتعيينه حاكما عاما للضفة الغربية بأمر من القائد العسكري. لكن إسرائيل رفضت مقترح الجعبري لعدم نضوج الظروف لتحقيق ذلك، وفضلت البحث عن تطبيق تدريجي للحكم الذاتي الفلسطيني[3].

وتبين أن انتخابات البلديات في الضفة الغربية عام 1976 كانت المحاولة الإسرائيلية الثالثة لايجاد قيادة وسلطة لحكم ذاتي فلسطيني. لكن نتائج الانتخابات كانت مخيبة لآمال الأردن وإسرائيل، حيث سقطت في هذه الانتخابات الشخصيات التقليدية المؤيدة للأردن ما أضعف إمكانية عودتها لحكم الضفة الغربية، في حين تعرضت إسرائيل ومخططها لضربة موجعة نتيجة فوز شخصيات وقيادات مؤيدة لـ م.ت.ف، التي رفضت التعاطي مع المخططات والمشاريع الإسرائيلية لتشكيل سلطة حكم ذاتي مناطقي. ولم تكتف هذه القيادات برفض المشروع الإسرائيلي، بل شكلت "لجنة التوجيه الوطني" التي تضم كل روؤساء البلديات وبعض الشخصيات المستقلة، لتنسيق المواقف في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية مع منظمة التحرير. وردا على ذلك، وبعد تشكيل الإدارة المدنية عام 1981 أقيل معظم رؤساء البلديات الذي رفضوا التعاون مع الإدارة المدنية، وعزز دور ومهام روابط القرى.

وفي عام 1981 جرت المحاولة الرابعةلايجاد قيادة فلسطينية تسير وفق الهوى الإسرائيلي في رؤيتها لسلطة الحكم الذاتي، عندما شكلت الإدارة المدنية (بقيادة مناحيم ميلسون) وعززت قوة روابط القرى (بقيادة مصطفى دودين الوزير السابق في الحكومة الأردنية) بهدف تقاسم الصلاحيات. أو تطبيق "التقاسم الوظيفي" وفق صاحب المشروع الأصلي وزير دفاع الجيش الإسرائيلي آنذك موشيه ديان. لكن المشروع فشل، لاعتبارات عديدة كان من أهمها :رفض الفلسطينيين التعامل مع أي قيادة فلسطينية تدعمها إسرائيل، والرؤية الإسرائيلية الضيقة لسلطة الحكم الذاتي.

بعد فشل المخططات الإسرائيلية بايجاد قيادة فلسطينية توافق على سلطة الحكم الذاتي للفلسطينيين، توصلت إسرائيل عام 1988 ،بعد الانتفاضة الأولى، إلى قناعة بضرورة التفاوض مع قيادات وطنية محلية من أجل تطبيق الحكم الذاتي. وكانت تلك المحاولة هي الخامسة من نوعهاالتي قادها وزير الدفاع الإسرائيلي إسحاق رابين، الذي اعتبر قادة الانتفاضة الفلسطينية الأولى بأنهم الأحق في قيادة الشعب الفلسطيني. ونتيجة ذلك، توجه للسجون للتفاوض مع مختلف قيادات الانتفاضة، الذين أبلغوه رفضهم للمشروع الإسرائيلي للحكم الذاتي، وأنهم لن يشكلوا قيادة بديلة عن قيادة منظمة التحرير.

وبعد فشل كل المحاولات لتطبيق حكم ذاتي بواسطة حل إقليمي أو قيادة محلية، أصبح الباب مفتوحا على مصراعيه أمام م.ت.ف لدخول المسيرة السلمية مع إسرائيل من بوابة الموافقة على سلطة الحكم الذاتي.

