Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

الاسلام والقيم

 التربية الدينية (الاسلامية) أن نفهم العقيدة التوحيدية والعبادات وأسس تعاملنا مع المجتمع والدولة والمواطنة والناس، والتحلي بالفضائل والقيم. والاختلاف بين الأديان يقع أساسا بالعقائد والعبادات وهو من "المتميزات" بين الأديان، أما القيم والمعاملات وهي ال90% فهي ما يجمع البشرية جمعاء وفيها (جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).

فكر-د. كمال اللبواني: فكر داعش يبدأ من نوح عليه السلام

نشر بتاريخ: 2017-02-17

د. كمال اللبواني: كلنا شركاء

تعتبر قصص القرآن الكريم من (المتشابه) الذي لا يُقصد به حرفه بل مغزاه وحكمته ومقصده ، لذلك قال تعالى :

{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } (سورة يوسف 33)

وصفها بأحسن القصص وليس أصدقَها ، لأن القصة تعريفا هي فن أدبي يشابه الواقع ، وليست سجلا للتاريخ…  وهذا ينطبق على قصص بقية الأنبياء التي لا يمكن اعتبارها يقينا تاريخيا .

{ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا } (سورة النساء 1577)

فالقصص الواردة في الكتب الدينية ليست تأريخا للحدث بل سردا فنيا للحكمة التي تحملها الرسالات. 

أما علاقة فكر داعش بقصة نوح عليه السلام ( الذي يقدر عصره في الألف الرابع قبل الميلاد بحساب أعمار الأنبياء الواردة في التوراة )  فتعود هذه العلاقة لمذهب ديني سابق على الإسلام  نشأ في مرحلة الصراع بين الهمجية والمدنية ، بين (الخير والشر ) وتجسد في الصراع الوجودي بين (المؤمنين والكافرين) حيث لا بد من نفي وجود الكفار لتستقر المدنية التي قامت على الدين ، وهو ما دان له الناس من قيم وآلهة وأساطير ، وما نظم اجتماعهم المدني … فدار الكفر هي دار حرب . لذلك دعا نوح ربه أن يهلك كل الكفار ، ليدشن عصر انتصار المدنية في التاريخ :

{ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا } (سورة نوح 26 – 27)

فاستجاب له ربه وأهلك كل الكافرين ونسلهم بالطوفان ، ولم ينج من هذا الطوفان وفقا للقصة إلا من ركب الفلك من بشر وكائنات اختارهم نوح بنفسه… لكن ماذا حدث بعد ذلك … حدث أن عاد الكفر والشر كسابق عهده ، داخل المدنيّة ذاتها ، وانتشر من جديد بين الناجين في الفلك من أهل الإيمان . وهكذا فشل نوح في استئصال الشر والكفر حتى بعد قتل كل الكافرين، وفشلت المدنية بذلك وما تزال .

حكمة قصة نوح هذه تُستكمل في قصة الخلق:

{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } (سورة البقرة 300)

فشل نوح وسيفشل غيره لأن الخير والشر موجود في كل البشر منذ الخليقة وسيستمر ، والله قد خلق البشر وهو يعلم أنهم سيعصون ، أما ابليس ( رمز الشر ) فقد طلب من ربه في يوم الخلق أن ينظره إلى يوم يبعثون ، يوم الدين .

{ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ } (سورة الأَعراف 14 – 16)

أي ليخرج الشر حتى في طريق الإيمان القويم … لذلك قال تعالى :

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } (سورة الشمس 7 – 100)

أي أنه وفقا للقرآن لا يمكن تصنيف البشر والشعوب تبعا لمعيار الخير والشر أو الكفر والإيمان … بل إن ذلك موجود بنسب متفاوتة ومتغيرة في الجميع وفي كل نفس . ليصبح الصراع مع الشيطان جهداً دائماً في كل مكان وزمان وقوم ونفس ، ولا يُحسم بقتل الآخر ، و ليصبح الجهاد الأكبر هو جهاد الهوى في النفس الأمارة ، فهل نقتل أنفسنا أيضا …؟؟؟؟؟؟ 

