Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

من رسالة أهالي الأسرى الى (ترمب)

 نحن الفلسطينيين لدينا الكثير لنساهم به ونقدمه للعالم، فقد قدمنا نماذجا في المجالات كافة من داخل الأسر ومن خارجه وتواقون للحياة وشعبنا الذي قدم التضحيات لتحقيق حريته يحلم بيوم يكبر فيه أولادنا في وطن حر بأمن وسلام.
من رسالة أهالي الأسرى للرئيس ترمب
22/5/2017

اللغة العربية والأمن الثقافي

نشر بتاريخ: 2017-02-04

ثمة كلام كثير يدور في الأفق حول واقع اللغة العربية، فحيناً تصنَّف أنها بين التفريط والإفراط وبين التراجع والانحسار، وقد يقول قائل: ما دامت اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، والركن الأساسي في تشكيل الهوية العربية، وأنها لغة التعليم والتعلم، ولغة الكتب والمجلات والصحف في الأقطار العربية جميعها، فلماذا نعاني إذن، ولماذا نعيش حالة من الميوعة الحضارية والاستلاب الثقافي؟

ولعل الإجابة المباشرة عن تلك الأسئلة، أن لغتنا تعامَل لغة للكلام دون الفكر. وهذا في أساسه صحيح ولب الحقيقة، لكن دون محاولة لتفسير أسباب ذلك أو الوقوف على حجم الخطورة الكامنة وراءها. 

والسؤال المؤرق الذي تفرضه حالة التردي لواقع هذه اللغة من ضعف وتشويه؛ هل يا ترى يعرف الجيل الجديد (جيل ما بعد العولمة) مميزات للغتنا غير أنها لغة القرآن الكريم؟ علماً أنهم يحملون بهذا الجواب حبل المشنقة لهويتهم الضائعة ابتداء من عزوفهم عن كتاب الله، وبالتالي يصبح العزوف عن اللغة بوصفها وعاء للفكر تحصيل حاصل.

لذا يصبح من الضرورة بمكان تكرار العديد من المعلومات العقلية عن اللغة وتاريخها، لعل الكلام بالعقل يكون أكثر نجاعة من الكلام بالنقل بالنسبة إليهم، وهل لديهم دراية بأن غالبية اللغات السامية اندثرت ما عدا لغتهم العربية؟! وأن لغتهم هي الأوسع في أصول الكلمات والمفردات، وتجمع ما لم يجتمع في تلك اللغات من مترادفات وأسماء وصفات وأفعال؟! وأنها واحدة من ثلاث لغات استولت على سكان المعمورة استيلاء لم يحصل للّغتين العظميين الإسبانية والإنجليزية من قبل، وتمتاز عنهما بأنها الأقدم؟! وهل يعرفون أن المتحدثين بها يزيدون على 422 مليون نسمة بحسب تقدير الإحصائيات الحديثة؟

أسئلة كثيرة نضعها في مواجهة خطورة الابتعاد عن اللغة توظيفاً وأداءً وحلما ورؤيا، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن ما جرى للّغة العربية من ضعف وهزال يجري عادة للغاتٍ أخرى في أحقاب متفاوتة، فاللغة كائن حي يعتريه ما يعتري أي كائن من عوارض ويخضع لتقلبات القوة والضعف والتراجع والانحسار، وهي عنصر أساسي في تشكيل الحضارة والنهضة، ولكن العبرة في الاستسلام للضعف أو النهوض لا سيما وأننا سجلنا حركة نهوض لغوي جيدة في بداية عصر النهضة الحديث عقب تردي واقع الأمة في أواخر الخلافة العثمانية. كما إن الانحسار ليس جديداً على اللغة، فقد مرت بذلك فنهضت وتخلصت من السجع وطوعت اللغة لليومي والجديد.

في ضوء ما سبق نعود للسؤال مرة ثانية؛ هل نعاني من ضعف اللغة، وهل ستلاقي اللغة نكراناً من الناس فيما لو صدر قرار رسمي «فاعل» باعتمادها بدلاً من اللغات الأجنبية في التعليم والإعلام والمعاملات، أم إن هذا صعب التحقق لصعوبة اللغة كما يدعي أبناء الجيل الجديد متناسين أن الضعف الذي نتهم اللغةَ به ليس ضعفاً من داخل اللغة، بل هو من خارجها، أي ليس من تراكيبها ونظامها البنائي.