 حليب من غير دسم

فتح مؤتمر مدريد الباب على مصراعيه أمام الحلول الانتقالية للقضية الفلسطينية. وبعد مفاوضات سرية في عدد من العواصم الأوروبية بين الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس وبين شمعون بيرس تم التوصل إلى "اتفاق إعلان المبادئ" أو أوسلو 1، الذي نص على إنشاء سلطة الحكم الذاتي لمدة خمسة أعوام، تبدأ بعد السنة الثالثة من تشكيلها مفاوضات الحل النهائي[4].

وتبين من خلال بنود الاتفاق حرص إسرائيل على أدق التفاصيل المتعلقة بإنشاء السلطة الفلسطينية ابتداء من الاسم الذي رفضت تسميتها بالسلطة الوطنية الفلسطينية، وأوعزت إلى موظفيها بعدم تلقي أية رسالة تحمل اسم "السلطة الوطنية" بعد محاولة السلطة فرض ذلك كأمر واقع، وانتهاء بالصلاحيات التي جاءت إلى حد بعيد جدا متوافقة مع وجهة نظرها في صلاحيات الحكم الذاتي[5].

ورغم النص الواضح في اتفاق أوسلو الداعي إلى حل الإدارة المدنية ومراجعة الأوامر العسكرية بعد انتخابات المجلس التشريعي، رفضت إسرائيل حلها، ولم تمانع من سن قوانين فلسطينية يتم تطبيقها بشكل كامل على الفلسطينيين، وليس على الأرض، شريطة أن لا تتعارض مع الأوامر العسكرية خاصة المتعلقة بالمرجعية العليا في الضفة الغربية والسيادة على الأرض، التي قسمتها إسرائيل إلى ثلاثة أنواع، منحت فيها الفلسطينيين صلاحيات واسعة في المناطق التي أسمتها "مناطق A"[6].

كذلك فرق الاتفاق بين قطاع غزة وبين الضفة الغربية، عندما تحدث عن إنسحاب من قطاع غزة وأريحا، في حين تحدث عن إعادة انتشار للقوات في الضفة الغربية، وكان ذلك البند مؤشرا لقادم الأيام في كل ما يتعلق بمستقبل قطاع غزة[7]. 

وبعد تطبيق الكثير من بنود اتفاقيات أوسلو، تبين أنها تطابقت مع تصريح الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيرس الذي قال فيه:"أعطيناهم [أي الفلسطينيين] حليبا من غير دسم"[8].

ومع ذلك، تطلبت سلطة الحكم الذاتي مقلصة الصلاحيات، وجود قيادة ضعيفة لم تنجح إسرائيل في إيجادها، ما اجبرها على التعامل والتوصل إلى اتفاق مع أكثر الشخصيات كرها في تاريخ دولة إسرائيل، الشهيد ياسر عرفات، الذي ما أن وطأت قدماه قطاع غزة حتى بدأت إسرائيل بسلسلة اغتيالات واعتقالات وتصريحات هدفها إضعافه وسلطته، بدأتها باغتيال الشهيد هاني عابد في مدينة رفحوالحقت به بالشهيد يحيى عياش وغيرهم، وفي اعتقال العشرات بمن فيهم من كان معتقلا في سجون السلطة.

ولتحقيق نفس الهدف شنت أجهزة الأمن الإسرائيلية حملة تشويه في صفوف المعتقلين الفلسطينيين بإبلاغهم أن اعتقالهم تم بالتنسيق مع السلطة أو أن اعترافاتهم في سجون السلطة سلمت لهم. وهي ممارسات ساهمت في إضعاف السلطة وقيادتهاكثيرا، لصالح خصومها السياسيين في حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 دمرت القوات الإسرائيلية مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وحوصر ياسر عرفات بمقر المقاطعة في رام الله، إلى أن استشهد في أواخر عام 2004. ما مكن إسرائيل من فرض رؤيتها المطلقة للحكم الذاتي –شئون مدنية لسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، والشئون الأمنية من مسئوليات إسرائيل.

