Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

تسخيف العروبة!

 في ظل تسخيف مفهوم العروبة المقصود لدى أعداء الأمة تُرفع شعارات دعم "المحرومين"، ودم الحسين، أودعم أهل السنة، أو دعم الشيعة المحرمين بالعالم، أو شعارات الفينيقية والفرعونية والكنعانية المنفصلة عن الجذور العربية، وترفع كثير أطراف كالعادة علم فلسطين في ظل صراعات الاقليم، ونحن بمنأى كفلسطينيين عن تحويل الصراع المرتبط بوجودنا في ركب الامة الى صراع مذهبي او طائفي ، اوبصراع تسيطر عليه السياسة فتحمل المذهب على أكتافها لتحقن فيه جسد الامة مستبدلة الوحدة حول العروبية الى التمحور حول المذهب ما لا نقبله ولا نرتضيه أبدا.
#بكر_أبوبكر
من مقالنا:السعودية ودم الحسين وكنعان!

"أولاد الغيتو".. قُطبة قُطبةً .. كما يكتب د.أحمد جميل عزم

نشر بتاريخ: 2017-02-17
 

وصف صديق أكاديمي تفاعله مع إحدى الروايات بطريقةٍ فاجأتني؛ إذ قال إنّه كان يصل مرحلة لا يستطيع معها إكمال القراءة، ليس مَللا أو تعباً، بل لقسوة المشهد، فيَقلِب الرواية ليلتقط أنفاسه، قبل أن يُكمِل. وما فاجأني أن الشيء ذاته حصل معي في الرواية نفسها، وعشتُ الحالة ذاتها مع بضعة كتب، وفي حالات أخرى كانت تنقطع الأنفاس لجمال المشهد في الوصف.

كان ما حدثَ أثناء قراءة رواية إلياس خوري الأخيرة مختلفا. وللرواية عنوانان على الغلاف؛ "أولاد الغيتو" و"اسمي آدم". فلأول مرة أجد نفسي أوقف القراءة كليّاً؛ لا لعدم رغبة في القراءة، بل من فرط الإعجاب. وقررت أن أعود وأقرأها من البداية مجدداً بشكل مختلف، ممسكاً دفتراً خاصاً لأسجل كيف أفهم وأتفاعل مع أجزائها، فهي تتضمن نوعاً من استعراض ملامح الأدب والتاريخ العربي الاجتماعي منذ الجاهلية والأمويين؛ وهي تروي جزءا من سيرة خوري النضالية داخل الثورة الفلسطينية، وتتضمن رؤية نقدية ذاتيّة لكتاباته السابقة، بكل ما تتضمنه من أحداث صادمة وفرحة مذهلة في مخيمات اللاجئين. 

والأصعب ربطه كل هذا بنشوء "غيتو"؛ أي حَي مُحاطٍ بالأسلاك في مدينة اللد الفلسطينية، في العام 1948، وكيف استخدم الناس هذا الاسم، ربما نقلا عن جندي كان يحاصرهم، وكيف عاش الناس هناك. وقصص صاعقة؛ من تبول طبيب خوفاً، ومشاعر الناس وتصرفاتهم، ورقصة امرأة بلا وعي تحت فوهات البنادق في اللد، تشابهها تماما رقصة امرأة بلا وعي وسط مجزرة صبرا وشاتيلا، فضلا عن قصص فلسطينيين هربوا وهاجروا إلى الولايات المتحدة، ومفاجآت أخرى قد أعود لها عندما أنهي الرواية.

الواقع أني وجدت نفسي أهرب لاحقاً من الرواية خوفاً من الغرق داخلها. وعندما أُعلِنَ أن باحثين استخدموا ما يسمى "الهندسة العكسية" على جمجمة عمرها 9500 عام عُثِرَ عليها في أريحا، وموجودة في المتحف البريطاني ليرسموا وجه ذلك الشخص، ثم وَضَعَ البعض صورة وجدوها شبه متطابقة تقريباً مع صورة فلسطيني من أريحا، ما يزال حياً، فكّرت بإحضار كُتب كاثلين كينيون؛ باحثة الآثار الأميركية التي اشتغلت في أريحا والقدس منتصف القرن الماضي. ونفّذت الأمر وأحضرت أربعة كتب لها عندما تحدث أمين عام الأمم المتحدة عن القدس والهيكل المزعوم فيها.

لم أستطع قراءة الكثير في تلك الكتب. وأخيراً، أَنزلتُ من سقف مَكتبتي المُجلّد ثقيل الوزن المكون من 554 صفحة، باللغة الإنجليزية، وبحجم الصحيفة الصغيرة (التابلويد) عن الثوب الفلسطيني، والذي استعرتُهُ منذ عامين من صديق من دون أن أعيده، وكتَبتهُ حنان قرمان مُنيّر؛ علّني أقرأ عن استعارة الثوب الفلسطيني لنقوش وجدت في كهوف أريحا قبل أربعة آلاف عام. ولكن النتيجة أني وجدت نفسي أعود لـ"الغيتو".

كانت حنان دون الثامنة عندما احتُلت فلسطين العام 1948، وكذلك فرح الذي أصبح زوجها لاحقاً، وهو من اللد، "يتذكر عائلات تمر أمام  بيتهم (هاربة) والنساء تلبس الثوب الفلسطيني الجميل. أما الفلسطينيون الذين اختبؤوا فقد حصروا لاحقاً في غيتو، حيث قابل فرح، وهو ابن ثمانية أعوام امرأة بدوية من قرية قريبة، تلبس ثوبا أسود مطرزا، تسمى أم زويّد".

عاش فرح في كنيسة "الغيتو"، ثم هاجر مع حنان العام 1970، عقب زواجهما، إلى الولايات المتحدة. وطبيعي أن يحاولا الحفاظ على هويتهما هناك، واشترت حنان بعض الأثواب لها، لكن حياتهما تحولت في العام 1987؛ فقد جاء رجل يحمل أثواباً فلسطينية قديمة للبيع. أصيبا بالرعب من فكرة تشتت هذه التشكيلة الشاملة؛ تُشتَرى وتضيع وتُنسى. كانت بخيوط حريرية أحياناً، وبغطاءات رأس من عملات معدنية، وسوى ذلك. وقررا شراءها كلها، ولكن لا يوجد لديهما المال لذلك، فجاء الحل بِرهن بيتهما والاقتراض، واشتروا الأثواب.

في خلفية المشهد، أو في عمقه، كان "الغيتو" عند إلياس خوري، ومنه ذهب إلى صبرا وشاتيلا ورقصة أم حسن وباب الشمس والأمويين والعشق عند العرب، وأدب المهجر. وفي خلفية المشهد وعمقه، رحلة حنان وفرح، وكتابٌ رَسمَ خريطة القرى والبلدات والبوادي الفلسطينية مع تحليل قُطَب الأثواب (زخارفه)، ورسم تاريخ تفاعل الثوب مع البلدان المحيطة والعالم ومع الروح والإنسان.

تَهرُب، فتجد نفسك تهرب من "الغيتو" إلى "الغيتو"، مقيّداً بخيوط مُحكمة ومؤلمة كزخارف الثوب وجمالها. 
Developed by