ولو عدنا إلى واقع الحال الرسمي الرامي إلى الحفاظ على اللغة العربية، فليس هناك أكثر من قوانين حماية اللغة العربية التي تصدر عن الدول والمنظمات، ورغم ذلك فهي مصابة بالجمود أو التجميد. كما تزايدت الحلول والجهود وتنوعت في العقود الأخيرة لحماية اللغة العربية والنهوض بمستوى الأداء بها، خاصة في دول حكمتها أنظمة ترفع شعارات قومية وعروبية.

إن ما حسبناه من تخوفات وصل إلى أعناقنا، فقد بلغ التفريط باللغة -جوهرِ هذه الأمة- في هذه الآونة، أن أضحت لغةَ النخب المتخصصة والمخاطبات الرسمية فقط، وهذا لا يكفي لننعتها بلغة الحياة.

إن القلق بشأن اللغة بوصفها الركيزة الأساسية في هوية الأمة وثقافتها يتضاعف الآن في زمن التمدد الإلكتروني عبر الشبكة المعلوماتية، فشحّ المحتوى العربي على شبكة الإنترنت مقارنة بلغاتٍ أقل استعمالاً وانتشاراً، يشكل خطورة. حيث تفيد الإحصائيات أن اللغة العربية لا تمثل سوى 0.4% من بين اللغات الموجودة على شبكة الإنترنت مقابل 47% للإنجليزية.

وأشارت دراسة أعدتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) وصدرت مؤخراً، إلى ندرة المحتوى العربي على شبكة الإنترنت وأنه يشكل 3% من إجمالي المحتوى العالمي فقط، وعلاوة على ذلك فالمحتوى العربي مشتَّت بين كلمات مختلفة لا يمكن حصرها، مما يؤثر سلباً على نتائج البحث فتكون غير دقيقة وبالتالي غير موثوقة. وبالإمكان ضرب مثال في هذا المقام يوضح الصورة، فكلمة «جوجل» مثلاً تُكتب بصورة «قوقل» و»كوكل» و»جوجل» وغيرها، ولو أردنا البحث عنها في الشبكة سنحصل على نتائج متعددة للكلمة الواحدة، مما يعني تشتت الإحصائيات المطلوبة حول كلمة واحدة، فما بالنا بإرث لغوي كامل ومنتج فكري عظيم يسطر تاريخنا الماضي؟!

وكأن هذا التشتت يتضمن دعوة صريحة للتنسيق بين مجامع اللغة العربية في أرجاء الوطن العربي، وقد سمحوا بتعدد المصطلحات للمفردة الواحدة، مما يبعث عدم الثقة في النفوس تجاه اللغة ووضوحها.

ولعلنا نذكّر بأبرز الأسباب التي تواجه اللغة العربية وتجعلها عرضة للذوبان والتردي والتراجع عن دورها الأصيل في حمل راية الفكر والهوية والثقافة التي لن نوضع على خريطة الإنسانية إلا بها.

ويَظهَر الإعلام بوصفه أبرز محرض على تهميش اللغة، ورغم ما نشاهده من احتفاء بها في بعض القنوات الفضائية، إلا أن هذا التوجه يظل محدوداً. وفي المقابل يُسمَح للّهجات بالانتشار في وسائط الإعلام، ونجد ذلك جلياً عبر الفضائيات العربية، وكلٌّ يطرب بلهجته، وكذلك في المسلسلات والأفلام العربية، كما تنتشر الكتابة بالحروف اللاتينية عبر تلك الوسائط، فلو تولّد الشعور بحماية اللغة لتوقفت تلك المظاهر انتصاراً للفصيحة.

والسبب الثاني هو التعليم المدرسي، فاشتراط اللغة الأجنبية في المدارس الأهلية وارتباط المدارس الأهلية بطبقة مجتمعية، يدفع النظر إلى أن ما عداها دون المستوى ومن المخجل الانتساب إليه لكي لا يخرج تلك الفئة من طبقتهم المصطنعة.

ولو تجاوزنا الأسباب التي كثيراً ما يتم تداولها، من مثل سوء تصميم المناهج المدرسية وقلة استخدام المعينات التعليمية الحديثة، وازدحام مناهج النحو بالكثير من القواعد غير المتداولة والمختلف فيها، يمكن القول ونتيجة تجربة تدريسية إن قلة الاهتمام بتوفير مواد قرائية حرة أو مصاحبة هي من أكثر الأسباب المؤثرة في تقبل الطالب للغته، إذ أسفرت عن شحّ المعجم اللغوي لديه مما يدفعه إلى الخجل من استخدام لغة ليس له دراية بمفرداتها.