 اجلس ولا تعمل شيئا

بعد استشهاد ياسر عرفات، وتولي الرئيس محمود عباس رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومن أجل المحافظة على الوضع القائم بعد عام 2000، أعادت إسرائيل صياغة رؤيتها للقيادة الفلسطينية بتأكيدها على عدم قدرة الرئيس محمود عباس على التوصل لحل نهائي، ورفعت شعار "عرفات يستطيع لكنه لا يريد، وأبو مازن يريد لكنه لا يستطيع[9]".

وأكدت إسرائيل على رغبتها الجامحة في المحافظة على الوضع القائم، عندما أعلنت "انفصال أحادي الجانب عن قطاع غزة"، مخلفة وراءها حالة من الارباك والفوضى، أدخلت الفلسطينيين في صراع وانقسام داخلي، أدى إلى انقلاب حماس على السلطة الوطنية الفلسطينية وسيطرتها على قطاع غزة محدثة، ليس انقساما بين الضفة الغربية والقطاع، بل سلطتين للشعب الفلسطيني برأسين، تسيطر فيها على الغلاف الخارجي والجوي والبحري في قطاع غزة، وعلى كل ما يتعلق بالأمن بما في ذلك الأمن الداخلي في قطاع غزة[10].

الأمر الواقع المقدس إسرائيليا في الضفة الغربية وقطاع غزة تمت المحافظة عليه إسرائيليا من خلال سياسة برأسين هما:

1.    عسكرية أمنية بحق قطاع غزة وهي أيضا مكونة من بندين هما

         أ‌-         عدوان عسكري بعنوان "حملات عسكرية وتهدئة"، أي هجوم من إسرائيل وتهدئة من حماس. وتحت هذا العنوان شنت إسرائيل ثلاث عمليات عسكرية كبيرة دمرت خلالها معظم البنى التحتية في قطاع غزة، وأوقعت عشرات ألاف الشهداء والجرحى.

      ب‌-      إلهاء قطاع غزة في البحث عن الغذاء والماء والكهرباء.

2.    وفيما يتعلق بالضفة الغربية فقد اتبعت إسرائيل بحقها سياستين هما:

           أ‌-         إغراق الضفة الغربية بالفوضى والفلتان الأمني من خلال شل عمل المؤسسات الأمنية، وإلهاء القيادة السياسة الفلسطينية في البحث عن حلول لهذه الفوضى.

        ب‌-      إدخال الفلسطينيين في دوامة الإصلاحات البنيوية في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، كشرط للعودة لطاولة المفاوضات، لكن من دون شروط مسبقة[11].   

ولتفادي مأسسة "الأمر الواقع" الإسرائيلي، دخلت السلطة الوطنية الفلسطينة، في ورشة إصلاحات سياسية وقانونية وأمنية وبنيوية، شهدت لها مختلف المؤسسات الدولية والدول الراعية بأنها بنية تحتية لإقامة دولة مستقلة[12].

لكن إسرائيل، التي لا تملك تصورا غير سلطة الحكم الذاتي لحكم الفلسطينيين تذرعت بما يسمى "بحالة عدم الوضوح"في العالم العربي من أجل المحافظة على الأمر الواقع[13].

وإجمالا يمكن القول، أن المقولة التوراتية "اجلس ولا تعمل شيئا" كانت العنوان الرسمي غير المعلن للسياسة الإسرائيلية المتبعة مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ومع سلطة الحكم الذاتي التي يترأسها[14].

 سيناريوهات مستقبلية

انشغلت إسرائيل منذ احتلالها للضفة الغربية، خاصة بعد تأسيس الحكم الذاتي الفلسطيني في تحديد ما لا تريده في أي سلطة مستقبلية للفلسطينيين بعد التوصل لحل نهائي. وكانت الخطوط العريضة التي وضعها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق رابين (لا عودة إلى حدود عام 1992والقدس عاصمة موحدة للشعب اليهودي والمحافظة على كتل المستوطنات، ونزع السلاح في الضفة الغربية) هي الموجه العام لكل الحكومات الإسرائيلية، بعد عام 1967، بما فيها حكومة بنيامين نتنياهو الذي أعلن في مناسبات عديدة أن عناصر الحل التي طرحها رابين للتوصل لحل مع الفلسطينيين مع بعض التعديلات، هي عناصر مقبولة عليه.

