Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

من رسالة أهالي الأسرى الى (ترمب)

 نحن الفلسطينيين لدينا الكثير لنساهم به ونقدمه للعالم، فقد قدمنا نماذجا في المجالات كافة من داخل الأسر ومن خارجه وتواقون للحياة وشعبنا الذي قدم التضحيات لتحقيق حريته يحلم بيوم يكبر فيه أولادنا في وطن حر بأمن وسلام.
من رسالة أهالي الأسرى للرئيس ترمب
22/5/2017

تيك أوي .. كما تكتب سما حسن

نشر بتاريخ: 2017-01-12
 

أعلن ابني قرارَه بأنني يجب أن أُعدَّ الخبز في البيت، وذلك لأننا نستيقظ كل صباح على صوت بائع جائل يعلن رغبته في شراء الطحين الفاسد الذي يخزنه الناس في بيوتهم لمدة طويلة، وهم يحصلون عليه مجاناً ضمن المعونات العينية المقدمة من وكالة الغوث الدولية للاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وأكد لي ابني أن هذا الطحين الفاسد يصل بطريقة ملتوية إلى المخابز التي لا تراعي صحة الموطن، حيث يتم إعداد الخبز منه، وكذلك أنواع مختلفة من الكعك والبسكويت، وقد أنكرت ذلك لولا تدخل ابني الآخر وهو الذي تخرج حديثاً واعترافه لي أن وظيفة "منخل" قد عُرضت عليه في أحد المخابز أي أن يقوم بعملية نخل الدقيق لأكثر من مرة قبل تجهيزه للعجن والخبز، وقد استغربت واندهشت من هذا الأمر ووافقت ابني على قراره والذي لن يكون جديداً، فقد اعتدتُ على مراقبة أمي وقبلها جدتي في اعداد الخبز في البيت أثناء سني طفولتي، وسيكون الأمر بالنسبة لأولادي تجربة جديدة، خاصة حين عرضوا عليّ مساعدتي، فالمهم عندهم أن يتناولوا خبزا غير مجهول المصدر، خاصة أنني أقنعتهم باستخدام دقيق القمح لأنه سيكون صحياً أكثر من الطحين الأبيض المسبب الأول للسمنة.

عادة إعداد الخبز كانت سائدة في غزة قبل سنوات بعيدة، وكان خبز المخابز يعتبر دليلاً على كسل الزوجة وربة البيت، ويمكننا القول إن تغيراً كبيراً او انقلاباً بدرجة 360 درجة قد حدث خلال العقدين الأخيرين في العادات الاجتماعية التي كانت متبعة في غزة، فقبل ذلك كان شيء من الحميمية والدفء والمشاركة يجلل العادات والطقوس المرتبطة بالأفراح والأحزان، فكانت كل العائلة تهرع الى بيت المُحتفى به أو مَن في بيته خطب جلَل، ونقصد بالعائلة هنا الأقارب من الأخوة والأخوات والأعمام والعمات والخالات والأخوال، فالعائلة في غزة نجحت في ان تبقى متماسكة، سواء كعائلة واحدة تحمل نفس الاسم او كأبناء قرية واحدة من القرى التي هجروا منها في العام 1948، فمخيم اللاجئين الواحد تم تقسيمه من قبل السكان وليس الحكومات، فتسمع من يقول: حارة اللدادوة نسبة الى مدينة اللد، وحارة العبادسة نسبة الى قرية عبدس، وهكذا خلقت تلك العلاقة المتشعبة والمتشابكة والمترابطة في نفس الوقت.

ففي الأفراح والأتراح كان المفتول كوجبة شعبية هو الطبق الرئيسي المقدم في الولائم مع أي نوع من اللحوم، فتظل نساء العائلة أو الحارة ساهراتٍ طوال الليل لتجهيز المفتول، وما أن ينبلج الصبح حتى يشعل الشباب والرجال نيران الحطب ليتم طهو المفتول عليه في تعاون واضح وحرص على إخراج هذه الوجبة في احسن وجه، وتشيع صواني المفتول مع موعد طعام الغداء بالتهاني والتبريكات او بالدعوات بالرحمة والمغفرة.

لم تتوقف غزة عن الاحتفال بعودة الحجيج ولا ختان المواليد، ولكن مع دخول طبائع وعادات جديدة انحسرت هذه العادات لتحل بدلاً منها عادة الطعام "التيك اوي" فأصبحت الوجبات التي تقدم في الولائم تصل جاهزةً من المطاعم والمطابخ، ويجلس الأقارب في انتظار وصولها مقدمين واجبات انسحبت منها الحميمية والمودة الصادقة وحلت محلها كلمات المجاملة وتأدية الواجب فقط، كانت نساء كل عائلة بسيطات طيبات يقضين النهار في غسل وتنظيف الأواني التي تم فيها إعداد الطعام ويتبادلن الأحاديث، ولا تخلو معاملاتهن من مودة صادقة وبساطة، ولكنهن الآن يصلن متعجلات غير مهيئات لمساعدة أهل البيت، يجلسن في انتظار الوليمة المعتادة التي تقتضي عليها العادات والتقاليد، ويغادرن سريعاً بعد أداء واجب ثقيل.

شيء ما تغير وهو الدفء إن كان يستطيع أن يجس ويحس، وامتد هذا البرود في العلاقات الاجتماعية الى نزهات شاطئ البحر، فانشغل الرجال بتدخين الأرجيلة والعبث بهواتفهم الذكية، وانشغلت النسوة بمتابعة أخبار الموضة والرجيم، فتغيرت عاداتنا الطيبة، فبعد ان كانت في نظري على الأقل ككرة الصوف الدافئة أصبحت كتلة من الإسمنت تغلفها الحيرة بين ماض جميل وواقع لا يمسك من الحضارة إلا قشورها، فتكاثرت الأمراض بين الصغير قبل الكبير، وحل طعام "التيك أوي" ليصبح هو شعار كل العلاقات التي لا تدوم حتى في الزواج الذي لا يعمر لشهور، فهل هناك من يطرق جدار الخزان، ونحن نعيش في هذا الزمن الذي أخذنا منه وسائل الرفاهية ولكن انعكس علينا وعلى صحتنا ومشاعرنا وعلاقاتنا، لست أعتقد أن الأمر سيكون هيناً، حتى وأنا أبدأ فعلاً في إعداد الخبز في البيت. 
Developed by