الجواب  في الفكر الداعشي نعم:  فالآخر كافر وملحد وعاصي ومرتد يستحق القتل … أما النفس فهي أمارة بالشر وملعونة ، وعندما يكتشف الداعشي أنه لن يستطيع هزيمة نفسه ونوازعها، يبادر لقتلها خوفا من جهنم … ويقتل معها الآخرين الذين هم أيضا أصبحوا تجسيدا للشيطان بنظره … وهكذا يصبح هذا الفكر مضادا للحياة ذاتها التي أرادها الله ، ومخالف لسنة الكون ولحكمة الخلق التي أوردتها قصص القران الكريم ، والتي تقوم على الحياة بما فيها من تناقص وصراع ونقص وألم وخير وشر ( متاع الغرور ) ، باعتبارها ممراً الزامياً نحو الآخرة وامتحاناً للأنفس قبل توفيها. هذا الفكر مشروع لقتل الآخر والنفس وإبادة الإنسانية باسم الدين ومحاربة الشر… مع أن الله تعالى هو من خلق الخير والشر ، وابليس ملك مخلوق من ملائكته عصا الله في السجود لآدم ، ليطيعه في أصل خلقه كملاك للشر، ولا يجوز أن نجعل منه ندا لله كما فعل زرادشت .

{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } (سورة الرعد 15)

وفقا للقرآن فإن قتل الشيطان في هذه الحياة الدنيا أمر مستحيل طالما بقيت البشرية …  والحروب بين البشر قد تنشب ، لسبب أو آخر ولها قوانينها ،  لكنها لا يمكن اعتبارها صراعا بين الله والشيطان كما يصورها حزب الله وداعش وكافة من يحملون ذلك المبدأ الضدي الديني القديم الذي يقوم عليه العقل الدوغمائي ( المنغلق ) … ليصبح كل من اختلف معهم، و لأي سبب مهما كان، حليفا مساندا للشيطان الأكبر … بسبب اعتقادهم أنهم يحاربون هذا الشيطان بالوكالة عن الله ، فكل إعاقة لهم هي دعم لهذا الشيطان تبيح سفك دماء فاعليها .

نعم لقد شن المسلمون الحرب لتوسيع دولتهم ككل الدول حينها ، من دون أن تحركهم فكرة القضاء على الشر والكفر والديانات الأخرى أو إبادة الشعوب وتهجيرها وسبيها ، أما مبدأ القتل الديني فهي فكرة قديمة تمتد لعصر نوح أوردها القرآن الكريم في قصصه لينفيها وينبه لخطئها ، لأن الرسول محمد لم يدع لهلاك الكفار بل قال  ( اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون ) ، وقبله قال المسيح ( من ضربك على خدك الأيمن فادر له خدك الأيسر ) مشيرا لعدم جدوى العنف في نشر الفضيلة . 