وتبين من مفاوضات كامب ديفيد الثانية بين المرحوم ياسر عرفات وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود براك، أن الحل المرغوب به إسرائيليا يفرغ الدولة الفلسطينية من مضمونها السيادي، نظرا للمطالب الإسرائيلية المختلفة في جميع المجالات، خاصة في مجال الأمن، حيث ترغب إسرائيل في بقاء المناطق الفلسطينية خالية من السلاح، مع احتفاظها بوجودها العسكري في الضفة الغربية ضمن معسكرات ومواقع عسكرية دائمة وثابتة، وإعطاء الجيش الإسرائيلي أولوية وحرية الحركة في بعض محاور الطرق الرئيسية  في أراضي "الدولة الفلسطينية المستقبلية !".

وعلى نفس المسار، نفذت خطة الفصل في قطاع غزة وبني الجدار في الضفة الغربية، بهدف المحافظة على بقاء السيطرة الخارجية والداخلية في كل فلسطين التاريخية بأيد إسرائيلية.

ولم تشذ خطة الانطواء التي أعلن عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرط عن الخطوط العامة لمفاوضات كامب ديفيد وخطة الفصل أحادي الجانب عن قطاع غزة، التي أراد من خلال تطبيقها تخليد الأمر الواقع في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

وحتى المفاوضات التي اجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرط مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فقد عقدت في ظل فقدان الحكومة لأغلبيتها البرلمانية، والأسوء من ذلك أرادها أولمرط برنامجا انتخابيا، وليس اتفاقا قابل للتنفيذ الفوري. بالمختصر، رهن الاتفاق بالانتخابات، التي أرادها آداة كي يتهرب من القضايا الجنائية التي أودت به في السجن فيما بعد. وعلاوة على ذلك فقد أُبلغ الرئيس الفلسطيني محمود عباس من قبل الوزيرين في حكومة اولمرط إيهود براك وتسيفي ليبني أن اولمرط لا يملك صلاحيات التفاوض معه، وأن أي اتفاق معه لا يساوي الحبر الذي سيكتب فيه[15].

لكن الحلول المذكورة، لا تلقى موافقة فلسطينية بالمطلق، لأنهاتخلدالأمر الواقع (الحكم الذاتي مع بعض التحسينات) وينهي الصراع مع دولة إسرائيل من دون الحصول على دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشريف.

ونتيجة ذلك، أدخل الموقف الإسرائيلي، مسيرة السلام وإمكانية التوصل لحل نهائي مع الفلسطينيين في مأزق عميق، سيؤدي إن عاجلا أو آجلا، إلى انهيار السلطة وتفككها. ما دفع المؤسسة الرسمية والأحزاب الإسرائيلية المختلفة ومراكز الأبحاث في إسرائيل إلى البحث عن خطط للمحافظة على الوضع القائم، خاصة إذا إنسحب الرئيس محمود عباس من المشهد السياسي،والخطط هي:

قطاع غزة– تُجمع النخب السياسة والحاكمة في إسرائيل على ضروة المحافظة على الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة في أي تصور مستقبلي، مع الاستعداد لمنح هذا الكيان مكانة دولة، في حال توفرت ظروف إقليمية ودولية تسمح بإنشاء هذا الكيان. وفي حال نجحت إسرائيل في المحافظة على الوضع القائم في قطاع غزة، فإنها ستحافظ على الانجازات الاستراتيجية بعيدة المدى التي حققتها مثل: المحافظة تقسيم الفلسطينيين، يساعد في استمرار السيطرة المطلقة لإسرائيل على "الأقليات الفلسطينية"، على إخراج قطاع غزة من ساحة المقاومة للمشروع الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس، والهروب من مسيرة السلام بحجة عدم قدرة السلطة الوطنية الفلسطينية على فرض سيطرتها على القطاع.