وقد يقول قائل إن ذلك ارتبط بتقليص عدد الحصص الأسبوعية المتاحة للغة العربية، مما يحول دون تقديم المطلوب تجاه هذه اللغة، فلا يجد المدرس وقتاً يخصصه للطلبة من أجل القراءات الحرة. لكننا نقول إن القراءات الحرة أهم من الحصة الصفية في كثير من الأحيان، إذ تسمح بإجراء مناقشة عقلية لا تستغرق وقتاً داخل الصف ما دامت القراءة تتم في أوقات خارج الدوام.

وهناك سبب آخر مسكوت عنه في واقعنا التعليمي يتعلق بعدم اهتمام العديد من معلمي اللغة العربية بتصحيح أخطاء الطلبة اللغوية والإملائية، واكتفائهم بوضع إشارة «صح» طويلة ترتفع من نهاية الصفحة إلى مبتدئها دون تغذية راجعة لمواطن الخطأ والقوة، مما أسهم في الاستسهال وترسيخ الخطأ بدلاً من الصواب. وكثيرا ما تعرضتُ من طالباتي للقول إن المعلمين لم يعلموهن أين تقع أخطاؤهن في الكتابة أثناء المرحلة المدرسية، فكيف أطالبهنّ بكتابة سليمة في مرحلة الجامعة.

هذه اللغة التي تشير الدراسات إلى أنها ستصبح ثالث لغة في العالم بالنسبة إلى عدد المتحدثين بها بعد الصينية والهندية، لا شك تحتاج إلى سياسات حماية جريئة ومباشرة تسهم في رد الاعتبار لها ومساعدتها في النهوض من جديد، فهي التي تقف وجهاً لوجه أمام تحديات العولمة بانتظار قدرات العربي الذاتية لتنطلق كما كانت.

ولعل من أهم التدابير العلاجية الاشتغال لمسايرة اللغات الحية ومواكبة العصرنة بالتبسيط النحوي والاستفادة من العامي واللهجي في توسيع مدارك اللغة، وإعادة بناء الوعي بقيمة اللغة من خلال قرارات سياسية حاسمة وعملية، وتعيين مراجع لغوي في كل مؤسسة مهنية وتعليمية وسياسية وغيرها، وإعادة تأهيل معلمي اللغة والعناية بالإعلام ودفعه لتهيئة الأفراد وإعادة الثقة بلغتهم من خلال ممارستها بحيوية في الوسائط الإعلامية واللوحات الإعلانية والصحف والتلفزة والخطابات العامة، وتفعيل اللغة عبر الشبكة الإلكترونية لتصبح منتجة للمعرفة لا مستهلكة لها، والتعامل معها على أنها وسيلة تعبير وليست إرثاً جمالياً نتغنى به في المحافل الأدبية، وتصميم قواعد بيانات وبرمجيات تخدم اللغة العربية في ظل الثورة التكنولوجية العالمية.

ورغم أن النظر إلى مستقبل اللغة العربية فيه الكثير من الجوانب المحبطة أو السلبية بسبب واقعها المؤلم الذي يعني قصوراً في أداء الدور العلمي، وقصوراً في التواصل مع مصادر المعرفة الحديثة، وقصوراً ثقافياً يحد من انتفاعنا بالرصيد العلمي العريق، وتراجعاً في القدرة على الإضافة إلى هذا الرصيد، وفوق كل ذلك يعني ضعفاً في الارتباط بالدين الإسلامي والتراث العربي، إلا أننا نظل نشرع باب الأمل بالنهوض من جديد، فالمسؤولية تجاه هذه اللغة بوصفها الحصن الأخير لهذه الأمة تقع علينا جميعاً. وما سلف يجلي بعض السبل التي قد تسهم في استعادة الهوية والوقوف من جديد على طريق الحضارة، ولن نعجز التكرار بأن هذه اللغة التي واجهت العواصف الداخلية والخارجية قروناً ستظل تثبت أنها قادرة على اجتياز الأزمات بتكثيف الجهود الصادقة القائمة على اليقين بضرورة الاعتزاز بها كونها رمز الوجود.

 د.امتنان الصمادي *

• أكاديمية أردنية تعمل في جامعة قَطَر
Developed by