ومع ذلك استمرت هذه الفكرة الدوغمائية كمذهب في الديانات المختلفة بما فيها المسيحية في مرحلة انحطاطها ومحاكم التفتيش ، وفي قصة يوشع بن نون الذي كان يحرم المدن بسكانها وحيواناتها ، وكذلك هولاكو ، وهتلر ، والخمير الحمر ، وصولا لبشار الكيماوي والخليفة البغدادي … وكانت قد برزت بقوة في عصر زرادشت ( 500 ق م ) الذي قسم الوجود لمملكتين متصارعتين ( مملكة النور ومملكة الظلمة ) الخير والشر ، وجعل الرجل من مملكة النور وألبسه الأبيض ، والمرأة من مملكة الظلمة والشر وألبسها الأسود وصارت عورة وشيطانا ونجسا ( وهذا أيضا اندس في الإسلام، وصار من الشريعة دون أساس نصي واضح) . ثم استمرت هذه الفكرة عن صراع الخير والشر  في مذاهب الخوارج والصفويين والنصيريين والقرامطة بأشكال وألوان متعددة ، وما تزال تتردد في التاريخ عندما يعطي الإنسان المؤمن (بأي عقيدة) لنفسه واجب قتل الكافر بها حتى لو لم يحاربه ، ولو كان طفلا وشيخا ، ويحول ذلك لفعل ديني أخلاقي نبيل  مبررا أنه يريح الآخر من ذنبه الوجودي ، وينقله لحياة أخرى أفضل . وهي اليوم كذهنية منتشرة بشكل واسع عند عموم الشيعة والسنة الذين يسيسون الدين ، في خطب المساجد والحسينيات وفي مناهج التدريس الشرعي ( وفي شعارات الثأر للحسين وقتل النواصب ، وقتال الكفرة الصليبيين واليهود ، وفي فكرة عودة الإمام المهدي على بحر من الدماء لكي يقضي على الكفر والكفار ويبيد السنة والنصارى واليهود ويعلن نهاية الشر ، والتي تحرك (كعقيدة) نظام الملالي في طهران ) وتطبق هذه الفكرة عمليا منظمات ارهابية مثل : حزب الله والحشد الشيعي والحرس الثوري ، وداعش والقاعدة وما شابهها  ، وكذلك شبيحة العلويين المتدينين الذين يرون في قتل السنة تحريرا لروحهم من عذابها وفرصة لكي تتقمص هذه الروح جسدا آخر في مكان أو عالم آخر ، وهي الذهنية التي تتسبب بهذا القدر من الوحشية المتبادلة ، التي تتجلى  بجرائم حرب وضد الإنسانية يندى لها وجه الحضارة ، و تعبر عن نكوص لعصر الوحشية الهمجية البربرية  باسم الدين الذي دانت له المدنية الانسانية بوجودها . 

فتتسبب بذلك الخوف العالمي المتضخم من الاسلام (كل الإسلام ) … ليس فقط الدول ، بل كل فرد  يشعر أنه مهدد بوجوده وأمنه في عقر داره ، بمجرد وجود الاسلام والمسلمين ، بسبب رعايتهم لهكذا مجازر وأفكار تبرر إلغاء الحق الأول من حقوق الإنسان وهو الحق في الحياة. مع العلم أن هذا الإرهاب يستهدف معظم المسلمين قبل غيرهم الذين يُكَفّرون بالجملة وتستباح دماؤهم بصفتهم مرتدين أولى بالقتل من الكفار .

هذا كله (كما شرحنا ) ليس من الإسلام لو فهم الدين ككل ، ولم يقطع لأجزاء منفصلة عن بعضها ليستخدم كل قسم منه كأنه صحيح بذاته ولوحده وليس بدلالة الكل ، بل إن هذا الفكر الخارجي هو ناتج جهل وغلو وانحراف وضلال عن محكم الدين والعقيدة الإسلامية، التي يدعون تمثيلها ، وهي منهم براء ، فقط لو تفكروا في هذا القرآن وعقلوه .

{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } (سورة آل عمران 7)

الإسلام بقرآنه بريء من هذا الإرهاب الذي يمارس باسمه ، ومن اتهام المغرضين الدوغمائيين له بذلك ، فقد جاء في محكم كتابه رفض صريح وواضح لاستخدام العنف في فرض الفضيلة :

{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } (سورة يونس 99)

{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } (سورة النحل 125)

ولكن البعض من المسلمين ومن أعدائهم يتجاهلون ذلك ويقتطعون من النص ما يخرجون به عن روحه الكليه ، ليبرروا أفعالهم الشيطانية . وهذا ما توعدنا به ابليس الذي يتجلى على شكل فيروسات فكرية عقيدية تحرك البشر لتدمير الإنسانية وقتلها ، وهو ما حرمه الله في رسالاته السماوية كلها .

{ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ } (سورة المائدة 32)

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (سورة الحجرات 13)

….  يتبع في المقال التالي :  الكل والجزء … خذوا الدين كله أو دعوه .

Developed by