وفيما يتعلق بخطط مواجهة انهيار السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية فهي:

خطة المؤسسة الأمنية: عقدت الحكومة الإسرائيلية في بداية عام 2016 ثلاثة جلسات سرية لمناقشة مستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية التي أخذت مكانتها تتآكل وتشهد تراجعا، قد يؤدي إلى انهيار السلطة. ولم يعلن عن نتائج هذه الجلسات التي ظلت سرية، لكن الخطة التي قدمها وزير الدفاع الإسرائيلي السابق،التي شارك في وضعها وزير المالية وكبار ضباط الجيش والأجهزة الأمنية خاصة جهاز المخابرات الذي يعتبر رئيس الوزراء المسئول الأول عنه[16]، تشير إلى التوجه العام للحكومة الإسرائيلية.

وكان الهدف من الخطة، هو اتخاذ قرارات الهدف منها تخليد الأمر الواقع[17]، بواسطة تعزيز قوة السلطة الوطنية الفلسطينية ومنع انهيارها، لأن ذلك الانهيار سيكلفها ثمنا سياسيا يعيد إلى الواجهة القضية الفلسطينية ويدفع باتجاه زيادة الضغط لمقاطعة إسرائيل على مختلف الأصعدة، ويخلق واقعا يجعل من الدولة الواحدة أمرا ممكنا، وفي المجال الاقتصادي، ستدفع الخزينة الإسرائيلية 20 مليارد شيكل (ما يعادل 5.5 مليارد دولار) تكاليف سنوية لإعادة احتلالها مناطق [18]A. وتكونت الخطة من:

1.    التقليل قدر الإمكان من اقتحامات منطقة A الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية.

2.    الإفراج عن بعض الأموال المجمدة للسلطة الوطنية الفلسطينية، والسماح بفتح مشاريع اقتصادية في بعض مناطق C.

3.    زيادة تصاريح العمل في إسرائيل.

4.    توسيع المعابر التجارية بين إسرائيل والسلطة لتسهيل تنقل البشر والبضائع.

ولقناعة إسرائيل أن الأمر الواقع الأبدي الذي تسعى لفرضه على الفلسطينيين، لن يتحقق، عادت إلى سياستها القديمة في البحث عن قيادة فلسطينية جديدة توافق على الأمر الواقع في الضفة الغربية. ولدورها الفاشل في ايجاد قيادة بديلة، انشغلت مراكز القرار في إسرائيل في مسألة وراثة الشهيد ياسر عرفات، وعادت نفس المراكز في البحث عن مستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية ومن سيخلف الرئيس الحالي محمود عباس، يضطر إلى التسليم بالأمر الواقع إسرائيليا[19].

وفي الوقت الذي اعتبرت فيه إسرائيل، أن خيار انهيار السلطة الوطنية الفلسطينية خيار غير عملي، نظرا لاعتبارها من قبل الكثيرين من القيادات الفلسطينية انجازا وطنيا، تحافظ من خلاله على "مصالحها الخاصة"، قدمت خيارات تفترض بقاء السلطة، مع تنحي رئيسها إما بشكل طبيعي او غير طبيعي، وهذه الخيارات هي:

الأول:عملية انتقال منتظم للسلطة- تشارك فيه الدول العربية المعتدلة مثل مصر والأردن والسعودية، وبمباركة أمريكية. وتعتبر عملية انتقال السلطة بعد استشهاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات نموذجا على ذلك. وهو الحل الذي تفضله مؤسسة الحكم الإسرائيلية، رغم معرفتها بعدم قدرتها على لعب أي دور في اختيار القيادة المستقبلية. لكن، الإبقاء على السلطة بشكلها الحالي، يعتبر الهدف الأهم بالنسبة لها[20].

الثاني:تحالف مركز القوى - تشكيل تحالف من مراكز قوى سياسية وأمنية تضم قيادات من حركة فتح مثل تحالف أعضاء اللجنة المركزية مروان البرغوثي وتوفيق الطيرواي وجبريل الرجوب وصائب عريقات وربما ينضم إليهم محمد دحلان مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية بقيادة اللواء ماجد فرج وحازم عطاالله ونضال أبو دخان، على أن تتفق الأطراف المذكورة على تقاسم السلطة والاتفاق على رئيس توافقي لقيادة السلطة والمنظمة[21].

الثالث: تقاسم السلطات -تتكون السلطة في صفوف الشعب الفلسطيني من هيئتين سياسيتين هما :منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها المختلفة، التي تقودها حركة فتح منذ عام 1968 حتى هذا اليوم. والسلطة الوطنية الفلسطينية التي تقودها أيضا حركة فتح منذ نشأتها حتى هذا اليوم. ومن شأن الاتفاق داخل حركة فتح المدعومة من قبل الأجهزة الأمنية وبعض القوى الفلسطينية، ولمنع حدوث أي فراغ في السلطة، وعدم عودة الفوضى تقسم الصلاحيات بين رئيس منظمة الحرير الفلسطينية وبين رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، بموافقة جميع الأطراف المذكورة[22]. 

الرابع: الإمارات الفلسطينية غير المتحدة–وهو المشروع الذي يلقى قبولا كبيرا في أوساط اليمين الإسرائيلي والكثير من وزراء حزب الليكود.

ويتكون المشروع من عدة بنود من أهمها :حل السلطة الوطنية الفلسطينية، لمنع قيام دولة فلسطينية بين البحر والنهر، وتشكيل ثماني إمارات فلسطينية تقاد بواسطة عشائر وحمايل فلسطينية كبيرة مثل تسليم رام الله للبراغثة وآل الطويل من البيرة، ونابلس لآل الشكعة والمصري، وأريحا لصائب عريقات، والخليل لآل جابر وأبو سنينة، كما تقام نماذج حكم مشابهة في طولكرم وجنين وقلقيلية[23].

 خلاصة

المبادئ العامة لرئيس وزراء إسرائيل السابق إسحاق رابين والمشروع الرسمي التي طرحت في كامب ديفيد وخطة الفصل وخطة الانطواء، لحل النهائي مع الفلسطينيين، التي تبناها معظم روؤساء حكومات دولة إسرائيل بمن فيهم بنيامين نتنياهو، لا تصلح سوى لـ "سلطة حكم ذاتي فقط". ويعتقد أن هذه المبادئ ستظل الموجه العام للسياسات الإسرائيلية في السنوات الخمس القادمة على الأقل لاعتبارين هما: الأول، تعميق التوجهات اليمينية المتطرفة في المجتمع اليهودي. والثاني، عدم قدرة الفلسطينيين ،بغض النظر عمن يقودهم، على الموافقة على الخطط المذكورة لأنها لا تحقق الحد الأدنى لمطالبهم الوطنية المتمثلة بحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والعودة إلى حدود الرابع من حزيران.

الرغبة الإسرائيلية الساعية لتخليد الأمر الواقع (سلطة الحكم الذاتي) ومواصلة الاستيطان، تتطلب من الفلسطينيين مواجهتها ببرامج نضالية وسياسية لا تشمل فقط تبني شعار "دولتين لشعبين" الذي تآكل بشكل كبير جدا بعد أكثر من 22 عاما من المفاوضات، ولم يعد يصلح كحل للقضية الفلسطينية، بل يجب تبني سياسات أكثر وضوحا تأخذ بعين الاعتبار المعطيات الديمغرافية والتوزيع الجغرافي للفلسطينيين في كل فلسطين التاريخية اللذان يميلان لصالحهم، مع التركيز على فضح سياسة التمييز العنصري بحق الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم.

وتبني برنامج سياسي ونضالي جديد قائم على المعطيات المذكورة، سيدفع إسرائيل ،بشكل أو بأخر، إلى مراجعة سياستها القائمة على تخليد الأمر الواقع، وربما يجبرها إلى البحث بطريقة جدية وحقيقية عن حلول تلبي الحد الأدنى من المطالب الوطنية الفلسطينية، مقابل تجميد ،وليس تنازل، عن المطالب الفلسطينية التاريخية.


[1]. غازيت شلومو، الطعم في المصيدة، ترجمة عليان الهندي، ص 199، باب الواد للإعلام والصحافة، 2001.

[2]. مصر وإسرائيل وأميركا توصلت إلى اتفاق سري قبل مؤتمر جنيف،أسد الاردن - قصة ملك، نشر على حلقات في النسخة الاليكترونية www.aawsat.com لصحيفة الشرق الأوسط الصادرة في لندن، الحلقة الثامنة، 29 اكتوبر 2007، العدد 562.

[3]. مصدر سبق ذكره، الطعم في المصيدة، ص 221-222.

[4]. منشورات وكالة الأنباء الفلسطينية وفا، أوسلو (2) القاهرة 451994.

[5]. نفس المصدر.

[6]. مناطق A مستوحاة من اتفاقيات كامب ديفيد التي قسمت شبه جزيرة سيناء إلى مناطق A & B & C، وتم تبنيها من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين بطلب من الجيش الذي قاده إيهود براك في ذلك الوقت.


[7]. نفس المصدر

[8]. التلفزيون الإسرائيلي، برنامج مباط (نظرة) الأخباري الذي بث مقاطع من تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيرس في الكنيست الإسرائيلي للرد على منتقدي اتفاقيات أوسلو، 1994.

[9]. الهندي عليان، خيارات إسرائيلية للحل النهائي في الضفة الغربية وقطاع غزة، هيئة التوجيه السياسي والوطني، ص 27، 2007.

[10]. عنبر إفرايم، ما العمل في الموضوع الفلسطيني ؟، ص 1، مركز بيغن السادات للدراسات الإسرائيلية، 2007. 

[11]. بروم شلومو وعنات كوارتس، المسار الإسرائيلي-الفلسطيني من دون مفاوضات، ص 30، مركز أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، 2011.

[12]. المصدر السابق، ص 30.

[13]. عنبر إفرايم، التقلبات في الوطن العربي والأمن القومي الإسرائيلي، ص 2، مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية، 2012

[14]. ويكيبيديا، فتوى توراتية تمنع اليهودي من القيام بأي عمل في حال عدم علمه بنتائج عمله.

[15]. رفيف دروكر وباروخ كرا، أسرار مسيرة السلام - لماذا رفض أبو مازن اقتراحات أولمرط، الحلقة الثانية. برنامج تلفزيوني حواري يعرض في القناة العاشرة باسم همكور (المصدر)، 2015.

[16]. رون بن يشاي، مواجهة انهيار السلطة، الموقع الاليكتروني لصحيفة يديعوت أحرنوت www.ynet.co.il ، 2016.

[17]. يروشلمي شالوم، انهيار السلطة الفلسطينية: من يشتاق لأيام الاحتلال المظلم، موقع معاريف الاليكتروني www.nrg.co.il، 432016.

[18]. جريدة كلكليست، كم يكلف اعادة احتلال المدن الفلسطينية، ص 15، 1342016.  

[19]. مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية، يوم دراسي بعنوان "بعد يوم من انتهاء حكم أبو مازن، محاضرة إيهود يعاري.

[20]. نفس المصدر.

[21]. نفس المصدر، محاضرة العميد إيتان دانغوت، المنسق السابق للإدارة المدنية في الضفة الغربية.

[22]. نفس المصدر، محاضرة هيلل بريش.

[23]. نفس المصدر، محاضرة البروفيسور مردخاي كيدار. 


Developed by